حول ابتلاء الفقير إلى الله بفقد بنات أفكاره ونتاج علمه

خواطر حول مصيبة الفقد، ودروس مستفادة، وطلب من الأخوة والأخوات/الطلبة/الجمهور:

حول ابتلاء الفقير إلى الله بفقد بنات أفكاره ونتاج علمه

لمن لديهم فضول أن يعرفوا ما الذي جرى مع مشغل الذاكرة السريعة
USB Flash Drive

منذ أن وعت نفسي على طلب العلم، وأنا ابن الرابعة عشر تقريبا، كنت أدون كل شيء أتعلمه تقريبا، كل شيء، خلاصة ما أقرأ وما أستمع إليه وما أحضره من مجالس علم، في كل ميدان من ميادين العلم والمعرفة، في الدين/الأديان والمذاهب المقارنة، وفي الشريعة وأصولها وفروعها، وفي اللغة والصرف والنحو والبلاغة، وفي النفس وتاريخها وعلومها، وفي التاريخ والفلسفة والمنطق والأفكار الإنسانية على مدى العصور، فضلا عما يتعلق بالتخصص الطبي/المهني كذلك.

أقول: كنت، ولم أزل، أدون خلاصة كل شيء أقرأه، وأصنف المواد بطريقة تعينني على استدعائها وقت الحاجة إليها عند المراجعة أو عند الاستعداد لنقلها وتعليمها الآخرين أو عند كتابة مادة للنشر أو الطباعة.

وكان كل شيء موجودا على كراريس ودفاتر، كثيرة العدد، وكنت أنقلها معي من بلد إلى بلد كلما اضطرنا الأمر إلى الانتقال والارتحال.

وكنت صنفت الدفاتر والكراريس كما يلي:

• العقل والفلسفة والمنطق: كل ما يتعلق بهذه المباحث، قديمها وحديثها.
• الإلحاد والإيمان: وكل ما يتعلق بذلك من أسئلة وشبهات وردود ومساجلات وعلوم.
• الدين: أصوله وفروعه، علوم الوحي والقرآن والحديث والفقه والتزكية.
• النفس والاجتماع: تاريخ النفس عموما وعند المسلمين خصوصا، وصولا إلى “علم النفس الحديث.”
• التاريخ الإنساني: وهو ما تعرضه لنا كتب التاريخ بمعزل عن علوم الوحي.
• التاريخ الديني: من لدن آدم عليه السلام وحتى محمد صلى الله عليه وسلم، من المصادر الأصيلة لها، كالتوراة والإنجيل.
• التاريخ الإسلامي: ما يصادق عليه القرآن من نزول آدم عليه السلام وحتى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما تلاه من سيرته وسيرة الخلفاء من بعده وصولا إلى الخلافة العثمانية وسقوطها.
• التراجم والسير: حيث كنت قد خصصت كراسة فيها سرد لكل اسم من الأسماء التي ترد علي في طلب العلم، لا سيما أعلام العلوم والتأليف، وكنت رتبتها ترتيبا زمنيا، أذكر فيها تعريفا بالشخص، وما يعرف عنه، وما تميز به من علوم، كما أذكر ما يعنين من نصوص/نقولات نقلتها عنه من كتبه ومؤلفاته وما نسب إليه.

وكنت قد رتبت هذا كله بطريقة يسهل معها استدعاء المعلومة عند الحاجة إليها، خصوصا في مشروع حياتي: “فقه النفس” أو “فن الحياة”، وما يتعلق بهذا من تطبيقات في الحياة اليومية على مستوى النفس والأسرة والمجتمع والأمة.

لافتة: لعل هذا العرض يفسر ما يسألني عنه كثير من طلابي/جمهوري، وهو: كيف ترتب أفكارك بهذه الطريقة التي تعرضها فيها ؟! وكيف يسهل عليك استدعاء المعلومة بكل سهولة ؟! وما الذي يميز ما تقدمه رغم تشابه المواد في ظاهرها مع غيرها ؟!

ولما كثر الانتقال، ومع ظهور التقنيات التي تمكّن من حفظ هذا كله في أقراص وشرائح سهلة الحمل والنقل، بدأت منذ عام 1997 للميلاد تقريبا بطباعة كل ما لدي تقريبا على مسودات رقمية (Word Documents) ونسخه على أقراص مدمجة (CD) كمستودعات متنقلة.

ثم أضفت إلى هذا كله مكتبة رقمية “شخصية”، وأعني بـ “شخصية” أنني جمعتها بنفسي، وليس من تلك المكتبات الرقمية الجاهزة (كالمكتبة الألفية أو الشاملة أو غيرها من برامج جاهزة في السوق). وقد حوت مكتبتي الشخصية خلاصة كل الكتب التي قرأتها في حياتي، كما حوت المراجع والمصادر الأصول في شتى العلوم المذكورة سابقا.

ثم بدأت رحلة العمل التعليمي/التدريبي، فكنت أعد موادي التعليمية/التدريبية بنفسي، وأجتهد في إعداد المواد المكتوبة أو المعروضة، بل كنت لا أقبل أن تنسب المادة لي دون أن أكون، أنا، من أعد كل شريحة من شرائح العرض التعليمي/التدريبي، مهما كان عددها، حتى لقد بلغت شرائح مادة “فن الحياة” ما يزيد على 3800 شريحة.

ولأنني تعرضت أكثر من مرة إلى “لسعات” عالم الأرقام والتكنولوجيا، فلقد حرصت أن يكون هناك أكثر من نسخة لما لدي، موزعة على أقراص مدمجة (CD) وأقراص خارجية صلبة (External Hard Disc) وغيرها.

ثم ظهرت مشغلات الذاكرة السريعة (USB Flash Drive) فكانت “جاذبة” لشخص مثلي، كثير التنقل والارتحال.

ولحرصي ألا أكون رهين عالم الإنترنت الوهمي، وألا أعتمد على ما أضعه هنا أو هناك من رسائل وقصاصات ومنشورات وتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلقد كنت حريصا على نسخ كل ما لدي من رسائل ومحاضرات وحلقات تعليمية وتدريبية ومنشورات وتغريدات، أولا بأول، على كل ما لدي من محافظ (رقمية).

وبالإضافة إلى هذا، فلقد كنت أحرص أن يكون عند جمهوري نسخة مما أقدمه لهم، كما كنت أنشر أولا بأول ما لدي على الإنترنت، ليكون في وسع الجميع الوصول إلى المواد على اختلافها.

والسؤال هنا: مع هذا كله، فلماذا لم نر لك مطبوعا أو منشورا من مادة سمعية أو مرئية أو مقروءة ؟!

أقول: مع دعائي المستمر والمتكرر لله جل في علاه أن يبارك في العمر وأن ينسئ في الأجل حتى يمكنني أن أورث ما لدي من قليل العلم الذي تحصلت عليه في حياتي، ومع شديد حرصي على أن أبلغ النفوس ما أسعد الله به نفسي وأنعم عليها به، ومع انشغالي بهذا ليل نهار، إلا إنني وقعت في فخ “التسويف” و “وهم الكمال” الذي أحذر منه غيري !!!

ومع وفرة ما لدي من مواد صالحة للنشر، إلا إنني كنت أسوّف “طباعتها ونشرها” بسبب ما يلي:

أولا) أردت أن يكون منتجي الأول “موسوعة” في “فقه النفس” من منظور الإسلام، بحيث أتناول فيها كل ما يتعلق بـ “النفس” في الإسلام.
ثانيا) أردت التأكد أنني لن أثقل كاهل المكتبة العربية/الإسلامية بمادة مكرورة وغير نافعة (على الرغم من تقديري لمحتواها).
ثالثا) أردت أن أجمع في كتابي الأول اللغة العلمية/الأكاديمية، فتكون موجهة لأهل الاختصاص، واللغة اليسيرة الموجهة للعوام، كما أردت أن يشمل الكتاب رسوما ومخططات ووسائل إيضاح “عصرية” من شأنها أن تتوسط بين لغة الخطاب وفهم المتلقي، فيكون الكلام “عمليا”.

وما أذكره هنا من “تسويف مقنع بوهم الكمال”، هو ما قرأت مثله أو قريبا منه عند بعض السابقين من علمائنا، منهم من وقع فيه، ومنهم من حذر منه، ومن هؤلاء مثلا: أبو زيد البلخي الذي تأخر كثيرا حتى صنف مؤلفه عن “الأنفس”، في مقابل الشافعي الذي كان لا يدع خاطرة إلا ودونها، وكذلك ابن الجوزي الذي كان يكتب ما يخطر له فلا يتركه، ومثله ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والنووي، والأصفهاني (عماد الدين) الذي حذر من التسويف بداعي طلب الكمال، وغيرهم.

وهذا “التسويف المقنع بوهم الكمال” هو ما أسماه “هيجل” بـ “الذئب” الذي كان يلازمه ويخشاه في آن واحد !!!
وهو قريب مما يسميه الدكتور علي الوردي “عقدة الاستقصاء”، ويعني بها المبالغة في طلب الكمال في البحث ودقة المعلومة وشمولها !!!
أو ما يسميه المسيري (تبعا لـ هيجل) بـ “الذئب الهيجلي المعلوماتي”، ويعني به الرغبة العارمة في إنتاج كتاب نظري يسع ويشمل كل جوانب النظرية، ولكنه في الوقت نفسه يتعامل مع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل !!!

وقريب من هذا، وليس هو تماما، ما نعرفه في علم النفس باسم “Procrastination” وهو التسويف لأسباب ربما كانت مختلفة، إلا إن التسويف هو المشترك بين النتائج هنا وهناك.

ولعل ما كان يعزيني ويغريني بالتسويف، وهو ما يعزيني الآن أيضا، أن كثيرا مما كتبته كنت أنشره فورا، وكنت أشرك به الطلاب والجمهور، حتى أسعفتني إحدى الأخوات الفاضلات والمتفضلات فبدأت برفع الموضوعات أولا بأول على موقعي الرقمي (الذي لم ينطلق رسميا بعد):
www.artoflife.net

ومن نعم الله عليّ أنني انشغلت في الفترة الأخيرة بما فيه الكفاية لدفعي بأن أحفظ بعض العروض التقديمية والدورات التدريبية (المهمة والتي تجمع كثيرا من الموضوعات، وليس كلها) على جهاز الحاسوب الشخصي.

إذن، أين المشكلة ؟! وكيف حصل ما حصل ؟!

قبل ثلاثة شهور من الآن، تعرض جهاز الحاسوب عندي لجرثومة رقمية (Virus) عطلت/محت معظم ما على الجهاز، وانتقل هذا العطل إلى القرص الخارجي الصلب (External Hard Disc)، فبدأت بالبحث عمن يسعفني في استخراج المعلومات (المهمة) واستنقاذها، فأخبرني أهل الاختصاص أنني في حاجة لأن أعيد تنسيق/صياغة (Format) القرص، مما يوجب عليّ أن أمحو كل ما عليه أو أنقل ما يمكنني إلى (ناقل بديل) حتى يتم إصلاحه، فما كان مني إلا أن أخرجت كل ما عليه من مواد أخشى عليها أكثر من غيرها، ثم حملتها على ما رأيت أنه أيسر من غيره لفترة النقل من منزل إلى منزل جديد، ومع السفرات المتكررة مؤخرا، فحملتها “كلها” مشغل ذاكرة سريع (USB Flash Drive)

كل ما عليه من مواد (مكتوبة) = رسائل/مقالات + أبحاث + كتب تحت الطبع + مكتبات وخلاصات كتب + عروض تقديمية/تعليمية/تدريبية.

عولج القرص الخارجي الصلب (External Hard Disc)، وكنت على أمل أن أعيد نقل المعلومات إليه فور انتقالنا واستقرارنا، لأن الأمر يحتاج الوقت والتركيز.

وقبل أيام قليلة فقط، كنت أهم بالخروج من البيت، فمددت يدي لأخرج مشغل الذاكرة السريع (USB Flash Drive) من الجهاز، فإذا به يلسع يدي لشدة سخونته، فصبرت عليه قليلا، ثم استخدمت ورقة لألفه بها، وأخرجته لأجده (شبه ذائب) !!!

حينها، لم يكن مني إلا أن قلت:

لا حول ولا قوة إلا بالله
اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها
لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين
بسم الله، يا هادي الضلاّل وراد الضالة، اردد عليّ ضالتي بعزتك وسلطانك فإنها من عطائك وفضلك

ثم بدأت السعي باحثا عمن يمكنهم مساعدتي في استرداد ضالتي، فعرض كثير من الفضلاء المساعدة، وحاول بعضهم فلم يفلح، وكنت على سفر إلى لبنان، حيث عرض أحد الأخوة الفضلاء المساعدة في ذلك، لكنه اتصل بي بالأمس ليبلغني أن الأمر صعب وأنه لا يمكنهم الوصول إلى المادة التي يمكن استرجاع المعلومات منها !!! فشكرته وطلبت منه أن يعيده إليّ حتى أبحث عن حلول أخرى، والرجاء بالله لا ينقطع.

ومع فارق السبب للفقد، إلا إنني تذكرت حال أبي حامد الغزالي في خوفه من فقد “التعليقة” التي كان قد جمع فيها كل ما كتبه، حتى سطا عليها بعض قطاع الطريق، فقال له رئيسهم “كيف تدّعي أنّك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟” ثم ردّ عليه “تعليقته” ومضى الغزالي فمكث عليها سنوات حتى حفظها.

ومع فارق الفقد والفجيعة، إلا إنني تذكرت أيضا حرق التتار لمكتبة بغداد وما فيها من كتب حوت عصارة حضارة الإسلام وقتها !!! كما تذكرت ذلك الإعلان الذي صدر عن الجامعات العراقية بعد غزو أمريكا لها، حيث أعلنت عن سرقة مكتباتها على يد “مجهولين” !!!

والحمد لله على كل حال
وقدر الله وما شاء فعل
لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار

ما الدروس المستفادة من هذا كله ؟!

أولا) الأمر لله من قبل ومن بعد
ثانيا) لا يملك الإنسان، مهما اتخذ من أسباب، أن يرد شيئا قضاه الله
ثالثا) عدم تعليق السعادة بشيء زائل، وهو ما تعلمته من قبل، وما أعلمه للناس
رابعا) السعي باقي، والعمل مطلوب، ولا حجة للتوقف طالما كان في النفس نَفّس
خامسا) السعي فورا إلى الإنتاج، بأسرع وأفضل وأيسر طريقة يمكن بها أن يبلغ العلم عامة الناس وخاصتهم.

دعواتكم

ما المطلوب منكم أخوتي وأخواتي من الطلبة والجمهور ؟!

أرجو أن تتفضلوا بما يلي:

• إرسال كل ما لديكم من موادي (المنشورة أو التي قدمتها وتم تفريغها من قبلكم) على هذا البريد الرقمي: [email protected]
• إذا كانت المواد موجودة على الإنترنت، فيكفي الإشارة إلى موقعها أو إرسال رابط مباشر لها
• إذا كانت المواد كبيرة الحجم، فأرجو تحميلها على قرص مدمج (CD) أو (DVD)، ثم نتدبر أمر إيصالها إليّ.

كما أرجو أن تبلغوا هذا لكل من تعرفونهم ممن حضر لي أو درس عندي.

وجزاكم الله عني كل خير

وشكر الله سعيكم

:)

أخوكم الفقير إلى عفو ربه
عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
الجمعة 18/4/2014