رسالة عتاب، إلى كل زوج لـ هبة عمرو

رسالة عتاب، إلى كل زوج
هبة عمرو

منذ أن كانت طفلة صغيرة، كانت تنظر إلى كل عروسٍ بسعادةٍ وإعجاب، وتحلم باليوم الذي ترى فيه نفسها هي العروس، وأنت عريسها

كانت تحلم أن تلبس فستان الزفاف وتجلس إلى جانب ذلك الرجل الذي طالما انتظرته، ذلك الرجل ستعتبره مشروع حياتها، دنياها وأخراها، مشروعها إلى الجنة

كانت تدرك تماماً أنك أهم مشروع
فماذا تفيدها الدكتوراه إن لم تجد سكنها آخر اليوم بجانبك؟
وماذا تفيد الوظيفة إن لم تحيا معك المودة والرحمة؟
وماذا ستفيدها كلمات الإعجاب والتشجيع من جميع مَن حولها إن لم تسمع إطراءً منك؟

كبرت، وكنت أنت بطل كل أحلام يقظتها

فمنذ أن عرفتك، منذ أن دققت على باب بيتهم، صرت أنت “الرجل” وجميع الرجال مجرد كائنات من حولها

منذ أن عرفتك، وهي تتعامل بأريحية أكثر مع جميع الرجال من حولها
صح هذا أم خطأ، ليس موضوعنا، فكل ما في الأمر أنهم لا يعنون لها شيئا منذ أن عرفتك

كم صدت من غزل، تصريح أو تلميح، نعم طاعة لله، لكن حفظاً لك أتقى

كم خططت لإسعادك، كم بحثت وقرأت، وسعت لتتعلم

كم وقفت أمام المرآة تعلِّم نفسها فن التجميل بالتجربة والخطأ

كم تفقدت كل حاسة من حواسك وجهزت لها ما يسرها

كم لبست من ملابس وأحذية غير مريحة، كم تحملت من آلام جسدية، فقط لتكون جميلة في نظرك

نعم هي تحب أن تكون جميلة لنفسها، لكن جمالها في عينيك، أسعد

كم تصفحت من مجلات ومواقع تبحث عن تسريحة الشعر الأنسب لوجهها

عن تصميم “الموديل” الأنسب لجسدها، والأحب إلى ذوقك

كم دققت في اختيار عطرها: زهرة، زهرة
أزهرة الياسمين أشذى؟ أم فاكهة التوت البري؟
أتحب العطر العربي أم الفرنسي؟

كم بحثت عن أجمل الأزياء التي تظهِر جمالها خصيصا لك أنت، فقط أنت

نعم هي تحب أن تكون أنيقة لنفسها، لكن أناقتها في عينيك، أبهى

كم بحثت عن وصفات أشهى الأطباق التي تحبها، ولم تتناسى صحتك يا حبة القلب

مشت على قدميها تنتقي أفضل المكونات، ثم وقفت تطهوها لك

كم حرصت أن يكون الطعام طازجا وساخنا وقت وصول حبيبها

كم كانت تعلم أن العين تأكل قبل الفم أحيانا

نعم هي تحب الطهي، لكن الطهي لك، أمتع

كم احتملت من آلام في حملها وفي وضعها

كم سهرت وتعبت واشتكى جسدها، طفل تلو الآخر، رعاية، تربية، تمريض، تعليم،
نعم كانت تحلم أن تكون أماً، لكن أما لأولادك أنت، لا سواك،
نعم تحب فلذات أكبادها، لكنها أيضاً تحب تلك الأسرة التي كانت تحلم بها معك، أسرة تكون أنت سيدها وأميرها،

كم انتظرتك ولم تأت

كم استمعت لحديثك وشجعتك، كم جلست بجانبك تشاهد ما تحب أنت، وتستمع لاهتماماتك أنت، فقط مؤانسة لك

كم قدمت رأيك على رأيها، كم أخفت من معلومة تعرفها قبلك

أتعلم لماذا؟
لأن خفض الجناح معك، ألذ وأبقى

هل كنت تعلم هذا أم إنك لا تعلم

قل لي بالله عليك: ما الذي يساوى دمعة من عينيها بسببك؟
قل لي بالله عليك، ماذا جنت ليصيبها ألما بسببك؟
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

هل كنت تعلم هذا أم إنك لا تعلم؟

هل وصلك فقط إزعاج طفلكما ولم يصلك ألمها وحاجتها إليك بجانبها؟

هل شاهدت فقط ما أصاب جسدها من عيوب بعد الحمل والرضاعة ولم تشاهد ابنكما يكبر بصحة وعافية؟
بل ألم تشاهد جسدك أنت؟
بالمناسبة: هل تحب جسدا له روح؟ أم روحا لها جسد؟

هل انزعجت بشدة من صراخها لابنكما ولم يسعفك ذكاؤك للحظة أن تدرك أنها لساعات طويلة لم تنم، بل لم تجلس، بل (عفوا) لم تقض حاجتها ؟!
نعم يحدث ذلك يا سيدي لا تستغرب

هل تعلم كل ما مضى أم إنك انشغلت عن ملاحظة ذلك، واكتفيت بالبُعد عن “مصادر الإزعاج”؟

هل شغلتك مباريات كأس العالم أم شغلك أصدقاؤك
أم شغلك عالمك الافتراضي بكل ما فيه من نكات ومعجبات هنا وهناك، بلا وزن زائد ولا إزعاج أطفال ؟!

هل وُلِدت زوجتك هكذا؟ أم إنها (يا صديقي) ثمار الارتباط بك؟

هل بذلْتَ (أنت) ربع ما بَذَلَتْ (هي) من جهد ووقت، لن أقول لإسعادها، بل سأقول: لمساعدتها على إسعادك؟

أم إنك لجأت للأسهل: الاستجابة لأول مُصَفِّقة لجميل ما تكتب، ولطيف ما يظهر منك لعوام الناس؟

أتذكر فقط “وللرجال عليهن درجة”، وتنسى “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف”؟

أتذكر فقط “هو جنتك ونارك”، وتنسى “خيركم خيركم لأهله”؟

هل حافظت على “خير متاع الدنيا” أم إنك لم تصبر “على طعام واحد” وظللت تلهث خلف متاع الدنيا؟

أعلم أني ربما قسوت عليك الآن، لكن عذري أني أراها كل يوم، أراها في زميلات العمل، في الجيران، في صديقاتي، في أقاربي، وهي صامتة، بل ضاحكة صامدة، فققرت أن أكتب عنها، لعل صوتها يصل، لمن بقي له قلب يسمع

واعلم أني اكتفيت اليوم بعتابك كزوج، ولم أتطرق بعد للأب

إن كان في العمر بقية، فلنا لقاء آخر

تمضي الحياة بدونك، نعم، لكنها معك، أسكن
ملأى الحياة بالآلام، نعم، لكن الألم منك، أوجع