بحث في علاقة الرازي بالسحر والتنجيم، وموقف ابن تيمية منه لـ سلطان العميري

حقيقة موقف الرازي من السحر والتنجيم، وإنكار ابن تيمية عليه

(دراسة نقدية في دفاعات الأشاعرة)

للباحث: سلطان بن عبد الرحمن العميري

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد اشتهر عن أبي عمر محمد بن عمر الرازي أنه ألف كتاباً يتعلق بموضوع السحر والنجوم، أسماه “السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم.” وقد اختلف الناس كثيراً في نسبة هذا الكتاب إليه، فمنهم من جزم بأنه له، ومنهم من تردد في ذلك، ومنهم من جزم بأنه ليس له.

والصحيح أن الكتاب ثابت النسبة إلى الرازي، وقد أثبت نسبته إليه عدد كبير من المؤرخين والباحثين، ومن أقوى الأدلة على ذلك أنه ذكر تأليفه لهذا الكتاب في مواطن متعددة من كتبه، وأحال إليه ونبه على أنه حقق بعض المسائل فيه. [انظر في كل ذلك: فخر الدين الرازي، الزركان: 109-110]

وممن جزم بأنه للرازي، وأغلظ في الإنكار عليه ابن تيمية، بل وصفه بالردة والشرك، حيث يقول عن الرازي: “من العجب أن يذكر عن أبي معشر ما يذم به عبادة الأوثان، وهو الذي اتخذ أبا معشر أحد الأئمة الذين اقتدى بهم في الأمر بعبادة الأوثان لما ارتد عن دين الإسلام وأمر بالإشراك بالله تعالى وعبادة الشمس والقمر والكواكب والأوثان في كتابه الذي سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم.” [بيان تلبيس الجهمية: 3/53]

ويقول في موطن آخر: “صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام، وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته، ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون تاب منه وعاد إلى الإسلام.” [مجموع الفتاوى: 4/55]

ولابن تيمية كلام كثير حول هذا الكتاب ومؤلفه سيأتي ذكره في أثناء البحث.

ولكن بعض الأشاعرة المعاصرين (كالأستاذ سعيد فودة) حاول أن يدافع عن الرازي وسعى في تبرئته من تلك الشناعة، واتهم ابن تيمية بأنه تحامل على الرازي، وأنه بالغ في الإنكار عليه، ونسب إليه ما لم يقله من الشرك والكفر.

فأشكل هذا الأمر على عدد من المعاصرين، وأخذ عدد من الدارسين يسأل عن حقيقة الأمر وكنه المسألة، فأحببت أن أشارك في تجلية هذه القضية بحسب ما أملك من قدرة.

وستكون هذه الورقة معنية بالبحث في أمرين:

أما الأول: فهو في تحقيق موقف الرازي من السحر والتنجيم والتعلق بالكواكب وإثبات أثرها في الأرض.

وأما الثاني: فهو في تحقيق موقف ابن تيمية من الرازي.

ثم تعقبهما مسائل أخرى تكمل معها صورة البحث وتزيد من ثرائه وفائدته.

وفي بداية هذه الورقة البحثية، لا بد من التأكيد على أن البحث هنا خاص بالرازي فقط، ولا يجوز في الشرع ولا في العقل تعميم الحكم على كل أتباع المذهب الأشعري، حتى ولو أعلنوا أن الرازي إمام لهم؛ لاحتمال أن يكونوا ممن يرى أن الكتاب لم تثبت نسبته إليه، أو ممن يرى أنه لم يكن يقصد إلى مدح السحر وعبادة النجوم، وإنما قصد إلى إبطالها والرد عليها.

الأمر الأول: حقيقة موقف الرازي في كتابه السر المكتوم:

يقتضي المنهج العلمي في تحديد موقف الرازي في كتابه السر المكتوم أن نرجع إلى الكتاب ذاته ونقوم باستعراض موضوعه والآراء التي قررها الرازي فيه، وألا نعتمد على أحد في تحديد ذلك كله مع وجود الكتاب بين أيدينا.

فقد افتتح الرازي كتابه بالتنبيه على موضوعه، فقال: “أما بعد، فهذا كتاب يجمع فيه ما وصل إلينا من علم الطلسمات والسحريات، والعزائم ودعوة الكواكب، مع التبري عن كل ما يخالف الدين وسلم اليقين.” [السر المكتوم: 2]

واضح من هذا النص أن الرازي سيتحدث عن تلك الموضوعات، ويسوق ما وصل إليه فيها عن الأوائل، ولكنه ينبه على أنه يتبرى من كل ما يخالف الإسلام.

ثم ذكر أنه سيفتتح الكتاب بعدة فصول، جعل الفصل الأول في فضل العلم، وأما الفصل الثاني فقد جعله في بيان فضل علم الطلسمات والسحر! حيث يقول: “الفصل الثاني في فضائل هذا العلم: إن أصحاب هذا العلم جمعوا بين لذة أشرف العلوم وبين لذة أشرف أنواع القدرة، وأما لذة العلم؛ فلأن هذا العلم يوقف على أسرار العالم الأعلى وأسرار العالم الأسفل، ويجعلك بحيث تصير مشاهداً للروحانيات مخاطبا لهم، بل ومختلطاً بهم…

وأما لذة القدرة؛ فلأنهم يقدرون على جميع المرادات: منها: أن صاحبه يقوى على معالجة الأمراض الصعبة التي يعجز عنها الأطباء مثل المجذومين والمفلوجين والعشق الشديد لأن هؤلاء يستعينون بالروحانيات والأطباء بالجسمانيات، والروحانيات أقوى من الجسمانيات لا محالة، ومنها: أن صاحب هذا العلم يقوى على قهر الخصوم من غير ممارسة الحروب وتعريض النفس للقتل.” [السر المكتوم: 3]

ثم ساق الرازي أخباراً وقصصاً يؤيد بها قوله في تحسين علم السحر وبيان فضله، فقال: “وحكى أبو معشر البلخي رحمه الله أنه كان في بلاد الهند ملك عاقل عالم بأسرار النجوم وسخر المريخ، فظهر له خصم ولم يلتفت إليه حتى قرب من بلده، فراجع المريخ وشكا إليه، فلم يبلغ ساعة، وكان الملك مشغولا بالعشرة مع ندمائه أن رأى شيئا يجيء إليهم من الجو حتى وقع المجلس، فلما نظروا إليه رأوا من النحاس على شكل مثلث شيئا، وفيه رأس آدمي مقطوع في الحال، فلما رأى ندماؤه ذلك الشيء العجيب هربوا من هيئته وتفرقوا، والملك ساكن ينظر إليهم ويضحك ولا يتحرك، حتى إذا ما مضى ساعة، ثم أمر بإحضارهم، فجاءوا خائفين، فقال الملك: لكم البشرى، إن هذا هو رأس الملك الذي قصدنا، وقام لعداوتنا وتخريب ملكنا، فهذا هو رأسه، وهو ثمرة علمنا الذي كنا به منشغلين به، وكنتم تنسبونا بسبب الخلوة والانشغال بهذا العلم إلى الجنون، فعفوت عنكم، ثم إنهم قبلوا الأرض للخدمة شاكرين، ثم إن الملك أخذ ذلك الإناء، وقال: هل تعرفون ما السبب في كون هذه الآنية مثلثة ؟! ذلك لأن الطالع الذي ابتدأت هذا الأمر عليه كان المريخ في تثليث الشمس، ثم إنه بقي للملك المقتول ابن فتفحص عن ذلك الأمر، وعلم سبب قتل أبيه، فجمع البراهمة واشتغلوا بدعوة المريخ، فكانوا أربعة آلاف، فلما مضى شهر واحد وقعت صاعقة من السماء على الناس واحترقوا جميعا.” [السر المكتوم: 3]

ثم تحدث طويلا عن التعامل مع الروحانيات وذكر توصيات عديدة لنجاح التعامل معها.

وهذا الفصل صريح جداً في أن الرازي يمتدح السحر، ولا يرى فيه مخالفة للإسلام، ولهذا توسع في بيان فضله وساق الأدلة على ذلك، وكونه يقدم توصيات ونصائح يشير إلى أنه ليس مجرد ناقل لقول غيره وليس قاصداً إلى نقده والتحذير منه، وإنما هو قاصد إلى حكاية ما يراه صحيحاً.

ولم يكتف الرازي بذلك، بل إنه قسم كتابه إلى مقالات عديدة، وتحدث في المقالة الأولى عن تقرير الأصول الكلية التي يقوم عليها علم السحر والطلسمات، وعرف الطلسمات بأنها العلم بأحوال القوى السماوية الفاعلة مع القوى الأرضية المنفعلة لأجل التمكن من إظهار ما يخالف العادة. [السر المكتوم: 5]

ثم توسع كثيراً في إثبات وجود القوى السماوية الفاعلة، وساق الأدلة التي يرى فيها دلالة على ذلك، ثم أخذ في إثبات إمكان التوصل إلى معرفة تلك القوى والطبائع السماوية، وذكر الطرق التي يعرف بها ذلك. [السر المكتوم: 7-8]

وأما الفصل الرابع من المقالة الأولى فقد جعله في السحر المبني على تصفية النفس حتى يسهل عليها الاتصال بالقوى السماوية، وقدم فيه توصيات كثيرة لأجل البلوغ إلى تلك المترلة، وقال: “من أراد أن تصير العلاقة بين نفسه وبين الأرواح العلوية الخارجية مستحكمة وجب عليها في أول الأمر النفور عن الشواغل الخارجية بأقصى الوجوه.” [السر المكتوم: 15]

وذكر أنه يجب على المشتغل بعلم الطلسمات أن يحرص على إحكام العلاقة بينه وبين الأرواح الفلكية، ونقل عن ابن وحشية أن صاحب الطلسمات لا بد أن يمدح صنم الشمس وعطارد وأن يصلي لها، ثم عقب الرازي على نقله مباشرة بقوله: “إن هذه الصنعة لا تتم إلا بتعلق الفكر والوهم بروح ذلك الكوكب المعين، بحيث يصير ذلك ملكة مستقرة.” [السر المكتوم: 16]، ولم ينكر قول ذلك المنجم، مع أنه تضمن الدعوة إلى الخضوع للكواكب بها!

ثم نقل عن طمطم الهندي كلاماً يوضح فيه كيفية التعلق بالأرواح السماوية، وعلق عليه الرازي مباشرة بقوله: “أقول هذا فصل نفيس لم أجد في هذا الجنس من الكتب فصلاً أهدى إلى التحقيق منه، ومجموعه يدل على أن مزاول هذه الصنعة لا بد أن يترك شيئا من حسه وفكره وخياله وهمه وعقله ونفسه إلا وتعلقه إما على روح الكوكب الذي يريد الاستعانة به في عمله أو على ما له تعلق بذلك الكوكب، وكلما كان التعلق أشد كان حصول المقصود أتم.” [السر المكتوم: 17]

ومدح الرازي لكلام هذا المنجم مع أنه متضمن للشرك بالله دليلٌ واضح على أنه متبنٍ لرأيه وأنه ليس مجرد ناقل للأقوال فحسب، وهي دعوة صريحة إلى التعلق بالكواكب والاستعانة بها.

ولم يكتف الرازي بذلك، وإنما أخذ في توضيح الأعمال والآداب التي ينبغي أن يقوم بها من يريد التعلق بالأرواح الفلكية حتى يكون تعلقه أكثر فاعلية، وذكر أنواعاً من الرقى والعقد والكتابة والاعتقاد في تأثير الكواكب. [السر المكتوم: 17]

ثم انتقل إلى المقالة الثانية فقال: “المقالة الثانية: فيما لا بد منه في علم النجوم في هذه الصنعة” وذكر فيه ثمانية عشر فصلا شرح فيه أشكالاً كثيرة من التعلق بالنجوم وصنوفاً منوعة من أفعالها في الأحداث الأرضية.

وقال في الفصل الأول: في الدلائل الاعتبارية التي تدل على أن النجوم مؤثرة في هذا العالم” [السر المكتوم: 20]، وأطال جداً في شرح ذلك، وختم الفصل بقوله:” فمن أراد أن يعمل عملاً مخصوصاً فلا بد أن يكون محيطا بطبائع هذه الكواكب وأفرادها ومركباتها حتى لا يخيب عمله ولا يضيع سعيه.” [السر المكتوم: 26]

ويعد هذا الفصل دعوة صريحة إلى التعلق بالنجوم والارتباط بها، وتعليق كل الحوادث الأرضية بها، وهو يدل على أن الرازي ليس جامعاً لكلام المنجمين فقط، وإنما متبنياً لقولهم، فهو يمدح ويذم ويوصي ويوجه ويحذر.

وأما الفصل الثاني فقد عقده في الرد على من أنكر تأثير الكواكب على الأرض، وذكر لهم ست شبه على حد قوله، وقال “الشبهة السادسة: تمسكوا بآيات من كتاب الله تعالى زعموا أنها تدل على فساد هذا العلم” [السر المكتوم: 29]، ثم أجاب عليها جوابا مختصرا جدا.

وانتقل إلى الفصل الثالث فقال: “الفصل الثالث في ضبط أبواب علم النجوم” [السر المكتوم: 29]، وفي هذا الفصل وما بعده توسع جداً في شرح النجوم والأبراج وذكر خواصها وطبائعها، وكيفية التعامل معها بناء على اختلاف تلك الخواص.

وأما في الفصل الثامن فقد قال فيه: “في استقصاء القول فيما أضيف إلى كل واحد من هذه الأبراج” [السر المكتوم: 39]، وجمع فيه أنواعاً من الخرافات وصنوفاً من الأساطير التي يتنزه عنها العقلاء فضلاً عن المسلمين.

ثم أكد على أن سبب السعادة والشقاوة في الأرض إنما هو بسبب تأثير الكواكب السماوية،

وقال: “البحث الثاني: إنه ثبت في الحكمة استناد جميع الحوادث الأرضية إلى الاتصال الكوكبي والتشكلات الفلكية علمنا أن كل إفراط يحدث في هذا العالم، فإنما يحدث من هناك، وكل اعتدال ها هنا فمن هناك” [السر المكتوم: 48]، ثم توسع كثيراً في شرح كيفية تأثير الكواكب في إحداث السعادة والتعاسة وذكر أقسامها وأنواعها.

وعقد فصولاً في آخر الكتاب ذكر فيها القُربات التي يجب على صاحب الصنعة فعلها لأجل الكواكب، وتوسع في شرح ذلك كثيراً. [السر المكتوم: 123]

وذكر التسبيحات التي ينبغي على صاحب هذه الصنعة الالتزام بها وقال: “اعلم أن الداعي إذا كان عالماً بصفات كل كوكب وخواصه وتأثيراته فإنه إذا أراد الثناء عليه مدحه بتلك الأفعال والخواص” [السر المكتوم: 123]، ثم أخذ في شرح تلك التسبيحات، وذكر كل نجم وما له من
تسبيحة، وذكر أنه ينبغي أن يقال التسبيح في حالة خشوع وخضوع وهدوء!

ثم توسع في شرح طرق السحر ونقل فيها عن المؤلفين في هذه الصنعة، وذكر الطرق التي تصنع بها التعاويذ والعقد والرسومات والطلاسم والحروف المقطعة، والسبل الموصلة إلى درجة الإتقان لهذه الصنعة، وذكر الأدواء والأمراض والأغراض التي تصنع لها تلك التعاويذ، كل غرض وما يناسبه. [السر المكتوم: 135-150]

وفي أثناء حديثه ذكر أن ما قرره في الكتاب يتفق مع دلالة الشرع فيقول: “اعلم أن العقول والشرائع متطابقة على أن المتولي لتدبير كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم روح سماوي على حدة، وهذه الأرواح هي مسماة في لسان الشرع بالملائكة، وإنما قلنا: إن الأمر كذلك بحسب أمور؛ لأنه لما ثبت بالدلائل العقلية أن مدبر العالم الأسفل هو روح العالم الأعلى، ثم ثبت أن المبادئ الواحدة لا تكون مصدراً لآثار مختلفة، وجب إسناد كل واحد من هذه الآثار إلى روح فلكي … وقوله تعالى في حق سليمان: “علمنا منطق الطير” قال بعض أصحابنا: المراد اتصال روحه بروح عطارد؛ لأن عطارد يتعلق بالطير، وتواترت الأخبار على أن الموكل بالسحاب والرعد والبرق ملك والموكل بالأرزاق ملك، والموكل بالجبال ملك، والبحار ملك، إلى غير ذلك من الأحوال، وإذا ثبت هذا صارت هذه المسألة مسألة وفاق بين الأنبياء عليهم السلام والحكماء رضي الله عنهم” [السر المكتوم: 110]

والرازي في كتابه لا يتحدث عن حكم تعلم علم السحر أو علم التنجيم ونحوه، وإنما يتحدث عن تحسين علم السحر ذاته، ويقرر تأثير النجوم وارتباط كل الحوادث الأرضية بها، ويدعو إلى التعلق بها والخضوع لها، والتسبيح باسمها، ويدافع عن ذلك كله.

والقارئ للكتاب لا يجد بينه وبين الكتب التي كتبها السحرة والكهان والمنجمون فرقا، وغاية ما يجد القارئ فيه إنكار الرازي على الفلاسفة والمنجمين قولهم بقدم تلك الكواكب والقول بألوهيتها والقول بأنها تؤثر بنفسها، وهذا الإنكار حق لا شك فيه، ولكنه لا يكفي في الخروج من المخالفة الشركية، لأن الرازي مع ذلك يقرر بأن تلك الكواكب تؤثر في الحوادث الأرضية، وكل حادث له كوكب خاص، ويدعو إلى التعلق بها، والذبح لها والسجود والتسبيح باسمها، ويحسن الأعمال السحرية ويدافع عنها.

فهذا الكتاب “السر المكتوم” هو في الحقيقة كتاب من كتب التنجيم والطلسمات والسحر من الطراز الأول.

وهو متضمن لأنواع كثيرة من الشرك والكفر بعضها متعلق بإباحة السحر والتنجيم وتحسينه ومدحه، وبعضها متعلق بادعاء تأثير الكواكب وخواصها في الحوادث الأرضية، وبعضها متعلق بإباحة التقرب إلى تلك الكواكب والتسبيح باسمها والخضوع لها والتعلق بها والدعوة إلى ذلك.

والقارئ للكتاب يقف على أدلة متعددة يدرك من خلالها أن الرازي مؤيد لما نقله في الكتاب ومعتقد صحته، ومن ذلك:

1) فإنه عقد فصلاً للاستدلال على صحة علم السحر والتنجيم.
2) وأثنى على كلام كثير من المنجمين الذي يتضمن الدعوة إلى الإشراك بالكواكب، ووصف كلام بعضهم بالتحقيق والفضل.
3) وعقد فصلاً للدفاع عن الشبهات (كما يقول) التي اعترضوا بها على علم السحر والتنجيم.
4) وادعى في آخر الكتاب بأن العقل والشرع اتفقا على تصحيح ما قرره في كتابه.
5) وفضلاً عن ذلك فإنه اقتصر في الرد على الفلاسفة والمنجمين على قولهم بقدم المادة فقط، وترك صور الشرك الأخرى.

فهذه كلها دلائل قوية تؤكد على أن الرازي يرى صحة ما أورده في كتابه، وأنه لم يكن مجرد ناقل لكلام غيره فقط، وإنما يقرر قوله ومذهبه.

ومما يقوي ذلك أن تقرير هذا الأمر ليس غريباً على الرازي، فإن موقفه من السحر والتنجيم ظاهر المخالفة للشريعة في عدد من كتبه الأخرى، وقد ذكر كلاماً قريباً مما ذكره في هذا الكتاب في كتاب المطالب العالية، وهو من آخر مؤلفاته كما حققه عدد من الباحثين. [انظر: فخر الدين الرازي، الرزكان: 94-96]

يقول الرازي في جزء النبوات من كتاب “المطالبة العالية”: “القسم الثالث من هذا الكتاب في الكلام عن السحر وأقسامه”، ثم قال: “مقدمة في بيان أنواع السحر، النوع الأول، وهو أعظمها قوة وأشدها تأثيراً على ما يقال: السحر المبني على مقتضيات أحكام النجوم، وتقرير الكلام فيه أنه ثبت بالدلائل الفلسفية أن مبادئ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الأشكال الفلكية والاتصالات الكوكبية، ثم إن التجارب المعتبرة في علم الأحكام انضافت إلى تلك الدلائل فقويت تلك المقدمة جداً، ثم إن التجارب النجومية دلت على اختصاص كل واحد من هذه الكواكب السيارة بأشياء معنية في هذا العالم السفلي” [المطالب العالية: 8/143]

ثم قال بعد أن ذكر أنواعاً من السحر: “النوع الخامس من السحر: السحر المبني على الاستعانة بالأرواح الفلكية، فإنا قد بيّنا أن أكثر فرق أهل العلم مطبقون على إثبات هذه الأرواح، وعلى أن لها آثاراً عظيمة في هذا العالم، وعند هذا قال بعضهم: إنه يمكن الاستعانة بهم بطرق مخصوصة، وإذا حصل ذلك الاتصال فقد حصلت القدرة على خوارق العادات” [المطالب العالية: 8/146]

وبعد أن ذكر عشرة أنواع من السحر قال: “واعلم أن شيئاً من هذه الأقسام لا يتم ولا يكمل إلا عند الاستعانة بالسحر المبني على النجوم، ولو قدر الساحر على أن يجمع أنواعاً كثيرة منها كان أقوى وأكمل فيما يروم” [المطالب العالية: 8/143]

ثم توسع في شرح الطلسمات وذكر حجج أصحابها وبتفصيل، ثم طفق في بيان الشروط الكلية التي يجب مراعاتها في تحصيل هذه الصنعة، وقال مؤكدا أهميتها: “إن تأثيرات أرواح الكواكب أقوى من تأثيرات أجسادها، فإذا قوي الاعتقاد في صحة الأعمال صارت الأرواح البشرية معاضدة للأرواح العلوية، كما صارت المواد السفلية معاضدة للأجرام العلوية، فلا جرم تقوى التأثيرات … ولهذا السبب قال بطليموس: علم النجوم منها ومنك” [المطالب العالية: 8/161]

ثم قرر إباحة التقرب إلى الكواكب لتحصيل النفع منها فذكر: “أنه إذا قرب للأرواح أنواعاً من القرابين ولم يجد منها أثراً، فالواجب ألا ينقطع عن ذلك العمل وألا يتركها” [المطالب العالية: 8/162]

وبعد أن أطال جداً في شرح تأثير الكواكب على الأحوال الأرضية يقول مؤكداً مقرراً ذلك: “إن أصحاب الأحكام أثبتوا لكل كوكب معنى من الطعوم والروائح … فإذا أراد الإنسان تحصيل أمر من الأمور، علم أن ذلك العمل لا يصدر إلا من الكوكب الفلاني، فحينئذ يسعى في تقوية ذلك الكوكب من جميع الوجوه التي قد بيناها، ثم يجمع بين جميع الأمور المناسبة لذلك الكوكب من القوابل السلفية، فإذا اجتمعت هذه القوابل حال كون ذلك الكوكب قوي الحال ظهر التأثير لا محالة” [المطالب العالية: 8/179]

وجملة ما قرره الرازي في هذا الجزء من كتابه لا يختلف عما قرره في كتابه “السر المكتوم.”

ولا يصح أن يقال: إن الرازي أراد مجرد عرض أقوال أهل السحر والتنجيم ولا يعتقد صحة ذلك؛ لأن كتاب المطالب العالية ليس مجرد عرض للأقوال، وإنما هو كتاب يقرر فيه الرازي ما يراه حقاً ويرد على ما يراه باطلاً، ولأجل هذا فإنه في جزء النبوات ذاته الذي عرض فيه القول في السحر والتنجيم أورد قول المنكرين للنبوات واستعرض شبهاتهم ورد عليها شبهة شبهة [المطالب العالية: 8/11-60]، وهذا يشير إلى أنه يرى أن ما أورده من السحر والتنجيم ليس معارضاً للشريعة.

الأمر الثاني: موقف ابن تيمية من كتاب السر المكتوم:

الذي يتتبع كلام ابن تيمية حول كتاب السر المكتوم يدرك بأنه اطلع على الكتاب وأنه على علم بما فيه، وقد تعرض لوصف مضمونه وموضوعه في مواطن عديدة من كتبه، وأشار إلى بعض الأخبار التي نقلها الرازي في كتابه، وذكر عدة معلومات عنه، وعن كتب الرازي المشابهة له في الموضوع ككتاب “الرسائل العلائية في الأحكام السماوية”، وكل ما ذكره لا يختلف عما سبق نقله عن الكتاب.

فإنه وصف مرة موضوع الكتاب فذكر أنه قرر عبادة النجوم والكواكب على مذهب الصابئة وغيرهم، فقال: “وقد صنف من صنف في مخاطبة الكواكب والسحر على مذهبهم مثل كتاب السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم ونحو ذلك مما يذكر فيه مذهب الكلدانيين والكشدانيين وكانوا مع بنائهم هياكل النجوم” [بغية المرتاد: 370]

وأشار إلى أن الرازي قرر في كتابه إباحة التعبد لغير الله بالسجود ونحو ذلك، وذكر مقارنة بينه وبين كتاب الرسائل السماوية فقال: “والرازي صنف الاختيارات لهذا الملك وذكر فيه الاختيار لشرب الخمر وغير ذلك كما ذكر في “السر المكتوم” في عبادة الكواكب ودعوتها مع السجود لها والشرك بها ودعائها مثل ما يدعو الموحدون ربهم، بل أعظم، والتقرب إليها بما يظن أنه مناسب لها من الكفر والفسوق والعصيان، فذكر أنه يتقرب إلى الزهرة بفعل الفواحش وشرب الخمر والغناء ونحو ذلك مما حرمه الله ورسوله” [مجموع الفتاوى: 13/181]

وفي كلام ابن تيمية ما يدل على أنه كان مستحضراً لما في الكتاب، حيث يقول “ومما ينبغي أن يعلم أن الرازي وأتباعه مضطربون في هذه الحجة وأمثالها فتارة يكونون مع أهل الكلام وتارة يكونون مع الفلاسفة ولهذا يحتج بهذه الحجة في كتابه الذي صنفه في السحر ودعوة الكواكب وعبادة الأصنام المبنية على ذلك وقال فيه: هذا ملخص ما وصل إلينا من علم الطلسمات والسحريات والعزائم ودعوة الكواكب مع التبري عن كل ما يخالف الدين ويثلم اليقين” [الصفدية: 1/66]

ومن خلال وصف ابن تيمية لكتاب الرازي ندرك بأنه لا ينكر على الرازي إباحة تعلم علم السحر أو التنجيم فقط، بل هو لم يذكر ذلك، وإنما الذي ينكره عليه بوضوح هو إباحته لعبادة الكواكب وتحسينه لصرف العبادات والخضوع لها، والتسبيح باسمها، ومشابهته في كل ذلك لما يفعله المشركون معها.

وبناء على ما أدركه ابن تيمية من كلام الرازي في كتابه حكم عليه بأحكام صريحة وواضحة، فإنه تارة يصف فعله بأنه كفر وردة، حيث يقول في سياق حديثه عن أخطاء المتكلمين: “منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون تاب منه وعاد إلى الإسلام” [مجموع الفتاوى: 4/55]

وذكر أنه بصنيعه ذلك ارتد عن الإسلام، حيث يقول: “من العجب أن يذكر عن أبي معشر ما يذم به عبادة الأوثان وهو الذي اتخذ أبا معشر أحد الأئمة الذين اقتدى بهم في الأمر بعبادة الأوثان لما ارتد عن دين الإسلام، وأمر بالإشراك بالله تعالى، وعبادة الشمس والقمر والكواكب والأوثان في كتابه الذي سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم” [بيان تلبيس الجهمية: 3/53]

وأما رجوع الرازي وتوبته، فقد تنوع فيها كلام ابن تيمية

فتارة يذكر ذلك على سبيل الاحتمال كما في النص السابق، وتارة يذكر رجوعه على جهة التأكيد والجزم، حيث يقول: “وقد صنف على مذهب الدهرية المشركين والصابئين كتباً، حتى قد صنف في السحر وعبادة الأصنام، وهو الجبت والطاغوت، وإن كان قد أسلم من هذا الشرك وتاب من هذه الأمور، فهذه الموالاة والمعاداة لعلها في تلك الأوقات، ومن كان بتلك الأحوال فهو قبل الإسلام والتوبة” [بيان تلبيس الجهمية: 1/408]

والجزم بتوبة الرازي ورجوعه إلى الإسلام وثبوت حكم الإسلام له هو الموقف الذي استقر عليه رأي ابن تيمية

فإنه كثيراً ما يكرر التأكيد أن الرازي قد تاب وأناب، وترحم عليه واستغفر له، حيث يقول: “وممن اعترف به أبو عبد الله الرازي رحمه الله في غير موضع من كتبه، ولفظه في بعضها “لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ أقرأ في الإثبات (الرحمن على العرش استوى) [طه: 5]؛ (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) [فاطر: 10]. وأقرأ في النفي (ليس كمثله شيء) [الشورى: 11]؛ (ولا يحيطون بشيء من علمه) [طه: 110]. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي”، وهذا قاله في آخر عمره في آخر ما صنفه، وهو كثير التناقض، يقول القول ثم يرجع عنه، ويقول في الآخر ما يناقضه كما يوجد هذا في عامة كتبه، تغمده الله برحمته وعفا عنه، وسائر المؤمنين. (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) [الحشر: 10]. وتوبته معروفة مشهورة” [بيان تلبيس الجهمية: 8/529]

وهذا يدل على إنصاف ابن تيمية وعدله، ويدل على أن شدته على الرازي في ذلك الكتاب وغيره ليست لأن له موقفاً شخصياً من الرازي أو عداوةً أو نحوها؛ إذ لو كان كذلك لما كرر التنبيه على توبته وأكد ذلك بوضوح، وإنما غرضه الأساسي البحث العلمي والدفاع عن الشريعة.

واشتداد ابن تيمية في الحكم ليس خاصاً بالرازي، بل إنه قرر ذلك مع عدد من المشتغلين بالسحر والتنجيم، حيث يقول: “فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع الأدعية والتعزيمات، ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها، ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه، وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام وصنف فيه بعض المشهورين كتاباً سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم، على مذهب المشركين من الهند والصابئين والمشركين من العرب وغيرهم مثل طمطم الهندي وملكوشا البابلي وابن وحشية وأبي معشر البلخي وثابت بن قرة وأمثالهم ممن دخل في الشرك وآمن بالجبت والطاغوت، وهم منتسبون إلى أهل الإسلام” [اقتضاء الصراط المستقيم: 1/405]

وهذا التقرير يدل على أن ابن تيمية لم يقرر الأحكام الشديدة الواضحة والبينة على الرازي فقط، وإنما قرر ذلك في حق غيره ممن خالف قواطع الشريعة وحسّن الشرك والسحر والتنجيم.

الأمر الثالث: موقف العلماء من كتاب السر المكتوم:

لم يتفرد ابن تيمية بنسبة مضمون كتاب السر المكتوم إلى الرازي، وإنما وافقه على ذلك غيره من العلماء، فقد فهم عدد من العلماء أن كتاب الرازي “السر المكتوم” مشتمل على تحسين السحر ومتضمن لمدح عبادة النجوم والأصنام وعلم التنجيم وتأثير الكواكب، وأن الرازي في كتابه ذلك يذهب إلى رفع وصف القبح والشرك عن السحر وعبادة الكواكب، واشتهر هذا الأمر عن الرازي وتناقله كثير من الناس.

وممن ذهب إلى ذلك الذهبي في ترجمة الرازي: “رأس في الذكاء والعقليات، لكنه عري عن الآثار، وله تشكيكات على مسائل دعائم الدين تورث الحيرة، نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وله كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم، سحر صريح، فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله تعالى” [ميزان الاعتدال: 3/340]؛ [سير أعلام النبلاء: 21/500]

وممن نسب إلى الرازي أنه ألف كتابه على معتقد أهل الشرك والسحر ابن قاضي شهبة حيث يقول عن الرازي: “ومن تصانيفه على ما قيل: كتاب السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم، على طريقة من يعتقده، ومنهم من أنكر أن يكون من مصنفاته” [طبقات الشافعية: 2/67]، فابن قاضي شهبة وإن كان متشككا في صحة نسبة الكتاب، إلا أنه حدد موضوعه وفكرته وبوضوح، وأنه مؤلف على طريقة من كان من يعتقد صحة ذلك العلم، وهذا هو المقصود.

وممن فهم من كلام الرازي أنه يرى إباحة بعض أنواع الكهانة حاجي خليفة، حيث يقول بعد ذكره لحقيقة الكهانة والعرافة: “لا يجوز الآن تصديق الكهنة والإصغاء إليهم، بل هو من أمارات الكفر والمصدق يكون كافراً لقوله عليه الصلاة والسلام: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، لكن المفهوم من كتاب السر المكتوم للفخر الرازي جواز ذلك في الشرع” [كشف الظنون]

وقد رد الشيخ زين الدين سريجا بن محمد الملطي على الرازي في كتاب أسماه “انقضاض البازي في انفضاض الرازي” [كشف الظنون: 2/989]، ولا ندري عن الموضوعات التي انتقد فيها الملطي الرازي، ولكنها في الأغلب راجعة إلى ما في الكتاب من مخالفة الشريعة؛ لأنها هي الأظهر في الكتاب.

وممن فهم من كتاب الرازي أنه يقرر المعاني الشركية الباطلة: العلماء الذين نصوا على أنه تاب منه أو أنه مكذوب عليه؛ إذ مقتضى قولهم ذلك أنهم فهموا أنه قرر فيه ما هو مخالف للشريعة في موضوعه الذي تحدث فيه وهو أنواع السحر وعبادة الكواكب، حتى ذكر بعض العلماء أنه من تأليف أحد الملاحدة ونسب للرازي. [كشف الظنون: 2/989-990]

ومن خلال الكلام السابق يتبين أن نسبة ما تضمنه الكتاب إلى الرازي لم يتفرد به ابن تيمية، وإنما وافقه غيره من العلماء على ذلك، فضلاً عن أنه موافق لما قرره الرازي في كتاب المطالب العالية، الذي يعد آخر كتبه.

الأمر الرابع: دفاعات الأشاعرة عن الرازي:

مثّل موقف الرازي من السحر والتنجيم الذي قرره في كتابه السر المكتوم أزمة حادة على عدد ممن جاء بعده من علماء الأشاعرة، لأن ما قرره فيه معارض غاية المعارضة لنصوص الشريعة الغراء، وقد اختلفت مواقف المدافعين من الأشاعرة عن الرازي في التعامل مع تلك الآراء على ثلاثة مواقف، هي:

الموقف الأول: إنكار نسبة الكتاب إلى الرازي، ومن أول من قال ذلك السبكي الابن حيث يقول: “وأما كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم فلم يصح أنه له، بل قيل: إنه مختلق عليه” [طبقات الشافعية: 8/87]

ولكن هذا الموقف غير صحيح، لأمور:

أما أولا: فلأن الرازي أقر بنسبة الكتاب إلى نفسه وذكره من مواطن كتبه، ومن ذلك أنه قال في شرح الإشارات: “ثم ارجع إلى السر المكتوم إن كنت راغبا في التحرير” [فخر الدين الرازي، الزركان: 110]

وأما ثانيا: فلأن الرازي ذكر المعاني المتضمنة في كتابه في آخر كتبه الذي هو المطالب العالية، وبألفاظ متقاربة جداً.

الموقف الثاني: أن ما قرره الرازي في الكتاب ليس سحراً ولا تنجيماً، وهذا الوجه ذكره السبكي الابن أيضاً حيث يقول معقباً على قول الذهبي: “وقد عرفناك أن هذا الكتاب مختلق عليه، وبتقدير صحة نسبته إليه ليس بسحر، فليتأمله من يحسن السحر” [طبقات الشافعية: 8/88]

ولكن هذا القول غير صحيح، ويبدو أن السبكي الابن لم يطلع على الكتاب، ولو اطلع عليه لما قال مثل هذا الكلام، فتقرير السحر والتنجيم فيه وتحسينه والدعوة إليه وتعليق القلوب بالكواكب والادعاء بأن لها تأثيراً كبيراً على الحوادث الأرضية ظاهر فيه جداً، كما سبق بيانه.

الموقف الثالث: الادعاء بأن الرازي لم يكن يتبنى ما في كتابه من سحر وتنجيم، بل إنه أكد على أنه لا يقول به.

وهذا القول قال به بعض المعاصرين، كالأستاذ سعيد فودة وغيره، وبالغوا في التشنيع على ابن تيمية، واعتمد على أربعة أدلة:

الدليل الأول: تصريح الرازي في أول الكتاب بأنه يتبرأ من كل ما يخالف الدين، حيث يقول:” أما بعد، فهذا كتاب يجمع فيه ما وصل إلينا من علم الطلسمات والسحريات، والعزائم ودعوة الكواكب، مع التبري عن كل ما يخالف الدين وسلم اليقين”

ولكن هذا التصريح من الرازي ليس صريحاً في أنه ينكر كل الصور الشركية التي قررها في كتابه، وإنما هو قول مجمل لم يحدد فيه ما يخالف الدين، ومما يدل على أن الرازي يرى أن ما قرره لا يخالف الدين أنه عقد فصلاً في الثناء على علم التنجيم والسحر والطلسمات
وساق الأدلة على ذلك، وكذلك أجاب عن الاعتراضات التي سيقت ضده، ومنها عدد من النصوص الشرعية كما سبق بيانه، وقرر في أثنائها بأن العلم الذي يقرره في كتابه لا يتعارض مع الدين في شيء، وذكر أن الشرع والعقل يدلان على حسن علم التنجيم وعلى أن النجوم لها تأثير في الحوادث الأرضية وعلى لزوم التعلق بها، كما سبق بيانه في عرض الكتاب، ثم إن الرازي قرر في عدد من كتبه الأخرى المضمون نفسه الذي قرره في هذا الكتاب، وأعاد المعنى ذاته.

وكل هذا يدل على أن الرازي يرى أن ما يقرره في كتابه لا يتعارض مع الدين ولا يخالفه في شيء.

الدليل الثاني: أن الرازي ذكر أن القائلين بعبادة الكواكب هم الفلاسفة والصائبة، حيث يقول: “ثم إن القائلين بهذا المذهب هم الفلاسفة والصابئة، قالوا بإلهية هذه الكواكب، واشتغلوا بعبادتها واتخذوا لكل واحد منها هيكلاً مخصوصاً وصنماً” [السر المكتوم: 8]

ولكن هذا النص من الرازي لا يدل على أنه يرى بطلان علم السحر والتنجيم ولا يدل على أنه ينكر تأثير الكواكب في الأرض وأن حوادثها كلها مرتبطة بتلك الكواكب، ولا يدل على أنه ينكر التعلق بها والخضوع لها والتسبيح باسمها؛ لأن قوله ذلك جاء في سياق حديثه عن التسلسل في الأسباب، فإنه بعد أن بين حقيقة علم الطلسمات ذكر أن الحديث فيها “يستدعي مقامين، أحدهما: إثبات القوى الفاعلة السماوية، وتقرير أن الحوادث في هذا العالم العنصري لا بد لها من أسباب” [السر المكتوم: 7]، ثم طفق في تفصيل رؤية الفلاسفة والصابئة في طبيعة هذه الأسباب، فقوله “ثم إن القائلين بهذا القول” لا يرجع إلى تحسين علم النجوم وإثبات تأثير الكواكب في الأرض وتحسين التعلق بها، وإنما يرجع إلى البحث في علاقة الأسباب وانتهائها إلى المؤثر القديم، كما هو ظاهر جداً من سياق النص، وقولهم هذا هو الذي أبطله الرازي في الفصل السادس.

ثم إنا لا نقول: إن الرازي موافق للفلاسفة والصائبة في كل أقوالهم، فهو لا يقول بألوهية الكواكب ولا يقول إنها تؤثر بنفسها، ولا يقول إنها قديمة، ولكن مظاهر الخلل والشرك عندهم ليست منحصرة في هذه الأمور، بل التعلق بالكواكب والذبح لها والسجود لها والتسبيح باسمها وتعليق الأمور بها، وتحسين السحر والدعوة إليه، والمدافعة عنه والجواب على أدلة الناقدين لها، كل ذلك مناقض لحقيقة الإسلام.

الدليل الثالث: أن الرازي قال في أثناء الكتاب: “الفصل السادس: في البينة على ضعف ما حكيناه عن هؤلاء الفلاسفة والصابئة والبينة على صحة الإسلام” [السر المكتوم: 19]

ولكن هذا الفصل ليس معقوداً لإبطال السحر والتنجيم والطلسمات، وإنما هو معقود لإبطال قولهم في قدم مادة العالم والكواكب، وهذا ظاهر جداً في هذا الفصل؛ فإنه لم يناقش فيه إلا قضية قدم العالم فقط، وأثبت حدوثه، مع أنه قبل هذا الفصل ذكر حديثاً مطولاً عن
التنجيم والسحر، وذكر بعده حديثاً مطولاً عنها أيضا، بل إنه عقد فصولاً بعد هذا الفصل يقرر فيها صحة علم التنجيم وتأثير الكواكب والتقرب إليها كما سبق عرضه.

فلو كان الرازي يرى بطلانها وأنها مخالفة للشريعة لبادر إلى إبطالها كما فعل مع قول الفلاسفة بقدم العالم، فلما اقتصر على إبطال ذلك الأمر فقط، دل هذا على أنه يرى أن ما عداه مما نقله عنهم ليس مخالفاً للشريعة!

الدليل الرابع: أن الرازي له كلام آخر يقسم فيه السحر إلى أقسام متعددة، ويحكم بالكفر على بعضها، بل ويحكم فيه بالقتل على السحرة، حيث يقول في تفسيره بعد أن ذكر أقسام السحر: “هل يجب قتلهم أم لا؟ أما النوع الأول: وهو أن يعتقد في الكواكب كونها آلهة مدبرة، والنوع الثاني وهو أن يعتقد أن الساحر قد يصير موصوفاً بالقدرة على خلق الأجسام وخلق الحياة والقدرة والعقل وتركيب الأشكال، فلا شك في كفرهما، فالمسلم إذا أتى بهذا الاعتقاد كان كالمرتد يستتاب، فإن أصر، قُتل” [التفسير الكبير: 3/195]

ولكن هذا الدليل غير صحيح؛ لأننا لا نقول إن الرازي موافق للفلاسفة والصابئة في كل ما يقولون، فقد رد عليهم قولهم في قدم المادة وادعاء تأثير الكواكب بذاتها في كتابه السر المكتوم، فهذا ليس محل البحث إذن، وإنما محله تحسين الرازي للسحر نفسه، واستباحته إياه، وادعاء أنه ما من حدث في الأرض إلا وله تعلق بالنجوم، ومدحه لكلام من يقرر الإشراك بالكواكب والثناء عليه بما يدل على أنه مقر له، وتقديم الوصايا والتوجيهات التي تساعد على التعلق بالنجوم، والدعوة إلى الذبح لها والصلاة لها، والتسبيح باسمها، وتحديد صفة التسبيح لكل كوكب، وتعليق الناس بالكواكب في بالجملة، وغير ذلك مما سبق ذكره.

ثم على التسليم بأن الرازي له أقوال أخرى صريحة يقرر فيها ما يوافق حكم الإسلام في السحر والتنجيم، فإن هذا لا ينفي عنه ما قرره في كتابه السر المكتوم، وذلك أن حديثه في السرك المكتوم ظاهر جداً في الدلالة، وغاية ما في الأمر أن الرازي له مواقف مختلفة في هذه القضية، وهذا ليس غريباً على الرازي فما أكثر تناقضاته في أصول الدين الكبرى، وهذا الأمر لا ينفي عنه اللوم والإنكار.

ولأجل هذا كان ابن تيمية دقيقا جداً، فإنه في العادة يقيد كلامه عن الرازي في تلك المسائل بكتابه “السر المكتوم” ويضيف أحياناً ذكر كتابه “الرسائل العلائية”، ولعل ذلك لعلمه بأن الرازي كثير الاضطراب في كلامه.

ونحن لو قمنا بالمقارنة بين دفاعات الأشاعرة وبين جواب ابن تيمية عن فعل الرازي، لوجدنا جواب ابن تيمية أتقن وأصدق وأنفع، حيث إنه لم يتنكر للحقيقة الواقعية الظاهرة، وفي الوقت نفسه أثبت توبة الرازي وأكد رجوعه عما في الكتاب، فجمع بين الاعتراف بالواقع الخاطئ وبين إثبات الرجوع عنه.

الأمر الخامس: لماذا حكم ابن تيمية على الرازي بالردة، قبل أن يؤكد توبته ؟!

تحرير هذه القضية له أهمية بالغة في مثل هذه القضايا؛ وذلك لأنه أخطأ في التعامل معها صنفان من الناس:

الأول: من يعارض ابن تيمية في الحكم على الرازي.

والثاني: بعض أتباع ابن تيمية ممن أخطأ في تحرير مسائل التكفير وشروطه وموانعه.

ولابد من التأكيد ابتداءً على أن ابن تيمية من أشد العلماء توسعاً في الإعذار بالجهل والتأويل، ونصوصه المقررة لذلك كثيرة جداً، وكذلك تعاملاته مع المسلمين الذين وقعوا في الشرك والكفر بالتأويل والجهل دالة على ذلك بوضوح، وفي بيان موقفه يقول: “وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية”، وذكر أن هذا التأصيل هو” الذي عليه أصحاب وجماهير أئمة الإسلام” [مجموع الفتاوى: 23/346]

وله أقوال كثيرة في هذا الباب واضحة غاية الوضوح، وقد فصلت القول فيها وكشفت عن مدلولاتها في كتاب” إشكالية الإعذار بالجهل في البحث العقدي.”

ولم يكن ابن تيمية يكفِّر تقي الدين السبكي، الذي اجتهد في بيان كون الاستغاثة بالنبي جائزة، وعقد لبيان ذلك باباً قال فيه: “الباب الثامن في التوسل والاستغاثة به” وقرر فيه جواز الاستغاثة به، بعد موته بتفصيل مطول [شفاء السقام: 153-168]، بل قال عن نفسه: “إن الله يعلم أن كل خير أنا فيه ومنّ عليّ به، فهو بسبب النبي والتجائي إليه، واعتمادي في توسلي إلى الله في كل أموري عليه، فهو وسيلتي في الدنيا والآخرة” [فتاوى السبكي: 1/264-365]، ومع هذا كله لم يكن ابن تيمية يحكم عليه بالكفر، بل كان يعامله معاملة المسلم، وكان يجله ويقدمه ويثني عليه كثيراً، ويعده من كبار علماء الإسلام، ولم يكن يعظم أحداً من أهل عصره كتعظيمه للسبكي [طبقات الشافعية: 6/168]؛ [أعيان العصر: 3/429]؛ ولو أن ابن تيمية كان يكفر تقي الدين السبكي أو غيره من أعلام العلماء في ذلك العصر ممن يقول بجواز الاستغاثة بغير الله لشاع هذا القول عنهم وانتشر حتى ولو للرد عليه من قبل أتباع السبكي وهو الإمام المبجل المتبع في عصره.

فقد اجتمع تأصيل ابن تيمية النظري وتطبيقه العملي على الإعذار بالشبهة في المخالفة الشركية والكفرية، وهذا كله يؤكد على أن ابن تيمية وغيره من المحققين كانوا يعدون الشبهة عذرا مانعاً من التكفير في مسائل الدين أصولها وفروعها، في الشرك وغيره.

فإذا كان الأمر كذلك عند ابن تيمية فلماذا كفر الرازي إذن وحكم عليه بالردة قبل أن يحكم بتوبته منها ؟!

من خلال مجموع تقريرات ابن تيمية في باب التكفير مع الكشف عن مضمون كتاب السر المكتوم يظهر بجلاء أن ابن تيمية إنما كفر الرازي لأنه يرى أن الرازي قد قامت عليه الحجة، وأنه ليس ممن يعذر بالتأويل والجهل في مثل تلك الأبواب التي قرر فيها الشرك.

فالإعذار بالجهل والتأويل عند ابن تيمية (كما هو الحال عند غيره من العلماء) ليس مطلقاً، بحيث يكون ثابتاً لكل من ادعاه، وإنما لا بد فيه من مراعاة حال المكلف وحال الزمن الذي هو فيه وطبيعة المسألة ذاتها.

والحكم بكفر بمثل الفعل الذي وقع فيه الرازي ليس خاصاً بابن تيمية، بل قد نص علماء المذاهب على أن من حسّن السحر أو اعتقد إباحته، أو حسّن عبادة الكواكب وادعى أنها تؤثر في الأحداث الأرضية وأباح التقرب لها والتسبيح باسمها على النحو الذي قرره الرازي في
كتابه = يعد كافراً مشركاً.

وقد كرر كثير من الفقهاء أن من اعتقد إباحة السحر فهو كافر، بل بعضهم نقل الإجماع على ذلك، وفي هذا يقول النووي: “ويحرم فعل السحر بالإجماع، ومن اعتقد إباحته فهو كافر، وإذا قال: إنسان تعلمت السحر أو أحسنه، استوصف، فإن وصفه بما هو كفر، فهو كافر بأن يعتقد التقرب إلى الكواكب السبعة” [روضة الطالبين: 9/345]

ويقول أبو حيان: “وأما حكم السحر فما كان منه يعظم به غير الله من الكواكب والشياطين وإضافة ما يحدثه الله إليها، فهو كفر إجماعاً” [البحر المحيط: 1/497]

والعلماء في هذه النصوص لا يتحدثون عن حكم تعلم السحر، فتلك مسألة أخرى، وإنما يتحدثون عن السحر ذاته وعن حكم من اعتقد إباحته وحسنه.

وكذلك ذكر الفقهاء أن من ادعى تأثير الكواكب والنجوم في الحوادث الأرضية وطلب التعلق بها والتقرب إليها والصلاة لها والتسبيح بأسمائها (كما ذكر الرازي) يعد كافراً خارجاً عن ملة الإسلام. [التنجيم والمنجمون: 255]

وأما الصنف الآخر الذي أخطأ في فهم موقف ابن تيمية من الرازي، وهم من غلطوا في باب التكفير وشروطه، فإنهم ادعوا أن موقف ابن تيمية ذلك يدل على أنه لا يعذر بالجهل ولا بالتأويل في مسائل الشرك والمسائل الظاهرة، إذ لو كان يعذر بذلك لما حكم على الرازي بالردة والشرك.

وقولهم هذا غلط ظاهر؛ وذلك أن عدم إعذار ابن تيمية للرازي ليس راجعاً إلى أنه لا يعد الجهل عذرًا من حيث الأصل في باب الشرك وغيره، وإنما لأنه يرى أن الرازي ليس ممن يعذر فقط، وهناك فرق كبير بين المقامين.

فكثير من العلماء قد يحكم بكفر بعض المعينين لكونه يرى أنه ممن لا يعذر بالجهل، لا لأنه يرى المنع من الإعذار به من حيث الأصل، وقد نبه ابن تيمية نفسه على ضرورة التفريق بين هذه المقامات فقال: “قد ينكر أحد القائلين على القائل الآخر قوله إنكاراً يجعله كافراً أو مبتدعاً فاسقاً يستحق الهجر وإن لم يستحق ذلك، وهو أيضا اجتهاد، وقد يكون ذلك التغليظ صحيحاً في بعض الأشخاص أو بعض الأحوال لظهور السنة التي يكفر من خالفها؛ ولما في القول الآخر من المفسدة الذي يبدع قائله؛ فهذه أمور ينبغي أن يعرفها العاقل …فإذا رأيت إماماً قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها فلا يعتبر هذا حكماً عاماً في كل من قالها إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له” [مجموع الفتاوى: 6/61]

وهذا التقرير يدل على أن فهمهم لموقف ابن تيمية غير صحيح، فضلا عن أنه مخالف لأقواله الأخرى الظاهرة البينة في الدلالة على الإعذار.

وفي نهاية هذه الورقة لا بد من التأكيد على أنه ليس من أغراضها تأسيس مشروعية فرح المسلم بوقوع أخيه المسلم في الخطأ، ولا المبالغة في المعاندة والمخاصمة، ولا الغلو في الإكثار من الجدل، ولم يكن مبعثها التشنيع والتشهير، وإنما الداعي الأساس إليها تحقيق الأمور على وجهها والكشف عن الحقيقة على حالها.

فكما أنه ليس من الشريعة أن يفرح المسلم بانحراف أخيه المسلم، فإنه ليس من الشريعة أيضا أن يُنكر الانحراف ويُبرّأ المنحرف ويتهم من أثبت التهمة عليه بالحق.