كلمات في الحب بين المراهقة والنضج

كلمات في الحب بين المراهقة والنضج

بلغتني مؤخرا استشارات كثيرة حول موضوع الحب والتعلق البالغ بين الجنسين، فأحببت أن أفرد لها سطورا قليلة:

هذا نص استشارة من الاستشارات:

“كان هناك شخص يحبني لدرجة العبادة، فأحببته، وبعد حدوث مشكلة ما معي، تغير كثيرا في تعامله معي وأصبح يهملني وكأنه لم يكن يعرفني أو يحبني. بل لقد أصبح يتعمد تجاهلي حتى أصبحت أستقذر نفسي نتيجة هذا التجاهل. أشعر أنني أصبحت ندّا له، وكأنه نادم على حبه لي أو كأنه ملّني؛ مع أنني أحبه أكثر وأكثر. ماذا أفعل كي أجعله يحبني؟ لا أتصور نفسي أحب شخصا آخر مثل حبي له، ولا أتصور أن يحبني شخص مثل حبه لي !!!

وهذه إجابتي:

أختي (فلانة)

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

بداية أقول: أسأل الله أن يملأ قلبك بالحب الذي يصلح النفس ويسعدها، ويرضيها ويرضي ربها عنها.

ربما أفاجئك إذا أخبرتك أنني أحمد الله أنك تمرّين يما تمرين به الآن، وأنني أرجو من الله أن يكون هذا الدرس غنيا بما فيه الكفاية حتى تعتقي نفسك من التعلق “المَرَضي” بالآخرين.

بل أزيدك من الشعر بيتا فأقول: إنني أخشى عليك الارتباط بهذا الشخص وأخشى عليه من حبك له أو حبه لك (إذا بقي شيء منه أصلا).

أعلم أن كلماتي شديدة، وربما يظهر عليها شيء من القسوة، ولكن يعلم اللن أنني له ناصح أمين، وعليك مشفق، ولما فيه خيرك راغب ومرشد ومبين

ستسألين: لماذا يا دكتور؟ ألا تريد لي الخير؟

فأجيبك: طبعا وصدقا، أريد لك الخير، ولكن الخير، كما أراه وأفهمه، بعيد عما تضعين نفسك فيه.

الحب الحقيقي والناضج لا علاقة له بالمراهقة التي أنت فيها. وعندما أقول: “المراهقة” فأنا أعني التفكير غير الناضج الذي يقوم على عاطفة جاهلة وليس على عاطفة عاقلة تأخذ بنا إلى سلوك مستقيم صحيح.

باختصار:

أنت مستعبدة، كما كان هو مستعبد من قبلك.
وهل تضيع الأعمار والأجيال إلا بسبب انتشار هذا النوع من العلاقات (الواهمة الخيالية) ؟!
وهل تبنى البيوت الهشّة إلا بحبّ من هذا النوع، لا يعرف مقاما لله أولا، ولا يضع له الأولوية في الحياة ؟!

لن أخوض هنا في تفصيل الأسباب التي أوصلتكما إلى هنا، فقائمة المتهمين طويلة: البيت والتربية، الإعلام، الشارع، الصحبة، المدرسة/الجامعة والتعليم، السوق، وغيرها من مدخلات أسهمت في هذا “الضعف والانحدار”.

ولكن يأتي على رأس القائمة: الجهل بـ “من أنا ولم أنا”، وعدم معرفة مقام النفس في معادلة الحياة: “الله – أنا – الآخر”

إن ملاحظة سريعة للمشاهد المتكررة في الشارع والأسواق والمدارس المختلطة (أو أسوار تلك المدارس غير المختلطة) والجامعات وأماكن العمل (العامة والخاصة) لكفيلة بأن تظهر لنا مدى انتشار “المراهقة العاطفية/الجنسية” ومحاذيرها ومخاطرها.

كلما رأيت شابا وفتاة فيما يشبه “الخلوة” في مقهى أو على رصيف أو في ممر جامعة أو ربما في مكتب الشركة، أتساءل: هل يدركان حقيقة الحياة أن تراهما يخادعان نفسيهما بلحظات “ممتعة” قبل أن ينطلقا إلى “الحقيقة المرّة” ؟!

وكلما سمعت حديث “زوج = Couple” من الجنسين، وجدت الأحاديث لا علاقة لها بحقيقة الحياة وسنة الكون، بل هي تفاهات وأوهام: فهذا يحدثها عن جمالها غير المسبوق! وتلك تخبره بما أعدته له يوم ميلاده، وذلك يراهنها من الذي سيفوز في مسابقة “أحلى صوت”، وتلك “تستشيره!” في مشكلتها مع صاحبتها، وذلك يشعل لها السيجارة بولاعته “العزيزة عليه”، وتلك تلتصق به في الحافلة العمومية إلى حد الـ … !!!

وعندها، أبتسم ابتسامة المشفق، وأقول في نفسي: ترى، متى ستستفيقان ؟! أم تراكما تنتظران الصدمة بعد فوات الأوان ؟!

دعكِ من العاشقين اللذين ربما لن يصلا إلى الزواج أصلا، وتعالي أحدثك عن القصص التي لا أكاد أحصرها عن أولئك الذين وصلوا إلى العيادة النفسية من خاطبين وأزواج وآباء وأمهات.

رأيت منهم كثيرين، يعانون من مشكلات زواجية وأسرية تجعل من حياتهم قطعة من الجحيم، على الرغم من “الحب” الذي بدأت به علاقاتهم !!!

وإن أنس لا أنس عددا من الشباب من الجنسين قالوا لي ما نصه: “لماذا لم تخبرنا بما نحتاجه قبل الزواج ؟!”

فخذي مني هذه الكلمات الآن، واحمدي الله مرة أخرى أنك توقفت الآن، حتى لا تصلي إلى الندم الذي ربما كان أشد على النفس مما تتصورين:

نصيحتي:

توقفي فورا عن التواصل مع هذا الشخص
أقول: فورا
ولا تسوّفي

أقلعي عن المدخلات المضعفة للنفس والمحبطة للهمة
توقفي فورا عن سماع الأغاني التي من شأنها أن “تعملق” الآخر و “تعظمه” حتى تكاد “تؤلهه”
احذري من الكلمات المصحوبة بلحن جميل أو صوت طروب
لا تقعي في فخ عبارات مثل: “قبل ما تشوفك عينيّا عمر ضايع” أو “أنت عمري” أو “حياتي من غيرك عذاب” أو “لا قبلك ولا بعدك” أو “أنت الأول والآخر” أو غير ذلك من عبارات لم تزد النفوس إلا وهنا ولم تقدم للأمة إلا جيلا خانعا لا تبعد أحلامه عن أرنبة أنفه !!!

وكذلك الأمر بالنسبة للروايات والأفلام والمسلسلات

ابدئي فورا البحث عن “نفسك”
انشغلي بالبحث عن إجابة “من أنا ولم أنا”
اختبري نفسك بالخلوة معها
ستجدين صعوبة في البدايات، طبعا، فأنت لم تعرفيها من قبل
وربما زاد الأمر صعوبة أن نفسك تحاول أن تطهرك من الذين شغلوك عن الله وعنها

وهنا: أنصح بما يلي

المواد التالية:


ثم كراسة قراءة النفس
http://artoflife.net/archives/559

فإذا بلغت هذه الدرجة، لم يعد لك إلا أن تبدئي الحياة الحقيقية بالحب الحقيقي

وهنا، أدعو نفسي وإياك أن نراجع هذه العبارة:

لا إله إلا الله

الله أولا

والسؤال هنا:
أين الله في حياتي ؟!
هل المقام الأول له، أم لغيره ؟!
هل يعنيني أن أرجع في أموري إلى الله قبل أن أبحث عن شهوة النفس وهواها ؟!

كان أهل الحب الحقيقي يقولون:
من وجد الله ماذا فقد؟
ومن فقد الله ماذا وجد؟

ولابن القيم كلمات من ذهب:

“إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله. أما من تركها صادقا مخلصا في قلبه لله، فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة، ليمتحن: أصادق هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على تلك المشقة قليلا استحالت لذة (أي: تحولت إلى لذة). والعوض أنواع مختلفة، وأجلّ ما يعوض به الانس بالله ومحبته، وطمأنينة القلب به، وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى” [الفوائد]

أسألك:
ماذا عن وردك اليومي من كتاب الله، القرآن ؟!

أنصحك بقراءة ولو صفحة واحدة يوميا، مع تفسيرها
وعليك بالسور التي تحفظينها أولا
ثم عليك باستشعارها في الصلاة

ثم أتوقف هنا، لنراجع عبارة أخرى:

لا إله إلا الله، محمد رسول الله

الله أولا، ومحمد عبد الله ورسوله ثانيا، صلى الله عليه وسلم

والسؤال هنا:
إذا كان الله هو الأول في حياتي، فأين رسوله فيها ؟!
هل أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يكفي لأعلم ماذا أحب؟ ومن أحب؟ وكيف أحب؟

ثم يأتي دور النفس

وهنا، لا بد لي من وقفة لمراجعة هدفي في حياتي، ومن ثم السعي كما يحب الله ويرضى

أنصح بهذه الرسالة:
http://artoflife.net/archives/118

وأخيرا أقول:

أعلم أن رحلة العلاج والتطهير صعبة في بداياتها، ولكن اعلمي أنه ينتظرك حياة سعيدة حقيقية

وربما تعلمين عندها أن الحب الحقيقي الذي ينتظرك هو ما لم تكوني تعرفينه أو تتصورينه يوما

والسلام

أخوكم
عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي