رمضان: الزائر الكريم

كتبت هذه الرسالة في رمضان 1429 للهجرة / 2008 للميلاد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله
والصلاة والسلام على عبدالله وخير من عبد الله من خلق الله، محمد بن عبدالله
والصلاة والسلام من بعده على آله وصحابته وتابعيهم بإحسان وهدى من الله على صراط الله

أحبتنا في الله، في كل بلاد الله، وعلى جميع البقاع على أرض الله

سلام من الله عليكم ورحمة وبركات

ألحّت عليّ هذه الخاطرة بعد صلاة الفجر، فلم تدعني حتى قمت فصغتها كلمات أضعها بين أيديكم.

عندما بدأت أشق طريقي في درب المهنة والعمل الجاد والكسب الحلال، شاء الله أن يكون لي، ولم يزل، رب عمل كريم، ومربي رحيم، ومعلم عظيم، يتعهدني في عملي، بل وحتى في حياتي الشخصية، دائما، بالكلمة والموعظة والسؤال، وأحيانا بالشدة التي باطنها الرحمة.

وأينما وضعت متاعي أو أقمت أو ارتحلت، أجد منه رسالة (أو رسائل) تحمل لفتة حانية، بل لفتات، تذرف منها دموعي، شعورا بعطفه وكرمه ورحمته، واعترافا بتقصيري تجاهه، ورغبة في التعبير عن مدى محبتي له (ولو كنت أغفل عن السؤال عنه بين الحين والآخر).

ولكن طريقته في إدارة الأعمال لم تكن واضحة ومفهومة لي في بداية الأمر! فبالرغم من شعوري الغامر برحمته في كثير من الأحيان، إلا إنني لم أكن أفهم شدته و(ظاهر جفوته) في بعض الأحيان!

أما الأمر الذي كان، ولا يزال، يستوقفني كثيرا، هو أمر ذلك الزائر، الذي كنت قد سمعت عنه من غيري ممن تربوا عند نفس هذا المعلم وعملوا عند نفس هذا المدير، ذلك الزائر الذي كنت أفاجأ بزيارته كل برهة من الزمن، وعلى وجه الدقة : كل عام قمري، يسأل عن أحوالي الشخصية، ويدقق في السؤال بشكل أكثر وأوضح عن عملي وإنتاجي ما بين زيارتيه (السابقة والحالية)، ثم يحاول أن يعلمني درسا جديدا وشيئا مفيدا عن كيفية العمل على أفضل وجه وبالتالي التقرب من رب العمل أكثر وأكثر ؛ ثم ينهي زيارته بطمأنتي أن الأمور ستكون على ما يرام وأن رب العمل ينتظر مني أفضل ما لدي ولكن برفق وروية ودون أن أكلف نفسي ما لا تطيق.

ثم يرحل هذا الزائر

اللافت في الأمر أنه كثيرا ما كان بأتي هذا الزائر ويرحل دون أن ألتفت أو أنصت حقيقة إلى ما بقول أو يفعل
في حين كنت أسمع أو أستمع إلى الآخرين ممن أعرف أنهم سبقوني في العمل عند نفس رب العمل وترقوا في المناصب الوظيفية والمهنية عنده، يتحدثون عن مدى تأثرهم بهذه الزيارة أو تلك، وعن مدى اشتياقهم لزيارات قادمة
وكنت، لجهلي، أرى هذه الزيارات شيئا تقليديا، اعتدته حتى صار لا يحرك لدي ساكنا.

ولكن الأمر الذي استوقفني أكثر في أمر هذا الزائر، أنه يزورني أينما كنت، طالما أنني ما زلت في مجال عملي، أينما وضعت متاعي أو أقمت أو ارتحلت، إلا إن الاختلاف بينه وبين تلك الرسائل واللفتات الأخرى من رب العمل أنه يأتي على برهات زمنية متباعدة (نسبيا)، ولكن يأتي ليزور، وهذا هو عمله.

ولن أطيل عليكم كثيرا.

فبعد أن ارتحلت من دبي، إلى الأردن، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تاركا الشرق الأوسط وما فيه من ميزات في قرب وسهولة وسائل الاتصال بيني وبين رب العمل، وبيني وبين أهلي وإخواني وأصحابي.

وهنا، وبعد أن ظننت أنني ابتعدت بما فيه الكفاية لأن يجعل أمر التواصل مع رب العمل أصعب من ذي قبل، ومع أن الرسائل واللفتات ما زالت قائمة، إلا إن وقع الخبر التالي كان عليّ عظيما!

إذا بالزائر ذاته يعود ليطرق بابي ويقوم بزيارتي مرة أخرى، ليقوم بما عودني على القيام به:

أولا) يسأل عن أحوالي الشخصية، ويدقق في السؤال بشكل أكثر وأوضح عن عملي وإنتاجي ما بين زيارتيه (السابقة والحالية).
ثانيا) ثم يحاول أن يعلمني درسا جديدا وشيئا مفيدا عن كيفية العمل على أفضل وجه وبالتالي التقرب من رب العمل أكثر وأكثر.
ثالثا) ثم ينهي زيارته بطمأنتي أن الأمور ستكون على ما يرام وأن رب العمل ينتظر مني أفضل ما لدي ولكن برفق ودون أن أكلف نفسي ما لا تطيق.

بكيت
نعم بكيت
وها أنا أبكي وأنا أكتب هذه الكلمات

بالرغم من أنني لست ممن يبكون بسهولة على فراق أرض أو أهل أو مخلوق.

لم أستطع أن أمنع عيني اللتين ترقرق فيهما الدمع أن يعبرا لزائري، ولرب العمل قبله، على هذه الزيارة الكريمة.

وكأن الرسالة: عبدالرحمن، أنا هنا، و(هنا) تعني (أينما كنت).

الله الله، ما أجمل هذه الرسالة؟ وما ألطف محتواها؟ وما أسعد من تلقاها؟

إنه رمضان. حبيبي رمضان. يزورني من جديد، ليقوم بما اعناد القيام به:

أولا) يسأل عن أحوالي الشخصية، ويدقق في السؤال بشكل أكثر وأوضح عن عملي وإنتاجي ما بين زيارتيه (السابقة والحالية).
ثانيا) ثم يحاول أن يعلمني درسا جديدا وشيئا مفيدا عن كيفية العمل على أفضل وجه وبالتالي التقرب من رب العمل أكثر وأكثر.
ثالثا) ثم ينهي زيارته بطمأنتي أن الأمور ستكون على ما يرام وأن رب العمل ينتظر مني أفضل ما لدي ولكن برفق ودون أن أكلف نفسي ما لا تطيق.

هو هو، نفس الزائر، ونفس الرسائل.

رمضان: زائر كريم، وضيف خفيف الظل، ورسول أمين.

واسمحوا لي بأن أقف هنا، لأترككم تفككون رموز الكلمات السابقة كما ترونها.

ولكن الأهم، لأترككم تشكرون رب العمل، وتشمرون لاستقبال هذا الزائر.

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
رمضان 1429 للهجرة / 2008 للميلاد