من تطبيقات فقه التفكير والعقل: هل نعي/نعني ما نقول؟ وهل نقول ما نعي/نعني؟

من تطبيقات فقه التفكير والعقل

هل نعي/نعني ما نقول؟ وهل نقول ما نعي/نعني؟

لغة الكلمات وعلاقتها بالصحة النفسية

أرسلت إلي إحدى الأخوات، وكانت من جمهور مادة (فقه التفكير والعقل)، تطلب إلي كلمات أذكر فيها بعض ما ورد في الحلقة التدريبية عندما تناولنا (السلوك) وعلاقة الكلمات بما نفكر فيه وبما تؤول إليه شخصياتنا لاحقا.

وقبل أن أفصل في الإجابة، أحب (كعادتي) أن أترككم مع بعض نصوص القرآن والسنة النبوية (على صاحبها وآله وأصحابه الصلاة والسلام)؛ وكذلك بعض ما روي عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم:

لافتة: أنصح، بل أرجو منكم التوقف عند النصوص بتدبر، فإنها أهم مما يليها من كلام البشر من غير المعصومين.

نقرأ في القرآن:

• (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون؛ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار)
[القرآن/إبراهيم/24-26].
للتدبر: مفردة (كلمة) وتشبيهها بالشجرة الظاهرة، التي لها أصول في باطن الأرض.

• (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا: راعنا، وقولوا: انظرنا، واسمعوا، وللكافرين عذاب أليم)
[القرآن/البقرة/104].
للتدبر: مفردة (راعنا) واستبدالها بمفردة (انظرنا) مع تساويهما في الحقيقة والمجاز.

• (ولئن سألتهم، ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب؛ قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؛ لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم، إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين)
[القرآن/التوبة/65-66].
للتدبر: مفردتا (نخوض ونلعب) وارتباطهما بـ (الاستهزاء)، بل وإمكانية أن يكون ذلك دليلا على سوء البواطن (كفرتم).

• (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) [القرآن/الكهف/4-5].
للتدبر: مفردة (كلمة) هنا ووصفها بالكذب إذ لم تقم على علم.

• (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعون، لعلي أعمل صالحا فيما تركت! كلا، إنها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)
[القرآن/المؤمنون/99-100]
للتدبر: مفردة (كلمة) وارتباطها بـ (هو قائلها)، وكأن في هذا إشارة إلى إمكانية أن تقول النفس ما لا تعي/تعني.

• (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم؛ ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم)
[القرآن/النور/15-16]
للتدبر: مفردة (بألسنتكم) وارتباطها بـ (تلقونه)، وكأن في هذا إشارة إلى إمكانية أن تستعجل النفس في ترديد ما لم تتحقق منه بعد، والذي من شأنه أن يكون عند الله (بهتان عظيم).

• (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شيء عليما)
[القرآن/الفتح/26]
للتدبر: مفردة (كلمة) هنا ووصفها بـ (التقوى) = كلمة التقوى. ومع اختلاف التفاسير على معنى كلمة التقوى، إلا إن ظاهر الآية فيه إشارة إلى ضرورة التزام النفس بما تتكلم به.

ونقرأ في السنة النبوية:

• (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت)
[متفق عليه]

• (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)
[البخاري]

• (وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟)
[الترمذي، وصححه الألباني]

• (إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان؛ فتقول اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا). ومعنى (تكفره) أي (تذل وتخضع).
[رواه أحمد والترمذي والطيالسي وابن السني وأبو يعلى وأبو نعيم والبيهقي والبغوي؛ وصححه ابن خزيمة والسيوطي؛ وحسنه الألباني وشعيب الأرناؤوط].

• (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)
[مسند أحمد، والقضاعي في مسند الشهاب، وابن أبي الدنيا في الصمت، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة]
للتدبر: فلنتأمل كيف يعود اللسان على القلب هنا بالأثر السالب أو الموجب، وهذا ما سيلي شرحه إن شاء الله.

• وعن عبدالله بن مسعود أنه لبى على الصفا، ثم قال: يا لسان! قل خيرا تغنم، واصمت تسلم من قبل أن تندم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن! هذا شيءٌ تقوله أو سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: “إن أكبر (وفي رواية: أكثر) خطايا ابن آدم في لسانه.”
[رواه ابن أبي الدنيا وأبو نعيم والبيهقي، وقال الألباني: إسناده جيد وهو على شرط مسلم]

• عن عقبة بن عامرٍ قال: قلت: يا رسول الله! ما النجاة؟ قال: “أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك” وفي رواية (املك عليك لسانك)
[رواه ابن المبارك وأحمد والترمذي والبيهقي والبغوي وغيرهم، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني]

• عن سفيان بن عبـد اللـه الثقفــي، قال: قلـت: يا رسول الله! أخبرني بأمرٍ أعتصم به، قال: “قل: ربي الله، ثم استقم.” قلت: ما أكثر (ما أشد، ما أخوف، ما أكبر) ما تخاف علي؟ (وفي رواية: فأي شيءٍ أتقي؟)، فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: “هذا.”
[رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والدارمي والطيالسي وابن أبي الدنيا وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وابن القيم والألباني]

• وعن الحارث بن هشام أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني بأمرٍ أعتصم به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “املك هذا” وأشار إلى لسانه.
[رواه ابن أبي عاصم وحكى المنذري والهيثمي رواية الطبراني له بإسنادين أحدهما جيد، وصححه الألباني]

• (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب)
[متفق عليه]
لافتة: ذكر ابن عبدالبر وغيره أن الكلمة في هذا الحديث هي ما يقال في حضرة السلطان الجائر.

• (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم)
[البخاري]

• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة)
[موطأ مالك وغيره؛ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة].

• (إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يريد بها بأسا إلا ليضحك بها القوم فإنه يقع فيها أبعد ما بين السماء والأرض)
[مسند أحمد]

• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوي بها أبعد من الثريا)
• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى لها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار)
• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل بها عليه سخطه إلى يوم القيامة)
• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله عليه لا يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفا) [البخاري]
• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار)
• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار)
• (رحم الله من حفظ لسانه، وعرف زمانه، واستقامت طريقته)
• (شر الناس منزلة يوم القيامة من يخاف لسانه، أو يخاف شره)
• (كفى بالمرء إثما يحدث بكل ما سمع)
• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأسا فيهوي بها في جهنم سبعين خريفا)
• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك جلساءه يهوي بها أبعد من الثريا)
• (إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها من حوله، فيخوض بها أبعد من عكاظ وما يشعر)
• (إن كان الرجل ليتكلم الكلام على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فيصير منافقا ، إني لاسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات ، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتحاضن على الخير أو يسحتنكم الله بعذاب جميعا ، أو ليؤثرن عليكم شراركم ، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم)

وأخيرا

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما المفلس؟” قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إ”ن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.”
[رواه مسلم]

ومما روي عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم:

• علي بن أبي طالب: (اللسان قوام البدن؛ فإذا استقام اللسان استقامت الجوارح، وإذا اضطرب اللسان لم يقم له جارحة)
[الصمت لابن أبي الدنيا]

• أنس بن مالك: (إن الرجل ليحرم قيام الليل وصيام النهار بالكذبة يكذبها)
[شعب الإيمان للبيهقي]

• عن سليمان بن كيسان قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر عنده رجل بفضل أو صلاح قال: “كيف هو إذا ذكر عنده إخوانه؟” فإن قالوا: إنه ينتقصهم وينال منهم. قال عمر: “ليس هو كما تقولون”، وإن قالوا: إنه يذكر منهم جميلا وخيرا ويحسن الثناء عليهم. قال: “هو كما تقولون إن شاء الله.”
[التمهيد، والاستذكار لابن عبدالبر]

• أبو حاتم بن حبان: (لسان العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القول رجع إلى القلب، فإن كان له قال، وإلا فلا. والجاهل قلبه في طرف لسانه، ما أتى على لسانه تكلم به، وما عقل دينه من لم يحفظ لسانه)
[روضة العقلاء]

• الضحاك بن مزاحم: (أدركت الناس وهم يتعلمون الورع، وهم اليوم يتعلمون الكلام)
[المصنف لابن أبي شيبة، والورع لابن أبي الدنيا]

• النووي: (اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء)
[الأذكار]

• ابن القيم: (حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها، ولو تحرك عضو من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشق عليه غاية المشقة بل لا يمكنه ذلك)
[الوابل الصيب]

• ابن القيم: (حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرا في الخير والشر والصلاح والفساد؛ بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان)
[بدائع الفوائد]

• ابن القيم: (وأما اللفظات فحفظها بأن لا تخرج لفظة ضائعة بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح في دينه؛ فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها. وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوت بها كلمة أربح منهـا فلا يضيعها بهذه)
[الداء والدواء]

• الفضيل بن عياض: (أشد الورع في اللسان)؛ وكذا نقل عن عبدالله بن المبارك.
[الورع لابن أبي الدنيا، وحلية الأولياء، وسير أعلام النبلاء للذهبي]

• يحيى بن أبي كثير: (ما صلح منطق رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقه إلا عرفت ذلك في سائر عمله)
[الزهد لابن أبي عاصم، وحلية الأولياء، وروضة العقلاء]

• يونس بن عبيد: (ما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله)
[الزهد لأحمد، والزهد لابن أبي عاصم، والصمت لابن أبي الدنيا]

وعنه أيضا: (خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما من أمره: صلاته ولسانه)؛ وروي مثل هذا عن مطر الوراق: (خصلتان إذا كانا في عبد، كان سائر عمله تبعا لهما: حسن الصلاة وصدق الحديث)
[حلية الأولياء، وسير أعلام النبلاء للذهبي]

• الشافعي: (إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه: فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر)
[الأذكار للنووي]

والآن، مع فقه النفس وعلاقته بالموضوع

سؤال: كيف نفكر/نعقل، وكيف نقرر، وكيف نتصرف/نسلك سلوكا معينا؟!

باختصار، الأمر لا يتجاوز ثلاث مراتب/مراحل:

• المدخلات: وهي كل ما تتلقاه أدوات الحس من حولنا: صور، أصوات، روائح، وغيرها.
• العمليات: وهي ما يجري لتلك المدخلات، وهي ثلاث: الإحساس، التفكير، العقل.
• المخرجات: وهي ثلاث: الفكرة، الشعور، السلوك.

وبإيجاز، فإن ما يجري في هذه الثلاثية كالتالي:

• إذا تلقيت المدخلات فقط، العملية تسمى (الإحساس)، وهي لا تعدو أن تكون عملية طبيعية بشرية لا قصد/جهد فيها ولا إدراك.
• فإذا توقفت عند هذه المدخلات للاستفهام والإجابة، فهذه العملية هي (التفكير). ولكنها وحدها لا تغني كثيرا.
• فإذا توقفت عند نواتج التفكير (الأفكار) لأجري عليها اختبارات أعمق وأدق للتحقق منها وربطها وترتيبها، فهذا هو (العقل).

وفي أي من هذه العمليات، تخرج مخرجات، وهذه المخرجات (كما ذكرنا سابقا):

• الفكرة: وهي مجرد التصور الحاصل في الذهن عند تلقي المدخلات. ويعتمد على عوامل كثيرة نفسية ومجتمعية وغيرها.
• الشعور: وهو ما يتبع الفكرة/التصور بالضرورة، ويكون موجبا أو سالبا تجاه تلك الأفكار.
• السلوك: وهو ترجمة الشعور (الكيميائي، إذا صح الوصف) ترجمة فعلية (فيزيائية = جسدية)؛ ويتمثل في: الجوارح (اللسان مثلا).

ومن هنا، نستطيع القول بما يلي:

السلوك هو رسول الداخل إلى الخارج، أو الباطن إلى الظاهر، أو الوجدان إلى الوجود.

فإذا ما اتفقنا على اعتبار الكلام واللفظ واللغة من السلوك، علمنا إذن خطورة وأهمية أن نقول ما نعلم وأن نعلم ما نقول.

نتوقف هنا قليلا، لنرى أثر المدخلات على النفس: فكرا وشعورا وسلوكا

إذا تلقيت المدخلات = لفتت انتباهي للمرة الأولى، وتحرك عندي الفضول لمعرفة معناها.
إذا تكررت المدخلات = أصبحت أقوى وأشد تركيزا وأكثر ثباتا
وإذا تكررت المدخلات أكثر = اعتدتها ولم أعد أنفعل بها أو تجاهها (مثل: الملابس، الهواء، الحرارة، الصور المتكررة)

والآن، توقفوا هنا، وكرروا قراءة الجمل الثلاث السابقة.

والآن، توقفوا مرة أخرى، وكرروها مرة ثالثة، مع استبدال مفردة (المدخلات) بمفردة (الكلمات).

سيسأل البعض: ولكنها مدخلات، أما الكلمات فهي مخرجات كما ذكرت قبل قليل !!!

أقول: من المقرر في فقه النفس أن ما تسلكه النفس من سلوك يتحول إلى أكبر مدخل/مغذي/معزز للنفس، سلبا أو إيجابا. وإن من نافلة القول في الأبحاث النفسية أن أثر (التكرار) على النفس أقوى من أثر المدخلات من خارج النفس؛ وهذا (التكرار) هو ما يتحول فيما بعد إلى (العادة). ولا يلغي هذا أثر المدخلات (الخارجية) في تشكيل (العادة)، وإنما أؤكد هنا على أهمية مراقبة (السلوك) لأنه أشد من غيره تأثيرا على صاحبه/صاحبته.

وكما هو مقرر في فقه النفس أيضا، فإن سويّة الشخصية واستقرارها متعلق، بشكل أو بآخر، بالعلاقة المنسجمة والمتناغمة بين كل من:

الفكرة – الشعور – السلوك

فكل مفردة/مخرجة من هذه المفردات/المخرجات تتعلق بما يليها وتتأثر بما يسبقها، وهي في علاقة تأثر تبادلية، فالفكرة يتبعها شعور يترجمه سلوك؛ والسلوك يعزز كلا من الفكرة والشعور تعزيزا سالبا أو موجبا.

والكلمات التي نتلفظ بها، ليست وليدة (انفعال لحظي) بقدر ما هي وليدة (عمليات نفسية متراكمة)، علمنا ذلك أم لم نعلمه، قصدناه أم لم نقصده، أدركناه أم لم ندركه.

ومن هنا، فلا أقبل لنفسي أن أتلفظ بما لا أعنيه، أو أن أعني ما أقوله !!!

سؤال: ولكننا لا نعني بالضبط كل ما تعنيه المفردات؟

جواب: لاحظوا صيغة السؤال، ثم أجيبوني أنا عن سؤالي هذا:
وهل أقبل لنفسي أن أكون أنا في وادي وبعض ما يخرج مني (جزء مني) في وادي آخر؟
هل من المقبول لإنسان مستخلف في هذه الأرض أن (يعني) شيئا، ثم تخرج منه (ألفاظ) ليفهم منها الناس (معنى آخر) ؟!

وماذا عن السكر والخمر إذن؟

يقول الله (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) [القرآن/النساء/43]
فهل دنا بي الحال حتى يكون حالي مع ما أقوله كحال المخمور/المخمورة من أثر السكر ؟!

سؤال: أليس هذا تعقيدا للأمور ؟!
جواب: التفكير عملية معقدة ومتعبة لمن يريدون أن (يعيشوا) براحة (ظاهرة) وعذاب (باطن). ولطالما رددت هذه العبارة:
أكثر الناس طرقا على أبواب العيادات النفسية = أكثرهم (تطنيشا).

ولهذا، فقد اعتدت أن أسأل الناس سؤالا:

سؤال: ما الذي يدفع كثيرا من الناس ساعة الغضب أن يسبوا من يشعرون بضعفهم أو يفكرون في استفزازهم أو إثارتهم؟ في حين يكون بعيدا عن (ألسنتهم) أي ذكر، مجرد ذكر، لشيء من شأنه أن يغضب ولاة الأمر أو الطغاة !!! لماذا لا يكون انفعالهم موجها نحو الحاكم/الملك/الرئيس مثلا ؟! لماذا يفرغون ما لديهم من (أمراض) على أهل البيت أو الأبناء أو الجيران أو المارة أو سائقي السيارات أو غيرهم ؟!

باختصار: لماذا لا تكون ردة فعلي السريعة ضد (السلطة) ؟!

والجواب: لأنني فكرت مسبقا في (باطني) بخطورة هذا (الكلام)، فعمدت إلى كبح النفس (دون وعي) أو (دون إدراك)، وهكذا، فقد وجهت لساني إلى كلمات (أقل خطورة) !!!

والأمثلة على ما نقوله ولا نعيه/نعنيه في حياتنا اليومية كثيرة ومثيرة، ومنها عبارات اجتماعية، وعادات عرفية، وأمثال:

• ربنا عايز
• ربنا عارف
• ربنا موجود
• الأمر كله صدفة
• يدّ الحلق للي مالوش ودان
• تفضل علينا
• حبيب قلبي
• روحي
• أنت الخير والبركة
• إن رحت بلد يعبدو العجل حشّ وادّيله
• إن كان شيخك عجل (اتشعلق) اتعلق في ذيله
• مطرح ما ترسي دقّلها
• يا مستعجل عطلك الله
• اللهم اكفني شر أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم
• عملنا اللي علينا والباقي على ربنا
• لا بيرحم ولا يخلي رحمة ربنا تنزل
• فلان ذكي و (ابن حرام)
• ابن الـ … ما في مثله
• …
• …
• …

أترك لكم تعبئة الفراغات مما تعلمونه من ممارسات منتشرة.

وغير هذا من مفردات وجمل وعبارات كثيرة، إن دلت فإنما تدل على أن هناك خللا بين الفكر – الشعور – السلوك.

لافتة: كتبت هذه الأمثلة وأنا أعلم أن كثيرا من الناس لا تعرف حقيقة ما مشكلتها، وأن معظمهم لا (يعبؤون) بها وبمعانيها، ولكن هذا لا يعني أن نتوقف عن التوجيه والإرشاد لمجرد حسن ظننا بـ (جهل الناس).

سؤال: ولكن معظم الناس أطيب من هذا (التخويف)، وأبسط من هذ (التعقيد) !!!
جواب: تأويل الناس لجهلهم وجهالاتهم لا يلغي تأثر النفس بما يردده اللسان أو تفعله بقية الجوارح، ولو دون وعي أو إدراك.

وهنا، ملحق كنت قد اقتبسته من كتاب قديم وجمعته في ورقات:

تكاليف اللسان والكلام

ما أمر الله التكلم به وقوله:

التلفظ بكلمتي الشهادة، الصدق، حفظ اللسان، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، النصيحة، طيب الكلام، زجر المضلين والمفسدين، الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، القيام بكلمة الله، القيام بالشهادة، الإصلاح بين الناس، تعليم الجاهل، التذكير، إرشاد الضال، التحدث بالنعم، الذكر، تلاوة القرآن، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قول المعروف، الاستغفار، الدعاء لنفسه وللمؤمنين، الدعاء للأخ بظهر الغيب، الدعوة إلى سبيل رب العالمين، الأذان والإقامة، إجابة المؤذن، القنوت، التسمية عند الطعام، إفشاء السلام، رد السلام، الدعاء للمريض، الشفاعة الحسنة، تأديب الأولاد، الحكم بالقسط، تصديق من يجب تصديقه، أمر الأئمة بما يأمرون به الأمة، تعليم العلوم الشرعية، حمد الله، أقوال الصلاة، أقوال الحج، التهنئة، المشورة، تبيين الكلام للمخاطب، الدلالة على الخير، التبري من أهل الشرك والمعاصي والبدع، الأذكار المشروعة في العبادات والعادات.

ما نهى الله عن قوله:

كلمة الكفر، سب الرب، سب النبي صلى الله عليه وسلم ،سب الدين، الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ،ونسبة قول غيره إليه عمدا، سب الصحابة رضي الله عنهم، الكذب، البهتان، الغيبة، النميمة، اليمين الغموس، القذف، الحكم بغير ما أنزل الله، شهادة الزور، سب الوالدين، وانتهارهما، قول: أف لهما، الانتساب إلى غير الأب، النياحة على الميت، الظلم في الوصية، التألي على الله، فضيحة المسلم، تحريف كتاب الله وتحريف معانيه وأحكامه، التحدث بما يظن أنه كذب، الفتوى بغير علم، الهجاء، إفشاء السر، الوعد الكاذب، كلام ذي الوجهين، الدعاء إلى بدعة، المن بالعطية، تنفيق السلعة باليمين الكاذبة، جحد الحق، الغناء المحظور، انتهار الفقير، اللعن، الهمز، اللمز، الخصومة، الفجور في الخصومة، الخصومة في المسجد، الافتخار، الطعن، الفحش، السعاية، أن يقول: هلك الناس، أن يقول: مطرنا بنوء كذا، قول: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني، أن يقول لمسلم: يا كافر، سب المسلم، سب الحمى، سب الدهر، سب الديك، سب الريح، دعوى الجاهلية، الحلف بمخلوق أو بغير الله وأسمائه، الإخبار بالمعصية، المجاهرة بها، إفساد المرأة على زوجها، الشفاعة والتوسط في باطل، المراء، الجدال، التقعر والتشدق في الكلام، الكلام فيما لا يعني، الإكثار من الشعر، المزاح المحظور، السخرية، القدح في العلماء، المدح، كلمة الكبر، سب الموتى، الكلام في خطبة الجمعة، لبس الحق بالباطل، رمي البريء بالذنب، سؤال المرأة طلاق نفسها أو أختها بغير عذر، الجهر بالسوء من القول، الأمر بالمنكر، النهي عن المعروف، التشدق بتكلف السجع، قول: ما شاء الله وما شئت، إضافة الشر إلى الله تعالى، قول: شاهنشاه: أي ملك الملوك، سؤال المغفرة للكافر، أن يقال للمسلم: يا كلب ونحوه، تناجي اثنين معهما ثالث وحده بغير إذنه، وصف المرأة حسن أخرى لزوجها دون حاجة شرعية، سؤال الرجل فيما ضرب امرأته، السؤال بوجه الله غير الجنة، التحدث بكل ما سمع، التحدث مع الناس بما لا يفهمون، رفع الصوت أكثر من حاجة السامع، نقل الحديث إلى ولاة الأمور دون مبرر شرعي، كثرة الحلف في البيع وإن كان صادقا، الحديث بعد صلاة العشاء إلا لمسوغ شرعي، التنابز بالألقاب، جحد الوديعة، كتم العلم، كتم الحق، إطلاق الكرم على العنب، الكلام في الخلاء، الدعاء على النفس والولد، مسألة الناس، إفشاء السر بين الزوجين، مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيد، اللغو.

وفي الختام

تذكروا أن:

الحب كلمة
والبغض كلمة
والعلم كلمة
والجهل كلمة
والتوحيد كلمة
والشرك/الوثنية كلمة
والإسلام كلمة
والإيمان كلمة
والكفر كلمة
والنفاق كلمة

والحمد كلمة
والشكر كلمة
والخير كلمة

نفع الله بنا وبكم

والسلام

أخوكم

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي
السبت 15/2/2014 للميلاد