سطور حول (الإلحاد النفسي) من مادة [فقه النفس]

كلمات حول نفسية الإلحاد أو الإلحاد النفسي، ثم سطور في الإجابة عن (لماذا خلق الله الشر؟)

قبل أن أفصل في إجابة السؤال (الذي يظهر أن السائل/السائلة يقرران أن هناك خالقا، وأنه “خلق” الشر)، أرى أن أقدم للإجابة بمقدمات مهمة:

• ليس في السؤال ما يقدح في إيماني كإنسان، خصوصا إذا كان منطلقا من أصل الإيمان ثم عرض لي من الخواطر والشبهات وعلامات الاستفهام ما يدعوني للتوقف لدفع الشبهة أو لتزكية النفس طلبا للعلم وسعيا في مدارج الإيمان.
• السؤال في ذاته يدل على سويتي كإنسان وطبيعتي وسلامة فطرتي التي خلقني الله عليها، لأنه يظهر نفوري من الشر وميلي إلى الخير؛ وهذا في حد ذاته بشارة طيبة.
• سؤال: ماذا إذا كان السؤال ينطلق من (إيمان جزئي) أو (عدم يقين) أو (لا إيمان = إلحاد) ؟!

هنا، لا بد لنا من وقفة مع مفردتي الإيمان والإلحاد.

أما الإيمان في لغة العرب فهو التصديق والوثوق والاعتقاد
وأما الإيمان بمعناه الاصطلاحي فهو التصديق والاعتقاد بوجود الغيب الذي لا يدركه الإنسان وما يتعلق بهذا الغيب

ومن هنا، نرى أن الإيمان درجات:

• الإيمان بالوجود الغيبي/الإلهي، ولكن دون معرفة لتفاصيل هذا الوجود.
• الإيمان بالوجود الغيبي/الإلهي، مع الاعتقاد بوجود خالق للكون والإنسان، ولكن دون ثمة كتاب أو رسول أو دين !!!
• الإيمان بالوجود الغيبي الإلهي + التدين بدين (Theism)

وهذا الإيمان، وخصوصا الإيمان بالوجود الغيبي/الإلهي مع التدين، يظهر في صور متنوعة:

• الإيمان الفطري/الوجداني المطمئن: إيمان لا شبهة فيه، يعتمد غالبا على قوة دليل الفطرة/الوجدان = إيمان العجائز.
• الإيمان الفطري/الوجداني القلق: إيمان ينطلق من دليل الفطرة/الوجدان فقط، وسرعان ما يهتز أمام تحديات الحياة.
• الإيمان الفطري/الوراثي المطمئن: إيمان يزيد على سابقه في أثر البيئة/العادة/العقل الجمعي، ويكتفي بهما.
• الإيمان الفطري/الوراثي القلق: إيمان لا يستند إلى على قليل من الفطرة/الوجدان وكثير من التقليد والإمّعية.
• الإيمان الفطري/الوراثي/العقلي: إيمان لا يكتفي بالفطرة/التقليد، بل يراجع هويته ويدعم ذاته بقوة العقل/العلم.
• الإيمان الفطري/العقلي: إيمان ينطلق من شرارة فطرية لم تنطفئ، لكنه يعتمد بشكل أكبر على الدليل/البرهان العقلي.
• الإيمان العقلي المجرد: وهذا ما يزعم أهله أنهم ينطلقون من الدليل/البرهان العقلي المجرد !!!

أما الإلحاد في لغة العرب فهو الميل عن القصد
وأما الإلحاد في الاصطلاح فهو الانحراف الكلي أو الجزئي عن مفهوم الإيمان (الاصطلاحي) أو العبودية

ومن هنا، فإن للإلحاد أيضا مراتب:

• الإيمان/الاعتقاد بالعدم الغيبي/الإلهي (Atheism). ومن هنا يفترض أن يملك من (يعتقدون) به دلائل وبراهين على هذا (العدم). وهو ما يعرفه البعض باسم (الإلحاد الموجب أو الإيجابي) = ادعاء (وجود) دليل/برهان على العدمية الغيبية/الإلهية.
• الإيمان/الاعتقاد بانتفاء وجود الدليل/البرهان على الوجود الغيبي/الإلهي. وهو ما يعرفه البعض باسم (الإلحاد السالب أو السلبي).
• عدم الإيمان/الاعتقاد لا بالوجود الغيبي/الإلهي ولا بالعدم، أي: عدم امتلاك دليل/برهان لدعم أحد الوجهين = اللاأدرية (Agnosticism).

ومن هذه الأصول الثلاثة تتفرع صور مختلفة ومتنوعة، ومن تلك الصور ما أسميه: الإلحاد النفسي.

ما هو الإلحاد النفسي ؟!

كإنسان موجود على هذه الأرض، وسواء ولدت في بيئة مؤمنة أو غير مؤمنة، وأيا ما كان نوع الإيمان الذي أسلكه، فإنني لا بد أن أواجه يوما ما سؤالا/أسئلة عن وجودي (أنا) وما قبله وما بعده، وعن الوجود وما قبله وما بعده، وعن الحياة والموت، وعن كل ما يتعلق أو يتفرع عن السؤالين (من أنا ولم أنا).

وبحسب النفس الإنسانية وعناصرها ومركباتها ومؤثراتها من فطرة وبيئة تربوية وتعليمية ومهنية وغيرها من مدخلات، فإنني أتوجه توجها معينا في هذه الحياة، وخصوصا في علاقتي بذاتي من جهة، وبالكون من حولي من جهة أخرى.

أما إذا كنت من أهل الإيمان (أيا كان نوعه)، فإنه قد يعرض لي من الحوادث والأحوال والشبهات ما يطرق باب إيماني لأجد نفسي فيما يشبه الامتحان أو التحدي، فإما أن أخرج من هذه التجربة أقوى أو أضعف.

وأما إذا كنت من أهل الإلحاد (أيا كان نوعه)، فقد لا أجد كإنسان دليلا/برهانا (علميا) على العدم الإلهي؛ لكنني أجد نفسي أمام شبهات واستفهامات حول (الحكمة الإلهية)، ولعل أبرز وأظهر هذه الشبهات: مشكلة الشر، أو ما تعبر عنه النفس بسؤال: لماذا خلق الله الشر ؟!

فإذا لم أجد إجابة شافية كافية، فإنني أعتبر هذا دليلا/برهانا على العدم الإلهي !!!
ومن هنا، يكون هذا السؤال إما مظهرا من مظاهر الإلحاد الموجب أو الإلحاد السالب أو اللاأدرية.

ولكل حالة من هذه الحالات طريقة لتناولها وعلاجها، فإذا كان (الشر) دليلا/برهانا على العدم الإلهي، فإننا نقف لنتساءل هنا عن أصل (الشر) وبالتالي عن أصل (الخير) !!!

كما يتبع هذا بالضرورة التوقف للإجابة عن (من أين لي كإنسان أن أعرف الخير والشر؟ وما الذي يحدد أيهما خير وأيهما شر؟ وما الذي يحدد أثرهما وطريقة التعامل معهما؟).

ثم يبقى السؤال: هل وجود الشر يلغي حقا وجود الإله؟ وإذا كان كذلك، فهل يلغي معه أيضا أي شكل آخر من أشكال بدء الحياة التي يفرضها أهل الإلحاد؟ أم إنه لا يكاد يرقى إلى أكثر من التساؤل حول حكمة هذا الخالق/الإله؟

أما إذا كان من يطرحون هذا السؤال (لماذا خلق الله الشر) من أهل الإلحاد السالب أو اللاأدرية، فإن غاية ما يمكن أن يصلوا إليه هو التشكيك أيضا، وليس القطع بعدمية الإله.

هذه الصور مجتمعة، تتفق في كونها صورا من صور (الإلحاد النفسي).

وهذه الصورة من التفكير هي ما يعبر عنه البعض بـ محاكمة الإله.

ومن صور (الإلحاد النفسي) التي رأيتها داخل العيادة النفسية وخارجها:

• شخص (ذكر/أنثى) يرى أن عقله أكبر من أن يتوقف عند حد معين ولا يستوعب (كل شيء) !!!
• ابن يلحد لأنه يكره والده (المتدين) لأسباب متعددة !!!
• ابنة تلحد لأن والدها وأشقاءها وأهلها (الذكور) يستغلون (الدين) للانتقاص من أنوثتها وإنسانيتها !!!
• شاب يلحد لأن (الله) لم يستجب (دعاءه) بأن يحفظ له (والدته المريضة) !!!
• شابة تلحد لأنها شاهدت أمها (تتعذب) كثيرا في حياتها مع (أبيها) !!!
• شاب يلحد لأنه لم يفلح في أي علاقة (شريفة) من علاقات (الحب) التي جربها !!!
• شابة تلحد لأن (الله) هو السبب في تعرفها على (حبيبها) الذي غدر بها وخانها !!!
• شاب يلحد لأنه تعرض لتحرش جنسي من أحد (رجال الدين) في صغره !!!
• شابة تلحد لأنها تعرضت لاغتصاب ولم يتدخل (الله) ليحميها آنذاك !!!
• شاب يلحد لأنه بحث عن (السعادة) فلم يجدها في أي (دين) !!!
• شابة تلحد لأنها لم تر مثالا (سعيدا) ممن حولها من (المتدينين والمتدينات) !!!
• شاب يلحد لأنه نشأ في بيئة (علمانية) لا تعرف عن الدين إلا (التخلف والرجعية) !!!
• شابة تلحد لأن (الدين) يشعرها بالذنب إذا ما قررت التحرر = الانفلات والتعري !!!
• شاب يلحد لأنه معجب بتاريخ (الغرب) ومفكريه (العقلانيين) الذين يداعبون عقله = هواه) !!!
• شابة تلحد لأنها مهووسة بـ (مشاهير هوليوود) وحياتها مزدحمة بأخبار (نجمات شباك التذاكر) اللواتي لا (دين) لهن !!!
• شاب يلحد لأنه يشعر بأن (الدين) ملازم لحالة (الضعف والتخلف) في أمة (الإسلام) !!!
• شابة تلحد لأنها وجدت أن الغرب (اللاديني) لديه من (النظام والحرية) ما لا يوجد عند (الأمة المتدينة) !!!

والأمثلة غير هذا كثيرة، ونراها ونسمع عنها كل يوم وليلة.

ولعلي لا أبالغ إذ أقول: إنني لا أكاد أصدق أن ثمة إلحادا (غير نفسي)، على الأقل لأنني لم أر من هؤلاء مثالا واحدا في حياتي.

لافتة مهمة: كل هذه الأمثلة (التي رأيتها بنفسي) تعاني من أحد أمرين أو كليهما معا: الجهل والكبر.

وهنا، نتوقف لنجيب عن السؤال (لماذا خلق الله الشر) منطلقين من نقطة التقاء العقل/النقل (أو الوحي)، فنقول:

لماذا خلق الله الشر ؟!

لافتة: سأتجاوز هنا اعتبار السائل/السائلة ممن لا يقرون بوجود (خالق خلق الشر)، وإلا، فإن السؤال قد يظهر في صيغة (لم يوجد الشر أصلا؟). ومن هنا، فإنني سأتجاوز الاعتراف الضمني في هذا السؤال بأن هناك ثنائية لازمة في الكون: الشر يقابله الخير، فيكون السؤال يجيب عن ذاته في ذاته، حيث يقول بحتمية معرفة الشيء من وجود نقيضه. فيبقى السؤال المقابل: ترى، كيف يمكن أن يكون شكل الحياة إذا وجد (الخير) فقط ؟! هل سيكون للإنسانية أي معنى ؟! هل سيكون للحق و (الخير) والجمال أي ذكر في تاريخ الإنسان وإبداعه وفنه ؟! وغير ذلك من أسئلة.

لكنني أتوقف هنا، لأجيب عن الصيغة التقليدية للسؤال: لماذا خلق الله الشر ؟!

1) السؤال يقضي بالتسليم بوجود الخالق؛ أو على الأقل بالتنزّل الجدالي إلى هذه الفرضية.

2) وجود الخالق (أصل كلي) ومسألة الشر (فرع جزئي) ، وبهذا فإن عدم إدراك الإجابة على السؤال (الجزء) لا يعني الإلحاد وإنكار (الكل).

3) علينا أن نقف على تعريف كل من (خلق) و (الشر) لأن بالتعريف سيظهر لنا أن هناك مشكلة في مسألة الإيمان عموما والقضاء والقدر خصوصا، فهل (خلق) الله (الشر) كما هو حقيقة (حيث يكون خيرا لا نفهمه نحن) أم إنه خلق الشر كما نراه ونحسه ؟!

4) ماذا لو لم (يخلق) الله (الشر) ؟! هل كان لهذا السؤال مكان أو حتى تصور للضد (وهو الخير) ؟! هل يمكننا تصور الحياة بدون قانون/مفهوم الزوجية والأضداد والتكامل ؟!

5) هل يصدر السؤال لحظة السعادة ؟! فهل نقول مثلا: لماذا خلق الله الخير والفرح والسعادة ؟! أم إنها زفرات نفس لحظة شعورها بالحزن والضيق والتعاسة ؟!

6) هل يتصور البعض أن (الخير) كله (خير) أم إن من (الخير) ما هو (شر) ؟! وعندها يبقى السؤال: لماذا خلق الله (أي شيء) ؟!

7) كيف سيكون شعور الطفل الذي (يشد) عليه (أبوه وأمه) في تربيته وهما في غاية (الرحمة) ؟! كيف سيفسر (شدتهما) ؟!

مثال آخر للدكتور خالد عمارة (أستاذ جراحة العظام بجامعة عين شمس): إذا كنت على سفر عن طريق المطار، فربما أتذمر من إجراءات الأمن والحدود في المطار، والتي تستغرق وقتا طويلا، فأتشكك في حكمة إجراءات السفر وقوانين المطارات؛ وأنا لا أدرك أن من وضعوا هذه القوانين والإجراءات عقل (أو عقول) أكبر من عقلي الذي لا يحيط بجو السفر والمطارات، وهو يعلمون أن لكل خطوة منها غايات وفوائد واحتياج وليست خطوات اعتباطية لمجرد التطويل ومضايقة المسافرين، لكنني لا أدرك أهمية ولا فائدة هذه الإجراءات، فلن أستوعب هذا الأمر وسأتضايق وأتذمر، وسأعتبر الأمر (شرا) !!!

8) كيف نفسر التعب والاجتهاد والاستيقاظ باكرا والركض مسافة طويلة والامتناع عن (طعام لذيذ) ، كل هذا من أجل (الرشاقة) ؟! هل كل هذا (شر) أدى إلى (خير) ؟! أم ماذا ؟!

9) هل الشر محض و (مطلق) أم إنه (نسبي) ؟! فما يراه البعض (شرا) قد يمر على الآخرين دون اكتراث لوجوده! فكيف بما يراه الخالق للمخلوق ؟!

10) لماذا قتل العبد الصالح الطفل (في رحلته مع موسى في سورة الكهف) ؟! ولكن، ماذا عن (الإجهاض) و (إزهاق) نفس (بريئة) لم تقترف شيئا بعد من أجل (صحة الأم) ؟!

11) كيف سيفكر المريض بالطبيب (الجراح) الذي (سيؤلمه) في (جرح) موضع (الداء) ليكون سببا في شفائه منه ؟!

12) لماذا لا ينشغل (السعداء والمنتجون والعبّاد الذين يعبدون الله كما أمر) بمثل هذه الأسئلة ؟! مع إن كثيرا من هؤلاء تمر بهم كثير من (الابتلاءات والمعوقات والاختبارات) التي ربما نظروا إليها على أنها (شر مطلق) ؟!

13) لو كان السؤال هو (لماذا خلق الله الشر في الجنة ؟!) لكان السؤال معقولا ومقبولا، يل وضروريا! أما على الأرض، محطة السفر إلى موطن الاستقرار، فإن السؤال لا يعدو أن يكون (تنهيدة مسافر متعب).

لافتة: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا). اقرؤوا القرآن واستمتعوا به واحيوا بما فيه، لأن ما فيه إنما هو (فن الحياة).