حوار بين العلم والأدب

أختي فاطمة
سلام الله عليك ورحمة الله وبركاته

رأيت تعليقك قبل قليل، وابتسمت، لأنك وقعت (كعادتك) في جهل أفضى بك إلى سوء ظن وسوء عقل وسوء أدب

أما سوء الظن، فلعلك لاتعرفين أنني فقدت حسابك (لكثرة التغريدات) ولم أهتد إليك بسهولة، خصوصا مع ضيق الوقت الذي لا يمكنني من مراجعة تاريخ التغريدات كلها، وإلا، فقد كتبت سطورا (تجدينها بالأسفل) منذ أيام عديدة وأعددتها لأرسالها إليك

وأما سوء العقل، فإن جهلك بقانون الصفحة عندي أدى بك إلى سوء الأدب أيضا، المتمثل في الضحكة الدامعة الساخرة التي تتعمدبن إبرازها كثيرا في تعليقاتك. لقد جرت عادتي منذ سنوات، ومنذ أن دخلت عالم مواقع التواصل الرقمية هذه (التي أسأل الله أن يعيذني من شرها دائما)، أن أحذف كل ما يكون جرى في (جدال) من شأنه (قسوة القلب)، وأعتبر هذا بمثابة (دعاء ختم المجلس)، لأنني لا أحب أن يبقى في (مجلسي) ما من شأنه قسوة القلب أو سوء العقل والأدب

وكنت أرجو لك أن تؤدبي نفسك بشيء من (حسن الظن) وعدم البحث عن (الانتقام للنفس) بدلا من البحث عن (الحق)

***

على أي حال، دونك هنا ما كنت كتبته لإرساله لك:

أختي فاطمة

بداية، أسأل الله أن يعينني وإياك على جهاد أنفسنا الأمارة بالسوء، وجهاد شر الشيطان وشركه
وأسأله جل في علاه أن يجعلنا وإياك أقوياء في الحق ضعفاء في الباطل

يرى بعض إخواني من (مشاهير الفضائيات) أنني (أشغل نفسي) بما لا طائل منه في مثل هذه النقاشات
ولكني أرى أن هذا من واجبي، ومن حق من أتعامل معهم من ضيوف (مجلسي) كما أراه
كما يعنيني أن أزكي نفسي بمعرفة مواطن قصوري (إن وجدت، وما نحن إلا من البشر، نخطئ ونصيب)

أقول هذا، لأن من حق نفسي أيضا أن أدفع عنها شبهة (الانشغال بالجدال)، وإلا فالأوقات مزدحمة بأعمال يعلم الله كمها وحجمها
والله المستعان

سأبدأ أولا بتوضيح مفهوم الصورة الذهنية (أي صورتي أنا عندك) التي نفيت تكونها عندك، ولكن معظم ما يصدر منك يدل عليها
فليس من الضرورة أن تعرفيني شخصيا (وربما لو فعلت كان الأمر أفضل وأهون)
بل يكفي بعض المفردات التي ستفتح في ذهنك ملفات معينة مرتبطة بصور ذهنية سابقة
ويظهر لي (والله أعلم) أن هذا ناتج عن سوء العقل (أو سوء القراءة) للمفردات، ومن هنا = الخروج بنتائج مغلوطة

يظهر هذا بوضوح من خلال عبارات / مفردات مثل:
((من أنتم لتحتقروا مسلما عاصيا)) !!!
((عقولكم المتحجرة اللي ما تقبل الآخر)) !!!
هنا، وقعت في جهل أدى بك إلى حكم ظالم، وكان يمكنك أن تسألي عن رأيي بكل سهولة ويسر لتعلمي أن درسي الأسبوعي يحضره أخوات (متبرجات)، وأقول: متبرجات، بمعنى (التبرج السافر) وليس مجرد (عدم الحجاب أو غطاء الرأس). وهنّ يترددن على الدرس منذ عام وأكثر، ولم أمثل لهم يوما (القاضي الجائر) بل (المعلم المربي) كما يصفنني.

((بصلاتها خاب أملكم)) !!! اجتراء على النويا بشكل يثير الشفقة ويدعو لمراجعة النفس والصدق مع الله ثم مع الذات

((تصنفون الناس: تقي وفاسق)) !!! أين وجدت هذا الوصف في كلماتي ؟! هذا بهتان وقعت أنت فيه

((لا يسخر قوم من قوم)) !!! المتابعون يعرفون أنني أستعمل مفردة الضحك في سياق ما أسميه (قسوة البلاء)، ولهذا أنصح بقراءة هذه الرسالة عن (فقه الضحك من منظور نفسي)؛ هذا إذا أردت الفهم وليس مجرد الحكم الجائر المفعم بهوى النفس
http://artoflife.net/archives/138

((أنت مبتلى بذنب السخرية والضحك على العصاة)) !!! أصبح واضحا الآن أن هذا الحكم (الجائر) نتيجة للجهل المركب (الصورة الذهنية) السابق له

***

هذا كله فيما يتعلق بظاهرة (سقوط الحجاب) التي (سقطت) أنت فيها بتعليقاتك السابقة

أما عن ما لدي من حالات (أعدها الآن للدراسة) حول أثر الخطاب الديني في المشكلات النفسية عموما والذهان والفصام خصوصا
فهذا شأن آخر

أولا) قفزت بسرعة، بجهل وهوى، لتحكمي على ما كتبته أنا على اعتبار أنه موجه لـ (الفصام) بمعنى (الانفصام) ، وهذا جهل منك
لأنني كتبت (الذهان) وعلقت على (الذهان والفصام)، لكنك أبيت إلا أن تأخذي الكرة إلى (ملعب آخر) لتظهري (منتصرة)، وأسأل الله أن لا أكون ظلمتك في حكمي هذا

ثانيا) ماذا يقول العلم علن أثر (الدين) أو (الماورائيات) أو (الخطاب الديني) أو (الأديان المنظمة) كما يسمونها في الغرب، على هذه الأمراض ؟!

وقبل أن أضع لك ما لدي من روابط (بعضها قديم وبعضها حديث)، أود منك أن تعيدي قراءة ما نشرته حول حالة الشاب، تلك الحالة التي استفزتك فكتبت ما كتبته بتعجل ودون فقه أو وعي:

الشاب كان في حالة (فوق جيدة) في حياته اليومية: تفوق جامعي، بر والدين، محبوب من الجميع، مقبل على خطوبة لفتاة يحبها، مسؤول عن عمل دعوي في المسجد، محبوب من قبل أقرانه وطلابه
حتى بدأ الاستماع إلى (عدنان إبراهيم)، بدأ الأمر بمادة أو مادتين، ثم صار (يخلو) به ساعات طويلة، ثم صار يدخل في جدال مع أقرانه ووالديه، ثم صار يشكك في دينهما وفي تاريخ الإسلام، حتى بلغ حد (الذهان) المتمثل في أنه (سيهدي البشرية بإسلام جديد، يتزعمه عدنان إبراهيم) !!!

وهذه صورة متكررة (ليست بتفاصيلها، ولكن بصورتها العامة)

ولدي حتى الآن (خلال عشرة شهور في العيادة النفسية) 17 حالة تكاد تكون نسخة عن بعضها !!!

هذا كله فيما يتعلق بـ (عدنان إبراهيم) فقط، ناهيك عن (التربية الدينية التقليدية) أو (الوعظ المنفر) أو (نشأة الجزيرة العربية) أو غيرها

هنا بعض الروابط لما قد يد يجيب عن أسئلتك:

http://journals.lww.com/practicalpsychiatry/Abstract/2001/05000/Faith_or_Delusion__At_the_Crossroads_of_Religion.4.aspx
http://www.scielo.br/scielo.php?pid=S0101-60832007000700013&script=sci_arttext&tlng=en
http://davidhealy.org/wp-content/uploads/2012/05/2010-Linden-Healy-Religious-Revival-Acute-Psychoses1.pdf
http://psycnet.apa.org/journals/ccp/73/4/610/
http://www.smw.ch/docs/pdf200x/2004/25/smw-10322.PDF
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3364254/
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4031576/

وأختم بما بدأت به

أسأل الله أن يعينني وإياك على جهاد أنفسنا الأمارة بالسوء، وجهاد شر الشيطان وشركه
وأسأله جل في علاه أن يجعلنا وإياك أقوياء في الحق ضعفاء في الباطل

والسلام
عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي