قصة عن الإلحاد النفسي، يكتبها عمر ذاكر الهاشمي

هذه سطور من رسالة قديمة لشقيقي الأكبر عمر:

“شيماء، ماذا أقص لكم عن شيماء؟
كانت وردة جميلة حين دخلت الجامعة، اختارت فرع الفلسفة.

حين تخرجها، كانت قد ألصقت صورة كبيرة فوق سريرها “لغيفارا”، تتأملها وتضحك على أبيها الذي يستعد لأداء صلاة العشاء.
في جلساتنا التي تلت تخرجها، كانت – كي تبرز وجودها – تتهجم على كل شيء يمت للدين بصلة، وترفض كل موروث تقليدي، خاتمة حديثها بأن “الدين أفيون الشعوب”.

شيماء هذه سافرت إلى فرنسا لنيل شهادة الماجستير، وهناك أدمنت على شرب الفودكا، فأدخلوها مصحا للأمراض النفسية.
لم تنقطع عن مراسلتي ومراسلة بعض الأصدقاء.

رسالتها الأخيرة التي أرسلتها لي كانت كتبتها قبل ساعة من شنق نفسها بسلك التلفزيون في المصح، تتكلم فيها عن الله والوجود.

شيماء كانت زميلتي في الجامعة؛ في السنة الأولى، كنا قد أصدرنا جريدة من صفحتين ليكتب الطلاب ونحن. رسالتها الأخيرة من فرنسا كانت كمقالتها الأولى في الجريدة التي أحتفظ بها كتذكار، آخر سطرين لم يتغيرا:

“أتوق لحرية “نيتشه” و”سارتر”، ما أجمل أن تكون طيرا بلا قوانين تحدك؟ لكني كما شوقي للحرية المطلقة، كما خوفي حين أنام، هل سأموت وأنتهي؟ أم أن هناك حياة أخرى؟ يلح شيء داخلي أحاول أن أسكته، وكلما أتناسى الأمر، تزيد مساحة الفراغ. أخاف منك يا الله.”

انفرجت شفتاي قليلا، لا سخرية منها، بل على هذا التراب الذي ندوس عليه، نحن ندوس على تراب أجسادنا.

ما أحقرنا حين نظن أنا محونا الله.”