رمضان، وهداياه الربانية

رمضان، وهداياه الربانية
رمضان 1431 للهجرة / 2010 للميلاد

الأخوة والأخوات على وجه البسيطة في هذه الأرض الحبيبة

سلام من الله عليكم جميعا ورحمة وبركات

تأتي هذه الرسالة متأخرة – نسبيا – إذا ما كانت للتهنئة والمباركة برمضان، إلا إن هذا التأخر هو في حد ذاته أحد أهم أسباب إرسالها.

لا أظنكم نسيتم رسالة العام الماضي (رمضان 1430 للهجرة والموافق شهر 8 آب أغسطس من العام 2009) !!!

لافتة: الرسالة مرفقة، لأولئك الذين لم تصلهم العام الماضي، ومنها نسخة مترجمة إلى اللغة الانجليزية أيضا.

يومها، حدثتكم عن ذلك الزائر والضيف الكريم، الذي يعودني كل سنة ليرعاني ويرى أحوالي ويمدني بأسباب العون والمدد والقوة المختلفة، يرسله إلي ولي أمري ورب نعمتي.

هذا العام، وبكرمه المعتاد، يعودني ذلك الزائر الحبيب، والضيف الخفيف، رمضان.

يعودني رمضان، وأنا في حالة غير اعتيادية من الانتقال والترحال، أرتحل من الولاية التي كنا فيها إلى ولاية أخرى، ومن فندق إلى آخر، ومن جوار إلى آخر.

يعودني رمضان وأنا في معمعة الانتقال وسط نمط العيش السريع وغير المستقر لهذا البلد – بل وللعالم كله في هذا العصر –، سيما وأنا في وسط البحث عن مكان للسكن قرب إحدى أهم الجامعات في العالم وفي أمريكا خاصة، وقرب أحد أخطر أماكن العيش – حسب الإحصائيات الأمريكية –، فلكم أن تتخيلوا ما أنا فيه من حالة ظاهرها عدم الاستقرار !!!

وأنا وسط ذلك كله، أستمع إلى الناس من حولي يتحدثون بخبر قرب مقدم الضيف، وأنا أحاول أن أتجنب تصديق ذلك، لأنني – ببساطة – غير مهيأ ولا مستعد بما فيه الكفاية لأرحب به – في ظني الجاهل – كما ينبغي له وعلي!

يعودني ذلك الزائر، ذلك الضيف الحبيب، ويحمل معه – كعادته – ما عودني عليه من هدايا مشبعة بعطر السماء، هدايا مختلفة مغلفة بصور متنوعة، يعودني وأنا في أمس الحاجة إلى تلك الهدايا، تلك الهدايا التي قد أزهد فيها أنا وغيري – لجهلي – وأنا في حالة من الاستقرار النسبي، ولطالما زهدت أنا وغيري فيما يحمله من هدايا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان.

أقول: يعودني ضيفي الحبيب محملا بهداياه، وأنا في أمس الحاجة إليها، كيف لا؟ وهل من حاجة أشد من حاجة المسافرين وعابري السبيل وغريبي الوجه واليد واللسان؟! فقد يزهد المقيمون في هدايا الضيوف، لجهلهم أو لشدة إسرافهم حتى بلغ بهم الأمر أنهم لا يعلمون كيف يغتنمون ما يأتيهم، وحتى أصبحوا يفتقرون إلى الحكمة في أين يضعوها وكيف ينفقونها، وهم في أشد الحاجة إليها!!! أما المسافرون وعابرو السبيل، فهم الذي يعلمون مدى الحاجة، وهم أولى الناس بأن يشعروا بقيمة تلك الهدايا.

قلت إن الهدايا مختلفة، وتأتي مغلفة بصور متنوعة، صور مثل: الشعور بالرحمة الغامرة، السلام الداخلي، الطمأنينة، الإقبال الباطن في مقابل الإدبار الظاهر – من مظاهر الدنيا المختلفة –، تيسير الأمور، جلاء استئثار ولي الأمر ومرسل الضيف بقلوب المضيفين ومحبتهم وظاهرهم وباطنهم، وغير ذلك مما يصعب – بل ويكاد يستحيل – إحصاؤه.

يعودني رمضان، وكأنه يقول لي: لا تثقل كاهلك ولا تشغل بالك ولا تحمل نفسك ما لا طاقة لك به، إنما أنا هنا لأعينك وأحمل معك، لا لأكون حملا زائدا عليك، قم بما عليك القيام به، ودعني أرقبك، بعيدا على قرب، قريبا على بعد، أنتظر منك الإشارة لأتوجه إليك وأعينك وأحمل عنك، وقد تراني أمد إليك كأسا من الماء البارد ليروي ظمأ نفسك، ولو نسيت أنت أن تطلب الماء، فلن أنسى أنا أن أمد إليك يدي ولو بشربة هنيئة، المهم أن تقوم بما أنت هنا لأجله، هكذا أمرني ولي أمري وأمرك، وهكذا أعود إليه وأنا أشعر أنني أديت واجبي، فانشغل أنت بواجبك، واعلم أولا وآخرا أن دقائق من يومك وليلتك كفيلة بأن تمنحني حقي في الضيافة، وتمنحك حق نفسك فيك.

أكتب هذه الكلمات، وتغمرني دمعات الرحمة، محبة لولي أمري وأمر رمضان، تضرعا لمولاي، عبودية لإلهي، ولاء لمليكي، فرحا برب عملي، أنسا وطمأنينة وشغفا بربي ورب العالمين.

وماذا بعد ؟! يحار الفكر والقلم.

ولكن أقولها بكل طفولة: أحبك يا الله، وأحب رسولك وزائري وضيفي الكريم: رمضان.

سلم الله لكم رمضان، وسلمكم لرمضان، وتقبله منكم راضيا مرضيا، وتقبلكم منه راضين مرضيين.

وتقبل الله منا ومنكم.

أما الآن، فها هنا زيادات على ما كنت أرسلته رمضان الماضي تحت عنوان: رمضان، ومختبر “فن الحياة”،

نصائح عملية:

• العزم على تغيير – ولو – سلوك واحد، وهل رمضان إلا محطة للتزكية والتغيير؟!
• أنصح بالتركيز على تلك الأخلاق والسلوك المهمة والتي من شأنها أن تؤثر فيما بعدها ويلحقها غيرها، مما يجعل حياتنا أفضل على مستوى الفرد والأمة.
• على مستوى النفس/ الفرد: أنصح بالتركيز على التخلص من تلك الأفكار والمشاعر السالبة في حق النفس. وأعني بها تلك الأفكار والمشاعر التي من شأنها أن تؤثر سلبا على قبولنا وتقديرنا لأنفسنا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أنصح أولئك الذين يعانون من بعض أمراض القلوب مثل: الكبر والعجب والغرور، أنصحهم بأن يتدبروا من الآيات القرآنية تلك الآيات التي تتناول هذه الصفات وأهلها فتعالجها، وأنصحهم بالتركيز على مراقبة أنفسهم ونقدها قبل التوجه لمراقبة ونقد الآخرين، كما أنصحهم بالاستماع إلى الحق وقبوله كائنا ما كان مصدره. وعلى الطرف الآخر من معادلة التعامل مع النفس، أنصح أولئك الذين يعانون من قلة أو سوء أو انعدام تقدير النفس، سواء على هيئة الخجل الزائد أو الندم أو الشعور – المبالغ فيه – بالذنب والذي قد يجر هذا النوع من الناس إلى الخوف والوسوسة والحزن والضيق والقلق والاكتئاب، أنصح هؤلاء بأن يتدبروا تلك الآيات القرآنية التي تحدث عن الرحمة وعن صفات الله الجمالية وعن سعة لطفه ورأفته ورحمته في التعامل مع المذنبين، كما أنصحهم في هذا الشهر الحبيب أن يحيوا مشاعر العبودية للرحمن الرحيم، الذي يقبل عباده كيفما أتوه – طالما صدقت النوايا وصدقها السعي والعمل والمحاولة – لا كيفما نتوهم نحن بسعينا إلى كمال غير بشري.
• أيضا على مستوى النفس/ الفرد: أنصح بأن نغتنم فرصة رمضان بأن ندرب أنفسنا على الصمت، وقلة الكلام (سيما فيما لا طائل فيه ولا منه)، والإنصات.
• أما على مستوى التعامل مع الآخرين: فأنصح بالتركيز على التخلص من بعض أمراض القلوب والمتمثلة بتلك المشاعر السالبة تجاه الآخرين، مثل: الحب حتى التملك، والخوف المبالغ فيه، والقلق – المبالغ فيه – على الآخرين، والمنافسة السالبة، والكراهية، والحسد، والغيظ، والحقد، والغضب، والغيرة السالبة، وغير ذلك. وهنا أنصح بالحرص على الخلوة والذكر وقراءة القرآن وتدبره – وحبذا الاعتكاف – والحرص على بناء علاقة متميزة وغير مسبوقة مع الله، والتوجه الصادق إليه حبيبي جل في علاه، فإن هذا من شأنه أن يبدلني سلاما وطمأنينة وحلاوة في النفس تغمرني وتنعكس على كل تعاملاتي مع الآخرين، كما من شأنه أن يساعدني على التعامل مع الآخرين بموضوعية بعيدا عن الشخصنة أو الانتقام للذات أو غير ذلك من الدوافع السالبة. وباختصار، فإن المطلوب هو أن أخرج من رمضان بنتيجة واحدة ومهمة: الله هو الأول والآخر في حياتي عقلا وقلبا، هو الذي يهمني أن أرضيه قبل رضا الآخرين، وهو الذي له الأمر والنهي، لا لهوى ولا لأحد دونه، وهو الذي يقول لي: ماذا أحب وماذا أكره، وكيف أحب وكيف أكره، فـ “لا إله إلا الله”.

رمضان، والقرآن، هما خير زمن ووسيلة للوصول إلى هذا كله، وأكثر منه.

وبالله عليكم، فليكن أقل القليل أن لا نقع في فخ القصور الذاتي والذوبان في العادات والأعراف الجاهلية فيما يتعلق بالطعام والشراب، إن لم يكن لدينا الجرأة أن نمارس ديننا بشكل صحيح “أياما معدودات” فمتى سيمكننا ذلك؟! ويا حبذا الاختيار بين الوجبة الدسمة على الإفطار وبين صلاة التراويح في المسجد، فلا يكاد الاثنان يجتمعان. وحبذا – أيضا – أن نضع لبيوتنا حظا من التراويح والقيام، فهذه هي سنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

ولا تنسوني وأهل بيتي والمسلمين من خالص دعائكم.

والسلام
أخوكم الفقير إلى عفو ربه

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
ليلة الخميس الثاني من رمضان لعام 1431 للهجرة، والموافق 12/8/2010.
من مدينة بالتيمور، ولاية ميريلاند بأمريكا