رمضان: مختبر “فن الحياة”، والثائر على العادات والشبهات والشهوات

كتبت هذه الرسالة رمضان 1430 للهجرة، الموافق آب/ أغسطس 2009؛ في أمريكا

سؤال: من أين جاءت الفكرة؟

مثل رمضان كمثل ذلك الزائر الذي يزورني كل سنة، ولكن على حرج، خشية منه ألا أقوم بحسن ضيافته، فقد جربني قبل ذلك ولم تكن “ضيافة كريمة”.

ومثل رمضان – أيضا – كمثل محطة الوقود “المعطلة” لدى الكثيرين، فهم يدخلونها ويخرجون منها دون أن يتزودوا بالوقود اللازم ولا بالسوائل الضرورية لمحرك السيارات بل يكتفون – أحيانا – بتنظيف السيارة من الخارج – فقط –.

وهذا ما يتوهم الناس أنه “تغيير” وهو في الحقيقة “سكون”، فحال الناس مع رمضان “محلك سر”.

وهذا – بالإضافة إلى أسباب أخرى – جعل عوام المسلمين في حيرة من أمر العبادات والشعائر التي لم يعودوا يجدوا لها أثرا في حياتهم، فتشكلت لديهم “شبهات من الداخل”: شبهات حول مدى جدوى هذا الدين وذلك الكتاب الذي يقول منزله ﴿يا أيها الناس، قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين﴾!

وبلغ بنا الأمر أن صار لدينا إسلاما يصح أن يقال فيه “الإسلام الكنسي”، فأصبح الدين محصورا في نسك وشعائر معطلة لا دخل لها ولا تأثير في حياتنا اليومية.

من أين تبدأ القصة؟

أولا) كان الله، ولم يكن شيء قبله، ولم يكن شيء معه، ولم يكن شيء غيره.
ثانيا) ثم خلق الخلق، وسخره للزائر القادم.
ثالثا) وشاء الله أن يخلق الإنسان لعبادته وليكون خليفة في هذه الأرض.
رابعا) وأمد الله الإنسان بمعطيات الحياة وأدوات الخلافة: (الجسد والروح = النفس، والكون). وهذه المعطيات كلها يجمعها أمر واحد، أنها لا تأتي بالكسب بل هي (عطايا) مجانية من لدن الخالق، وإنما يبقى على الإنسان اغتنامها وتوجيهها (باختيار)الوجهة التي أرادها له خالقها. ولا يفهم أن الروح هنا تشير (فقط) إلى النسك وإلى أماكن العبادة، بل هي كل ما يتعلق بملكة التعامل مع المدخلات الحسية وتفكيكها وعقلها وبالتالي السلوك ورد الفعل تجاهها.
خامسا) وأنزل الله القرآن، وهو (الكتاب الإرشادي) الذي يحمل (المنهج) الذي به (يعقل) الإنسان وظيفته فيصل إلى سعادة الدنيا والآخرة.
سادسا) وحمل هذا الكتاب في طياته (فقه التفكير والعقل)، الذي يزكي الإنسان ويرقيه ويرفعه فوق مستوى (العيش البهيمي) إلى مستوى (الحياة الإنسانية الطيبة).
سابعا) وبقي لي كإنسان، أن أعمل؛ فقط، أن أعمل. وفي رحلة “العمل”، فرض الله على الإنسان “محطات” كي يتناول فيها هذا “الكتاب الإرشادي” بالقراءة والتدبر، لأذكر نفسي دائما بحقيقتين: وجود الخالق، ووظيفة المخلوق؛ ولكي أحفظ أدوات الخلافة ” الوقت والجسد والروح” كما يريد صاحب الكتاب، الخالق جل في علاه.

سؤال: ما الذي يبحث عنه الناس؟

الناس – مع اختلاف مشاربهم ومعارفهم – يبحثون في آخر المطاف عن ثلاثة معاني: الطمأنينة، والسعادة، والرضا.
أما الطمأنينة، فهي “هدوء النفس واستقرارها على أمر بعينه وخلوها من أي أمر قد يعكر صفوها”.
وأما السعادة، فهي “الطمأنينة الظاهرة والشعور الموجب والبادي على الجوارح والمنعكس على السلوك”.
وأما الرضا، فهو “غاية السعادة” و”الاكتفاء والاغتناء عن المزيد”. وهو غير “الرضا” بمعنى “القناعة باليسير”.

سؤال: إذا كان الأمر بهذا الوضوح، فلماذا “يعطش” الناس مع “وفرة الماء”؟

الآبائية أو ما أسميه “القصور الروحي”: عدم التوقف والسير على غير هدى.
الناس قد يتوهمون أنه لا مشكلة هناك، ويحسبون أنهم مستمتعون في “عيشهم”؛ حتى صاروا لا يشعرون بعطش “الروح”. فيصل بهم الأمر إلى خشية “التوقف” إلى أن “يجرفهم التيار”!

سؤال: لماذا التوقف؟

للاستراحة.
لمنح الوقت الكافي للتفكير والعقل، ومن ثم التأكد من صحة الوجهة التي أتوجه إليها؛ أو ما يعرف بـ “الجرد والمحاسبة”.
لجمع “شعث النفس” وما تفرق منها خلال المسير، ولترتيب “الملفات المبعثرة”.

سؤال: لماذا لا يتوقف الناس إذن؟

الآبائية أو “ظاهرة القصور الروحي” أو “قانون نيوتن النفسي الأول”. ينص قانون نيوتن الطبيعي الأول حول ما يعرف ب “العطالة” أو “القصور الذاتي” على أن “الجسم الساكن يبقى ساكنا والجسم المتحرك يبقى متحركا ما لم تؤثر عليه قوة تغير من حالته”. وهذا القانون كما ينطبق على المادة أو “الجسد” فهو بحكم التجربة والخطأ – على الأقل – ينطبق على “الروح” أو ما يتعلق بها أيضا.

“طغيان جاهلية الجسد على حساب الروح”. هنا أتحدث عن غفلة الناس وانشغالهم بما أمامهم من حياة “دنيا” قصيرة الأمد، مما يسبب ظاهرة مضحكة مبكية، ظاهرة أراها تتكرر في “الشرق” و”الغرب”؛ هذه الظاهرة هي ظاهرة “البهيمية” التي باتت تنتشر في مشاهد الحياة اليومية.

“الجهل والكبر”. ترجح لدي أن كل أسباب مقاومة التغيير والخوف منه ورفضه تعود إلى أصلين: “الجهل والكبر”. و”الجهل” الذي يعنيني هنا فهو قلة أو انعدام العلم بإجابة السؤالين: “من أنا؟ ولم أنا؟”. وأكثر نوع من أنواع “الجهل” التي شهدتها ولا أزال أشهدها في حياتي اليومية، وفي أروقة العيادات النفسية، هو “الجهل بحقيقة النفس وقيمتها”. وأما “الكبر” فهو كما لخصه محمد صلى الله عليه وسلم: “بطر الحق، وغمط الناس”.

“التغير” لا “التزكية”. وهذا من نتائج “القصور الذاتي”، حيث إن كثيرا من الناس عندما لا يتوقفون فإنهم لا يمنحون أنفسهم الوقت الكافي “للتفكير والعقل” وبالتالي فإن سلوكهم سيكون نمطا من أنماط “التبعية” للغير، فإذا تكرر هذا السلوك فترة من الزمن “كافية” تحولت شخصية الإنسان إلى نمط آخر، إلا إن هذا التحول هو “تغير” سالب تابع وليس “تزكية” أو “تغييرا” موجبا مؤثرا. وهذا من شأنه أن يؤثر على شعور النفس الدائم بـ “الحاجة إلى التزكية”، وأعني بـ “التزكية” هنا: التحول الحقيقي الذي يقوم على “علم” فيجعل من صاحبه أو صاحبته “شخصية قيادية”.

ظلم النفس وإهدار حقها. إذا كان الله قد أمد الإنسان بـ “الوقت” و”الجسد” و”الروح”، فإن هذا لا يعني أنه قد منحه القدرة على التحكم فيها، بل إن “الوقت” و”الجسد” في حالة تغير مستمر، ولا يملك الإنسان أن يوقف هذا التغير في “الوقت” و”الجسد”؛ إنما يبقى على الإنسان أن يعمل على أن تكون “الروح” هي سيدة الموقف وهي التي تقود “الجسد” باغتنام “الوقت”. فما الذي يحصل إذا؟ يحصل أن كثيرا من الناس يقفون “ولا أقول: يتوقفون” عند أثقال وأعباء هذه الحياة المختلفة – التي أثقلوا هم أنفسهم بها –، حتى تتجمع لديهم كميات طائلة من “الملفات المتراكمة”، وإذا بـ “الوقت” يمر، ويتبعه “الجسد”، في حين تقف “الروح” متأخرة متخلفة عن “صاحبيها” فيحصل ذلك الشعور “القاتل” بـ “الغربة”: الغربة عن النفس. وكم من الناس يتعذر بـ “عدم وجود الوقت الكافي للجلوس إلى النفس وإعطائها حقها كل يوم”!!!

سؤال: ما هو العلاج إذن؟

الحل والعلاج في “العلم”، ولكن

ليس المقصود بـ “العلم” هنا: الشهادات الأكاديمية التي تفرغ أهلها من “حقيقة العلم”. وإنما “العلم” هو ذلك الذي تحدث عنه الله سبحانه في الآية التاسعة من سورة الزمر. العلم ب “من أنا ولم أنا”، العلم بـ “الهوية والوظيفة والهدف”، العلم بحقيقة “وجود الخالق ووظيفة المخلوق”.

وما عدا ذلك فهو “ظن”، سواء كان اسمه “فكر” أو “معرفة” أو “ثقافة” أو غير ذلك من المصطلحات المحدثة؛ والظن لا يورث أهله إلا تغيير الحقائق، والكذب، والافتراء، وظلم النفس، وضعف الشخصية. ويتمثل ضعف الشخصية في أعراض كثيرة مثل: قلة تقدير النفس، وكراهية النفس، والغربة عن النفس، والكبر، والاهتمام بالآخرين على حساب النفس، إلخ.

إذن لا بد من “علم”، حنى نتمكن من إغلاق هذه الدائرة من “مفتاحها”. فالعلم هو الذي سيأخذ بيد أهله إلى قوة النفس: تقدير النفس، ومحبتها، والأنس بها، والتواضع، ومنح الآخرين حقهم – دون أن يتعدوه –، إلخ.

سؤال: كيف أصل إلى “العلم”؟

إما بـ “العقل الصريح” أو بـ “النقل الصحيح”، أو بالاثنين معا.
أما “العقل الصريح” فهو العملية التي ميز الله بها الإنسان من قدرة على الجمع بين المتفرقات وربط المختلفات والقياس على الأمور. لكن “العقل” وحده لا يقوم، وإنما يحتاج إلى ما يدله على ما لا يبلغه وحده. فهل من “العقل” أن يترك الخالق المخلوق دون “إرشاد”؟ وكم من الوقت يلزمنا حتى نصل إلى “العلم” بـ “العقل” وحده؟ وهل تكفي “التجربة والخطأ” لبلوغ “العلم”؟

وهنا يأتي دور “النقل الصحيح”. ويأتي على رأس قائمة “النقل الصحيح” كلام الله في كتابه: “القرآن”.

سؤال: لماذا القرآن أولا؟

لأننا، أمة الإسلام:

نؤمن أن الله الواحد خالق هذا الكون، أول بلا ابتداء، آخر بلا انتهاء.
نؤمن أن الله لا يزال سميعا، بصيرا، عليما، مقدرا، مهيمنا.
نؤمن أن الله خلق الإنسان، وجعله خليفة في الأرض، يحكم بأمره.
نؤمن أن الله لم يترك الإنسان في ضلالة، بل أنزل له منهج هداية.
نؤمن أن الله اصطفى من خلقه أناسا، هم رسل الله إلى خلقه.
نؤمن أن الله أنزل لهؤلاء الرسل ما يهدون به خلق الله.
نؤمن أن الله ختم الرسل والرسالات برسالة الإسلام.

لهذا كله، ولاعتبارات أخرى، فإن “المرد” الذي نؤمن به ونرجع إليه، هو: القرآن أولا.

سؤال: ولكن القرآن ؟!!! (هنا بعض الشبهات التي تثار حول القرآن من قبل “أهله”)

“ثقيل” على النفس!
“صعب الفهم” ويحتاج إلى متخصصين!!
ليس “لزماننا” !!!
ليس “عمليا” !!!
لا يحتوي على “العلاج” !!!!!

وهنا أحيلكم إلى النصوص القرآنية والنبوية وبعض ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم حتى هذا العصر فيما قيل في شأن “القرآن”. وهذا موجود في المادة السمعية التي أرسلت إليكم رابطها في رسالتي السابقة.

سؤال: أين “رمضان” من كل هذا؟

إذا رجعنا إلى ما بدأنا به هذه المادة من مقدمات حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه في آخرها، فسنجد أن “رمضان” هو ذلك “المختبر” الذي تتم فيه كل “العمليات الحيوية” تالية الذكر:

“رمضان” هو الشهر الذي “يتوقف” فيه الناس، وهو الشهر الذي “يقلب الطاولة” على رأس “القصور الذاتي” ف”يتوقف” ولا أقول: “يقف”؛ فهو شهر “الثورة” على “التبعية التقليدية”؛ فالقصور الذاتي لمواعيد النوم “يتوقف”، والقصور الذاتي لمواعيد الطعام “يتوقف”، والقصور الذاتي لنمط الحياة اليومية الاستهلاكية “يتوقف”، والقصور الذاتي لطبيعة الناس في عدم تقدير الوقت “يتوقف”، والقصور الذاتي لانشغال الناس بالجسد “يتوقف”، وهكذا.

“رمضان” هو الشهر الذي تتجلى فيه قيمة “الوقت”، فنرى الناس يحسبون أيامه يوما بيوم بل ساعة بساعة خشية أن ينتهي ولم يأخذوا منه حقهم. ألا ترون الناس إذا فاتهم ورد “الجزء” في يوم استشعروا صعوبة حمل “الجزأين” في اليوم التالي؟!!!

“رمضان” هو الشهر الذي تتجلى فيه “الروح” على حساب “الجسد”، وهذا هو الأصل في خلق وطبيعة ووظيفة هذين “المعطيين”.

“رمضان” هو شهر “العلم”، فيكاد يتفرد هو – وموسم الحج – بالحماس الشديد لدى الناس كي “يعلموا” حكم ما يقومون به من أفعال الصيام؟
“رمضان” هو شهر “القرآن”، وبهذا فهو الشهر – الأغلب – الذي يجلس فيه “المخلوق” إلى مائدة “كلام خالقه” ليتعلم منه كيف يمضي على هدى في هذه الحياة.

“رمضان” هو شهر “النفس”، فنجد أن الناس يتجرؤون على أن يمسكوا بمصاحفهم في أماكن العمل وفي سياراتهم وفي منازلهم، ويختلون مع “أنفسهم” بغية أن “ينجزوا” أكبر قدر ممكن من “المشاريع”.

“رمضان” هو شهر “الطمأنينة”، وهذا ما شهدته بنفسي عندما كنت أجد أن “العيادة النفسية” تكاد تخلو تماما من المراجعين “المسلمين الصائمين”، حتى أولئك الذين لديهم مواعيد مسبقا في “رمضان”.

سؤال: ماذا بعد هذا كله؟ ما الذي أنتظره بعد رمضان؟

إذا استطعت أن أحصل على كل هذا:

التوقف، واغتنام الوقت، وإعطاء النفس حقها روحا جسدا، والعلم، والقرآن، والطمأنينة.

عندا أقول: “فبأي حديث بعده يؤمنون” ؟!!!

لافتات رمضانية “عملية”:

سأبدأ بما (لا) أريده لنفسي ولا لكم، ولا من نفسي ولا منكم :

أولا) لا أكلف نفسي فوق وسعها.
ثانيا) لا أفتح على نفسي (جبهات) كثيرة.
ثالثا) لا أضيّع الوقت فيما (أظن) أن فيه فائدة.

ثم أتبع ذلك بما أرجوه لي ولكم:

أولا) أن أقبل على رمضان بنية صادقة: أن أزكّي نفسي، وأن أصلح في نفسي سلوكا واحدا على الأقل؛ بشرط أن (أعلم) كيف (أعمل)، أي: أن أعلم ماذا، ولماذا، وكيف أصلح من سلوكي؛ فيكون عملي قد قام على علم. مثال: آفات اللسان (من اللغو والحديث فيما لا طائل منه، وحتى الغيبة والنميمة والخوض في أعراض الناس من خواصهم وعوامهم)، والعجلة في الشارع، والغضب في زحام المرور، وإدمان شيء (أو شخص) معين، وغير هذا مما يجدر بي إصلاحه.

ثانيا) أن أقبل على القرآن وتفسيره وتدبره، فقط، ولا أنشغل بغيره من اللغو، مهما كان غيره (ظاهره النفع)

ثالثا) أن ألتزم تفسير ولو صفحة واحدة من القرآن يوميا، وهنا أنصح بما أحفظه أولا، وليس القرآن كله، فلن يكون هذا في شهر واحد. وكنصيحة عملية، أنصح بقراءة الآيات في الورد اليومي، فإذا كان “المعنى الإجمالي” واضحا بينا، فلا داعي للرجوع إلى التفسير وتفاصيل الآيات والغوص في أعماق المفردات والسياق وغيرها، إما إذا صعب علي فهم “المعنى الإجمالي” فأنصح عندها بالرجوع إلى معنى المفردة بما يفيد شرح السياق ووضح المعنى. وهنا أنصح بـــ [التفسير الميسر] أو أيسر التفاسير (أبو بكر الجزائري) أو [مختصر تفسير الطبري] أو [تفسير السعدي]. أنصح بقراءة معاني الكلمات أولا، ثم وقت وسبب نزول الآيات، ثم ما يلي ذلك من تفسير المعنى الإجمالي. وأحرص على تسجيل ما خرجت به من معارف وأفكار على كراسة خاصة بـــ [القرآن ورمضان].

رابعا) لجمهور [فقه النفس]: أن أستخرج من القرآن ما يتعلق بما درسته في [اقرأ: فقه التفكير والعقل]، ففي هذا تدريب لي على أن تكون علاقتي بالقرآن علاقة مختلفة عما سبق، علاقة زكيّة، تزكو بها نفسي.

خامسا) من مزايا رمضان، أنه يمنحني القدرة على أن أكون (أنا) دون خجل، فلا أخجل من (قراءة القرآن) أمام الآخرين في البيت أو المدرسة أو الجماعة أو مكان العمل أو في الأماكن العامة مثلا؛ ولا أخجل من أن أطلب ممن حولي أن نصلي المغرب قبل أن نجلس لتناول وجبة الإفطار حتى يكاد يذهب وقتها؛ ولا أخجل ممن حولي إذا خصصت الليل للخلوة بنفسي والقرآن والكتاب والعمل الجاد، واعتزال “اللغو” المنتشر هنا وهناك؛ وغير ذلكم من أمثلة. وهذا من شأنه أن يربّي في نفسي [تقدير النفس] وعدم الانشغال برأي الآخرين، ومن ثم القدرة على السباحة (ضد التيار) فيما بعد رمضان.

سادسا) صلة الرحم مطلوبة، ومطلوب منها أن (أزكي) نفسي في رمضان (وفي غيره)، وعلى هذا، فإن أي أمر من شأنه أن (يدنو) بنفسي فهو مرفوض؛ ومن هذا: الإسراف في الطعام والشراب، وضياع الأوقات، والاجتماع على اللغو، وغير ذلك.

سابعا) التواصل الاجتماعي (الرقمي) قد يكون فيه من الخير الشيء الكثير، ولكني أقلل منه، إن لم أعدمه، فإن رمضان فرصة نادرة لأكون مع الله ومع نفسي. فإن كان لا محالة، فدقائق معدودة في اليوم والليلة تكفي، وحبذا أن تكون تواصلا بالخير. وهنا أرجو ألا أبدأ تواصلي (الرقمي) إلا بذكر آية من القرآن يوميا أو فائدة متعلقة به.

ثامنا) أن أعرض عن كل ما من شأنه أن يقسي القلب، خصوصا المواد الإعلامية التي يدّعي أهلها بأنها (ترفيهية وترويحية) !!! وكذلك بعض أحاديث وخطب ومواعظ (أهل العلم!) التي تخوض في الجدل أكثر من غيره.

تاسعا) حبذا لو صدقت النية بإنهاء كتاب معين، أو مادة دراسية بعينها، مع نهاية الشهر، فرمضان شهر “العبادة بحق = الإنتاج”.

عاشرا) أن ألحّ على الله بالدعاء، لنفسي ولأهل بيتي، ولمن حولي ممن ربما التقيتهم كل يوم ولكني لا أكاد أتذكرهم في دعائي، في البيت والشارع والسوق والمدرسة والجامعة والعمل؛ ثم لا أنسى مع هذا كله أهل الحق، في سوريا، في العراق، في فلسطين، في مصر، في بورما، في اليمن، في الصومال، وفي كل مكان.

بلغني الله وإياكم رمضان، وبلغه منا ما يحب، وتقبلنا الله وإياكم فيه، ورضي عنا وعنكم.

والسلام.
أخوكم
عبد الرحمن ذاكر الهاشمي
رمضان 1430 للهجرة، الموافق آب/ أغسطس 2009
من مدينة تشارليستون، قلب ولاية كارولينا الجنوبية بأمريكا