ثم أصبحت طبيبا … ولكن !!!

ثم أصبحت طبيبا … ولكن !!!

الحمد لله الذي أنزل لكل داء دواء وأمرنا بالسعي له
والصلاة والسلام على القائل: (من تطبب ولا يعلم منه طب فهو ضامن)

الزملاء والزميلات

سلام من السلام عليكم ورحمة وبركات

لن أكذب على أحد بقولي إن هذا كان (حلم الطفولة)، بل لقد كانت أحلامي لا تتجاوز اليوم والليلة، كنت أهتم بأن أفيد وأستفيد قدر الإمكان من كل لحظة: في البيت، في المسجد، في المدرسة، مع الأصحاب، في ملعب الحي، أمام التلفاز … إلخ.

ولكني تعلمت من هذا كله أن شعار: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح) يعني أن أغتنم الوقت الذي قد أندم عليه يوما ما. وكذلك ذلك الأثر: (من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن لم يكن إلى زيادة فهو إلى نقصان، ومن كان إلى نقصان فالموت أولى به).

وإذا استطعت فعل ذلك، فسأكون متفوقا دائما، على اعتبار أن التفوق هو الاستفادة القصوى من المعطيات الحالية للوصول إلى أفضل النتائج.

باختصار، هذا ما أسميه “فقه الآن” أو “حياة اللحظة”

أما إذا أصررتم على سؤالي عن حلمي (الطفولي)، فلقد كان حلمي منذ (المرحلة الإعدادية) أن أكون (خريج الأزهر، قسم اللغة العربية)، وذلك لشدة حبي للغة العربية وقواعدها وبلاغتها؛ ولكن هذا كان جنبا إلى جنب مع حبي لمادة (النفس) و(الإنسان).

ولما بلغت السادسة عشر من العمر، فكرت لأول مرة بشكل جاد في أن أكون طبيبا، وطبيبا نفسيا. وكان للوالد (رضي الله عنه) أثر كبير في هذا الاختيار، بعد حوار طويل وقناعة حرة.

لماذا الطب ؟!

لأنني أحببت فيه المنهجية في الطرح (العلمي الأكاديمي)، فالتعريفات أولا، ثم الأسباب وشرح طبيعة الأشياء في الجسم البشري، ثم التحليل والتشخيص للعرض المرضي، ثم البحث في الحلول والعلاجات.

وهنا سيقول البعض: ولكن الدراسات الفلسفية تنهج المنهجية ذاتها!

أقول: نعم، ولكنني أحببت فيه التفسير المنطقي للأشياء، فلا مجال لذكر أمر غير معقول، ولا ذكر لأمر لا دليل عليه، فالملاحظة والتجريب والتقييم هي القيم الأهم في علم الطب، وهذا ما تفتقر إليه الدراسات الفلسفية (الأدبية والإنسانية).

وهنا سيستدرك البعض بالقول: ولكن الهندسة (مثلا) فيها ذات الأمر!

وأقول: نعم، ولكنني أحببت في الطب الجانب الإنساني البحت في التعامل مع (المراجعين) الذي يعانون المرض (العضوي) أو (الروحي = النفسي)؛ وهذا ما لم أجده في مجالات التقانات الحديثة كـــ (الهندسة) مثلا.

وهنا، استوقفت أنا نفسي لأتساءل: هل الطب الذي رأيته وأراه وعايشته وأعيشه ومارسته وأمارسه يحمل في طياته ذلك الجانب الإنساني البحت ؟!

نعم، هو مسطور هنا وهناك في كتب الطب بفروعها المتعددة، على الورق، في محاضرات أخلاقيات الطب، في بعض المؤتمرات، ولكن، على أرض الواقع !!!

(إلا من رحم ربك)

ترددت لحظات في اختيار هذا المسلك في حياتي، لأنني رأيت أمامي أمثلة غير مشجعة، لا تمثل أسوة حسنة: رأيت عقد شعور النقص تجاه لقب (دكتور) وحرف الدال (د.)! رأيت بعض طلاب الطب الذين يحبون (بل ويطلبون) من الناس أن ينادونهم بلقب (دكتور) وهم لا يتجاوزون السنة الأولى في كلية الطب! رأيت أطباء يقتتلون على ملء قائمة المراجعين لأن (قسط البيت والسيارة) لا ينتظر! رأيت دسائس بين أطباء بهدف التسلق! رأيت تنافسا (غير شريف)! رأيت شخصيات اجتماعية قاصرة، أفقها محصور في توافه الأمور، مشكلاتها داخل البيوت أكثر من أن تحصى! وغيرها كثير.

(إلا من رحم ربك)

كانت نصيحة والدي عندما ناقشنا أمر اختيار مهنة الطب البشري: يا عبد الرحمن، سيأتيك المراجعون وهم أضعف ما يكونون، مهما كانت مكاناتهم المرموقة خارج المشفى أو العيادة أو غرفة العمليات، فسيأتون كأضعف مخلوق باحثين عن العلاج (بعد الله) لديك، فاتق الله في نفسك وفي مهنتك وفي مراجعيك، واعلم أنك مستخلف في هذا المكان، تدعو إلى الله من خلال مهنتك.

ولقد رأيت من هذا ما أحمد الله عليه؛ فلقد رأيت من القدوات (رغم قلتها وعدم ظهورها) ما أعاد لي ما ذكره والدي في نصيحته.

تذكرني كلمات والدي باللقب الذي كان يطلق قديما (وحتى الآن في بعض البلاد العربية) على الطبيب، وهو لقب (الحكيم)، ما يجعلني أبتسم ابتسامة تهكم على حالة الطب في أيامنا!

هل نحن حكماء ؟!

هل نحن حكماء ؟! هل نعقل ما نقوم به ؟! أم إننا أجهزة حاسوب بشرية لديها خزين كبير من المعلومات ؟!
هل نحن حكماء ؟! ندرك حساسية مهنتنا ؟! أم تجار نسعى لنرتقي ونغنى على حساب الآخرين ؟!
هل نحن حكماء ؟! نشعر بما يشعر به المراجعون ؟! أم معدات وآلات مادية خالية من (الأحاسيس) ؟!

الأسئلة كثيرة، والواقع يجيبنا بالكثير!

ومن هنا جاء عنوان المقال: ثم أصبحت طبيبا، ولكن!

أقول: وددت، ولا زلت أود، أن أكون: حكيما.

فالناس ينتظرون حكيما، لا غير.

وما هذا المقال إلا رسالة تذكير لي ولكم زملائي وزميلاتي، لنرقى بأنفسنا إلى ذلك المجتمع الذي نكون فيه يومها (حكماء) و(حكيمات)، نقوم بدورنا في المجتمع كما أراده الله لنا، خلفاء في الأرض التي تنتظر أن نعمرها، فتشهد لنا أمام الله يوم نلقاه.

نفع الله بي وبكم

وصلى الله على معلمنا الخير كله

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

والسلام

أخوكم
عبد الرحمن ذاكر حامد الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي