الغناء والموسيقى، بين النفس والدين: تطبيق للتفكير الناقد والعقل المؤمن

الغناء والموسيقى، بين النفس والدين

نشرت 8/2/2014

الغناء والموسيقى، وحكمهما الشرعي…

إشكالية، نشأنا ونحن نسمع عنها، ونشهد سجالات عامة المسلمين وخاصتهم في ميدانها.

وقبل التفصيل في الأمر من منظور نفسي (ويلزم ذلك المنظور الشرعي أيضا)، وددت أن أتناول الأمر تناولا (شخصيا) يتتبع الأمر تتبعا زمنيا وظرفيا واجتماعيا، وبالتالي نفسيا = فكريا وشعوريا وسلوكيا.

كنا صغارا، بين البيت والحي والمسجد والمدرسة والسوق، وكنا نعيش حالة من “الفصام السلبي”، وأعني بهذا: الانفصال بين ما نتلقاه وندركه ونعتقده ونعيشه، ولكنه انفصال غير مدرك ولا مميز ولا متعمّد.

فكنا نسمع شيئا، ونرى شيئا، ونفعل شيئا، وربما تناقضت هذه الأشياء فيما بينها إلى درجة لا نستطيع تفسيرها أو تبريرها.

في البيت، حيث أصبح صوت المذياع (الوسيلة الأشهر إعلاميا آنذاك) هو أشبه ما يكون بالمنبه الصباحي لمعظم البيوتات؛ وأصبحت عادة هذا المنبه أن يوقظ أهل البيت على أصوات إنسانية تتلو كتاب الله (القرآن)، وربما تلته مباشرة أصوات أخرى تتغنى بأشعار فيها وفيها. بل إن صوت مغنية أو مغنيتين أصبح هو الصوت الملازم للصباح في غير بلد من بلدان الشرق الأوسط بمدنها وقراها.

وفي البيت أيضا، حيث ذلك (الصنم) الذي تجتمع حوله العائلة، والذي صار (منذ خمسينيات القرن العشرين الميلادي) مؤثرا بشكل كبير، بل وصانعا لفكر الجماهير ومشكّلا للعقل الجمعي، الصنم المعروف بـ التلفزيون، وما يعرضه من مواد (تختنق) بالموسيقى و (تغص) بالغناء، حتى لا يكاد يبقى لصوت الطبيعة (إنسانا أو حيوانا أو مادة أخرى) مكان يذكر؛ وللغرابة، فهو ذات التلفزيون الذي قد يخرج علينا فيه من يقول بحرمة الغناء والموسيقى !!!

ويتعلق بالبيت أيضا، السيارة، والأوقات التي كنا نقضيها فيها (والتي تضاعفت بشكل خطير مع العولمة الرأسمالية وضيق المدن وزحام الشوارع وأزمة المرور)؛ حيث كان يصحبنا فيها جهاز التسجيل أو المذياع (الراديو)، فكانت نسبة كبيرة مما يعرض لنا فيه تندرج تحت الغناء و/أو الموسيقى. وكما هو حال الصباح في البيت، كان حال الصباح و (مشوار المدرسة) في السيارة، حيث لا تكاد تخلو (رحلة صباحية) من صوت ذات المغنية التي يصل البعض بوصفها إلى القول بأنها (قهوة الصباح) !!!

وفي الحي، حيث اللهو الطفولي يتخلله ترديد (غير مدرك) لكل ما تلتقطه الحواس من التلفزيون أو الراديو من جهة، ومما يتطاير من هنا أو هناك من الشارع المجاور أو الحي المجاور أو السيارات المارة أو المحلات المجاورة أو غير ذلك.

وفي ذات الحي أيضا، كنا نلهو ونحن نردد أغاني (الرسوم المتحركة) التي كنا نعتبرها من (لهو الطفولة المباح)، ولا يخفى على أحد أن كل تلك الأغاني (أو معظمها على الأقل) ممزوجة بكم من الموسيقى (التي ربما كانت صاخبة، ولكنها غير ظاهرة في أثرها لقلة تكرارها ولقلة ما يعززها آنذاك)، فشتان ما بين رسوم متحركة محدودة بساعة واحدة في اليوم، وبين فضائيات تعرض أصنافا مختلفة ومتنوعة من الرسوم المتحركة على مدار اليوم والليلة !!!

وفي المدرسة، كانت (الحافلة المدرسية) تحوي ما حوته (السيارة) من أغاني وأصوات (نسائية). وكان (الطابور الصباحي) لا يخلو من (نشيد وطني) أو (سلام جمهوري) أو (سلام ملكي) أو غير ذلك، وكلها (موسيقية). وكانت المدارس، حتى ما تعرف نفسها باسم الإسلامية مثلا، تحوي فيما تحويه مظاهر احتفالية مختلفة، ومناسبات احتفالية متنوعة؛ كما لا تكاد تخلو مدرسة من (درس الموسيقى)؛ فضلا عن حديث الأمهات عن (درس البيانو) ومسابقة (العزف المنفرد) الذي اشترك فيها الابن أو فازت فيها الابنة؛ فكان هذا، أيضا، مما يدعونا للتفكير والتوقف أحيانا !!!

وأذكر أن (المخيمات المدرسية) كانت تحوي فيما تحويه فقرة رئيسية لا يخلو منها أي (مخيم) أو (رحلة مدرسية)، وهي فقرة: حفلة السمر، والتي تحوي (فنونا تعبيرية مختلفة ومتنوعة)، مثل: النشيد، والتمثيل، والمسابقات.

وفي السوق، كانت الموسيقى هي (الخلفية الطبيعية والاعتيادية) للتسوق، وكانت المحلات لا تكاد تخلو من (موسيقى أو غناء).

لافتة: كان هذا قبل عولمة الفضائيات والمجمعات السوقية الاستهلاكية الرأسمالية التي ينتشر فيها الصخب، وينعدم فيها الهدوء، وتغص بالمشاهد الفاضحة عبر ما يعرف بـ الفيديو كليب في كل محل أو مطعم أو مقهى !!!

وفي المسجد، كنا ننشد ونترنم، بل ربما تعلمنا (فن المقام) دون (أدوات)، وكنا نتناول فن (المديح النبوي) و (الموشحات) وغيرها من (فنون تعبيرية مختلفة)؛ ولكننا كنا نسمع في ذات الوقت رأيا من هنا (يمدح)، ورأيا من هنا (ينكر)، ورأيا من هناك (يحرم)، ورأيا آخر (يتورع)، ورأيا أخيرا (يبرر)، وهكذا !!!

وكنا نسأل، على استحياء أحيانا، وبتمرد أحيانا أخرى، وبدفاعية أحيانا أخيرة؛ كنا نسأل محاولين فك (شيفرة المجهول) في علامات الاستفهام التي تركتها هذه (الآراء) في نفوسنا؛ وكنا نسأل مستفهمين عن (ظاهر التناقض) بين (هذا وذاك)؛ وكنا نسأل محاولين أن نبني لأنفسنا قواعد فكرية ومنهجية (خصوصا مع عدم أو قلة ما كان عندنا من علم أو أدوات عقلية لازمة).

كانت علامات الاستفهام كثيرة:

• هل الغناء حرام؟
• وهل الموسيقى حرام؟
• وهل الغناء يختلف عن النشيد؟

• وهل ما يجري في بيتنا حرام؟
• وهل ما يجري في حينا حرام؟
• وهل ما يجري في مدرستنا حرام؟
• وهل ما يجري في السوق حرام؟
• وهل ما يجري في (مسجدنا) حرام؟

• ماذا عن الآراء المختلفة؟
• أيها صواب؟ وأيها خطأ؟
• أيها (علم)؟ وأيها (اجتهاد)؟ وأيها (مزاج وهوى)؟

• هل يعقل أن ما كان عليه قرن محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعيهم، يختلف عما نحن عليه الآن؟
• هل يعقل أن الأمة تعرضت إلى (سرقة شرعية) لمفاهيم ومصطلحات عبر القرون؟
• هل يعقل أن ما مضت عليه الأمة طوال قرون كان ضربا من الوهم؟

ومضت أيام وأسابيع وشهور، ولم تتجاوز السنون حتى وجدت نفسي، وغيري، مدفوعين دفعا لحالة الشك الباحث عن اليقين، في هذه الإشكالية وفي غيرها مما يسبقها ويلحقها، من الوجود الإلهي وقصة الخلق، وانتهاء بتفاصيل الحياة اليومية.

وهنا، أنعم الله علينا بنعمة التوقف وطلب العلم والبحث وخوض غمار (المجهول) وتجاوز (مخاوف الطلب) إلى (مغامرة الشك) ومنها إلى القراءة (المتنوعة) اليت ربما (تناقضت) مصادرها ومراجعها ومآلاتها (عند كثيرين).

كما أنعم الله علينا بحلقات العلم، وبثلة من أهل العلم الذين (وإن اختلفنا معهم، حينها أو بعدها، في بعض الفروع) كانوا سببا في كثير من الخير الذي نزعم أننا ننعم به الآن.

وفي حلقات العلم، كانت علامات الاستفهام تجد مرتعا، فإما تستقر، وإما تزداد ترددا وقلقا. فكنا نسمع من بعض (الشيوخ) نصوصا (صريحة) في (تحريم الغناء) دون (استثناء). وكنا نسمع من بعضهم (تأويلا) لتلك النصوص يختلف في مقاصده عن الطرح الأول. وكنا نسمع من آخرين نصوصا أخرى تدل على (الإباحة) !!!

ولقد رأينا من أهل العلم من يتوقف كثيرا في شأن الغناء والموسيقى:

• البعض لا يكاد يتكلم فيه إلا بعد إلحاح مني أو مني غيري.
• البعض لا يكاد يطلق مفردات (الإباحة أو التحريم) بقدر اجتهاده في بيان (الأفضل والأورع والأتقى) مثلا.
• كثير من هؤلاء كانوا يحرصون على مراجعتنا نحن ودفع الكرة إلى ملعبنا لنفتي أنفسنا بأنفسنا، بعد بيان الحلال والحرام الذي لا خلاف عليه.

ولكنني، وغير، مع هذا، شهدت ما استوقفني كثيرا، وكنت أنفر منه، من بعض (أهل العلم)، إلا إنني لم أكن أملك يومها (الحجة والحِجاج) للتوقف والمواجهة والسؤال والمراجعة، كما إن مفهوم (أدب العلم) كان يقف حائلا دون هذا أيضا؛ حتى قدر الله لنا أن نقرأ وأن نتعلم وأن نشرف بالطلب على بعض أهل العلم ممن (يتقون الله) في (أصحابهم وتلاميذهم).

وكان من ذلك مثلا:

• قَطع بعض أهل العلم بالإباحة أو الحرمة دون الاستشهاد بنص أو دليل، وكأن لسان الحل: “خذوا عني مناسككم” !!!
• اكتفاء البعض بنص أو دليل واحد، دون شرح الشاهد أو القرينة الدالة على الإباحة أو التحريم !!!
• استشهاد البعض بنصوص (صحيحة) في التحريم دون الاستشهاد بنصوص أخرى (صحيحة) تفيد الإباحة !!!
• العكس: استشهاد البعض بنصوص (صحيحة) في الإباحة دون الاستشهاد بنصوص أخرى (صحيحة) تفيد التحريم !!!
• استشهاد البعض بنصوص تفيد التحريم، ثم لا نلبث أن نعرف أن (معظم) تلك النصوص (موضوعة أو ضعيفة) !!!

لافتة: جرى هذا من (بعض) أهل العلم الذين درسنا عليهم، أقول هذا دفعا للشبهة أو الغيبة أو الظلم عن أكثرهم، فجزاهم الله عنا كل خير.

هذا فيما يتعلق بحلقات العلم وأهله.

أما الكتب، فإن الحق يقضي بأن ننسب لأهل الفضل فضلهم ولأهل الخير ما كان لهم فيه يد ظاهرة. فلقد قرأنا، فيما قرأنا، لثلة من أهل العلم كان لهم بصمة واضحة في ضبط بوصلة التفكير وتجديد مثار العقل ومساره، فتوجهنا بكتابتهم وجهة أنارت لنا بعض الطرق المظلمة، كما أثرت بعض ما لدينا مما كسبناه من حلقات العلم.

وهذه الكتابات أصناف (وهي قليلة):

• كتاب يبحث في الأمر، بين أمور كثيرة متشابهة ومشتبهة، ثم يتبنى موقفا (وسطيا).
• كتاب يحرك الراكد ويدعو الإنسان للتفكير الناقد والعقل المستنبط، وإن كان (متمردا) في ظاهره.
• كتاب يسوق النصوص القرآنية والنبوية، ثم ينثرها على طاولة البحث، ويترك النفس في مواجهة بحثية مشكلة.
• كتاب يبدأ بتبني فكرة الإباحة، ثم يسوق لها النصوص والأدلة التي تدعمها، مع عدم إغفال الرأي الآخر وأدلته.
• كتاب يبدأ بتبني فكرة التحريم، ثم يسوق لها النصوص والأدلة التي تدعمها، مع عدم إغفال الرأي الآخر وأدلته.

ومع هذا، فلقد رأينا، أيضا، ما يدعو للتوقف والنفور أكثر بكثير مما استوقفنا في حلقات العلم، ربما لأن عامل (القراءة الجافة) يختلف عن (المصاحبة الإنسانية المرنة)، والتي لها أثر كبير في الحكم على الشيء بميزان مختلف.

وكان من ذلك مثلا:

• أهل الأهواء من مختلف المدارس الفكرية الإسلامية، وأقول “أهل الأهواء” لأن تتبع كتاباتهم تشير إلى (لا منهجية) واضحة. فيرى أحدهم بالإباحة مثلا معتمدا على حديث صحابي/صحابية ثم ينكر حديثا آخر لنفس الشخص !!! كما يظهر في كتاباتهم نَفَس (استعلائي) يتكبر على كل ما سبقه من قرون، فيرون أنهم يعلمون ما جهله (خير القرون) !!!
• أهل النزعة الإنسانية والوجودية والحداثية، والذين يضعونها عدسة لقراءة النصوص القرآنية والنبوية؛ وهؤلاء يقدمون (النزعة) على (النص)، ويجتهدون أيما اجتهاد في إخضاع النص لـ (نزعتهم)؛ فيرون أن الغناء والموسيقى (مظهر من مظاهر الجمال ونزعة إنسانية فطرية وغذاء روحي)، وبهذا، فلا مكان لأي رأي ينكر أو يرى الكراهة أو الحرمة مثلا !!!
• أهل النزعة (العقلانية)، وهم قريبون ممن سبق ذكرهم، ولكنهم لا يرفضون النص بل يوظفونه توظيفا (مجردا) !!!
• القرآنيون ومنكرو السنّة (التشريعية) قولا واحدا. وهؤلاء لا يكادون يقيمون وزنا لحديث، خصوصا إذا خالف ما يرونه هم (العقل) وما أراه أنا (الهوى) !!! بل إن منهم من تحدثوا بسخرية عن (الصحابي الذي نزل عليه الوحي ليخبره بأن الغناء هو لهو الحديث) !!! وهذا غيض من فيض.
• فراخ القرآنيين والحداثيين ومن شابههم، وهؤلاء لا يكادون يتجاوزون كونهم بوقا لمن فرّخهم من (شيوخهم). فنراهم يخلطون جهلا من هنا وجهالات من هناك، شيء من اللغة، وقليل من الآيات، وتقديم للعقل (المحدود) على صحيح النقل، و (سوء ظن وأدب) بالصحابة وتابعيهم، وسخرية من العلماء السابقين، ومزج هذا كله بهوى ظاهر، وغيره !!!

ثم مضت أيام وأسابيع وشهور وسنون، حتى وجدت نفسي منشغلا بكل ما يتعلق بالنفس والدين، وما يتعلق بالمفردتين ويرتبط بهما من علوم الوحي أو المادة، كما صاحب هذا انشغالي بالمجتمع الإنساني من خلال الدعوة إلى الله، فكان من أثر الاهتمام بالنفس والدين والدعوة والإنسان ما يلي من خواطر ومشاهدات وتعليقات:

• افتقار الخطاب الشرعي/الوعظي، لما أسميه “فقه الفقه” أو “فقه الواقع”، ومنه: أثر الصوت/اللحن على النفس.
• لم أقف على ما يشفي الصدر من كتب أو بحوث أو مقالات في الأثر النفسي للغناء/الموسيقى سلبا أو إيجابا.
• قرأت بحوثا تنسب الأثر الموجب للموسيقى على تحصيل الطلاب/الطالبات في المدرسة/الجامعة !!!
• وقرأت بحوثا تنسب الأثر السالب للموسيقى على تحصيل الطلاب/الطالبات في المدرسة/الجامعة !!!
• شهدت مسلمين (أفرادا وعوائل)، سعداء ومنتجين، ولا يكاد يظهر للغناء/الموسيقى (المعزوفة) أثر في حياتهم.
• شهدت غير مسلمين، وغير مؤمنين، منتجين ومبدعين، ولا يكاد يظهر للغناء/الموسيقى (المعزوفة) أثر في حياتهم.
• شهدت مسلمين (علماء وعوام)، لا يرون بأسا في الغناء/الموسيقى، ويستمعون لها بشكل بسيط، دون أثر سالب يذكر.
• شهدت مسلمين (من شباب النهضة/العمل الإسلامي) وقد أخذ الغناء/الموسيقى منهم مأخذا سالبا حتى أنساهم القرآن.
• شهدت غير مسلمين (من أصحاب ومراجعين العيادة النفسية) وقد أخذ الغناء/الموسيقى منهم مأخذا سالبا.
• شهدت بيوتا لا مكان فيها للهدوء، لمجرد أن الغناء/الموسيقى أصبحا جزءا من (نمط الحياة الطبيعي) !!!
• شهدت إعلاما (إسلاميا) لا يكاد يكون فيه (مساحة إعلامية) لا (غناء/موسيقى) فيها !!!
• شهدت شبابا (من الجنسين) لا ينصتون إلى مواد إعلامية (غنية وعلمية) لمجرد خلوها من الموسيقى !!!
• شهدت جمهور مهرجانات وحفلات، لا يطرف لهم جفن لما يستمعون إليه، لانشغالهم بـ الموسيقى !!!

وغير هذا مما يتعلق به أو يتفرع عنه كثير.

وقبل الانتقال إلى المحور المنهجي/العلمي، أسأل سؤالا مهما وأشرككم الإجابة عليه:

سؤال: ما علاقة النفس بالدين/الشريعة أولا؟ ثم ما علاقة النفس بالغناء والموسيقى؟

والجواب:

• إذا اتفقنا على أن النفس = الجسد + الروح
• وإذا فهمنا أثر المدخلات الحسية على الروح، وظهورها على الجسد
• وإذا عرفنا ميل الروح إلى الصوت الإنساني والتعبير الشعوري واللحن والنغم
• وإذا علمنا أن النفس تستقر إذا تناغم الفكر + الشعور + السلوك
• وإذا أدركنا حاجة الفكر لـ “مرد” فيه: اليقين + الشمول + السعادة = الدين

عندها، يظهر لنا علاقة النفس بالدين أولا، وعلاقة النفس بالغناء والموسيقى

ولعل في هذا إجابة ظاهرة وبيّنة لمن يتساءلون: ما علاقة الحلال والحرام بالغناء/الموسيقى ؟!

كان هذا كله، رحلة في مسيرتي الشخصية، ومدخلا إلى الموضوع بطريقة تحاكي (وهذا ما أظنه وأرجوه) كثيرا مما خبره غيري.

****************************

والآن، أحاول أن أفكر معكم بصوت مقروء في الإجابة عن السؤال التالي:

سؤال: هل الغناء/الموسيقى حلال أم حرام ؟!

سؤال اختلف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه، واختلف سلوكهم تبعا لاختلاف أجوبتهم.

فمنهم من يفتحون آذانهم لكل نوع من أنواع الغناء والموسيقى، مدعين أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة التي أباح الله لعباده، ومعتبرين أن (الجمال) من خلق الله الذي يقرب إليه ويدعو لمعرفته.

ومنهم من يغلقون آذانهم عند سماع أية أغنية قائلين: إن الغناء مزمار الشيطان، ولهو الحديث، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وبخاصة إذا كان المغني امرأة، فالمرأة صوتها عورة بغير الغناء، فكيف بالغناء؟ ويستدلون لذلك بآيات وأحاديث وأقوال.

ومنهم من يرفضون أي نوع من أنواع الموسيقى، حتى المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار مثلا.
ووقف فريق ثالث مترددين بين الفريقين: ينحازون إلى هؤلاء تارة، وإلى أولئك طورا، ينتظرون القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع، وخصوصا بعد أن دخلت الإذاعة (المسموعة والمرئية) بجدها وهزلها على الناس بيوتهم، وجذبت إليها أسماعهم بأغانيها وموسيقاها طوعا وكرها.

والغناء بآلة وبغير آلة مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخرى:

اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية، إذ الغناء ليس إلا كلاما، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل على حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير؟

ويدخل في هذا: الأغاني التي تمدح الظلمة والطغاة والفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم أمتنا، والأغاني التي تسقط قيم الدين مثل: “أصل الليل للسهر” و”الدنيا سيجارة وكأس” و”قدر أحمق الخطا” و”أنت الأول والآخر” و”بعيد عنك حياتي عذاب” وغير ذلك، والأغاني التي تدعو إلى إطلاق النظر المحرم بوصف العيون والجسد، والأغاني التي تكون فيها طريقة مثيرة توقظ الغرائز وتغري القلوب المريضة، والأغاني التي تقترن بشيء محرم كشرب الخمر أو التبرج المحرّم أو الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء، وهكذا.

لافتة: بعض مراهقي التفكير من القرآنيين وضحايا أهل الشعوذة الفكرية وفراخهم يرون أن التبرج ليس كما يفهمه عامة المسلمين اليوم، كما يرون أنه ليس ثمة اختلاط محرم !!!

واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد، ونحوها، بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها. وقد دللوا على ذلك بنصوص صريحة، سنذكرها فيما بعد.

واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافا بينا، فمنهم من منع الغناء منعا باتا بآلة وبغير آلة وعده حراما، بل ربما ارتقى به إلى درجة الكبيرة، ومنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة، بل اعتبره مستحبا. ومنهم من منعه بآلة وأجازه بغير آلة.

فما القول وما الرأي؟

في لغة العرب:

توقف لنتساءل: ما هو الغناء؟ وما هي الموسيقى؟ وما الفرق بين الغناء والنشيد مثلا؟ وما ضوابط الفرق بينهما؟

وهذه مجموعة تساؤلات أتركها لكم لتبحثوا عنها بأنفسكم، لعلنا نتعلم شيئا عن البحث والتأصيل والنقد.

وحتى ذلك الوقت، أترككم مع هذه النصوص القرآنية والنبوية، وبعض أقوال السلف:

نقرأ في القرآن:

• (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) [القرآن: سورة البقرة: الآية 29].
• (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) [القرآن: سورة النساء: الآيتان 160-161].
• (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون) [القرآن: سورة الأعراف: 157].
• (يسألونك: ماذا أحل لهم، قل: أحل لكم الطيبات) [القرآن: سورة المائدة: الآية 4].
• (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) [القرآن: سورة الأنعام: الآية 119]
• (قل: أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل: آلله أذن لكم؟ أم على الله تفترون؟) [القرآن: سورة يونس: الآية 59].
• (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين) [القرآن: سورة الأنعام: الآية 140].
• (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون علي الله الكذب لا يفلحون). [القرآن: سورة النحل: الآية 116].

ونقرأ في الحديث النبوي:

• ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا)) وتلا: (وما كان ربك نسيا) [القرآن: سورة مريم: الآية 64]. رواه الحاكم عن أبي الدرداء وصححه وأخرجه البزار.
• ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) أخرجه الداراقطني عن أبي ثعلبة الخشني وحسنه الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليّه والنووي في الأربعين.

ونقرأ في أقوال السابقين:

• الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا لم يرد نص صريح ولا إجماع، أو إذا ورد نص صريح غير صحيح، أو إذا ورد صحيح غير صريح، بتحريم شيء من الأشياء، لم يؤثر ذلك في حله، وبقي في دائرة العفو الواسعة.
• قال الإمام مالك: ما شيء أشد علي من أن أُسأل عن مسألة من الحلال والحرام، لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا، وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام في الفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليا وعامة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل فكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون، ثم حينئذ يفتون فيها، وأهل زماننا هذا صار فخرهم، فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم، ولم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا الذين يقتدى بهم، ومعول الإسلام عليهم، أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول: أنا أكره كذا وأرى كذا، وأما “حلال” و”حرام” فهذا الافتراء على الله. أما سمعت قول الله تعالى (قل: أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل: آلله أذن لكم؟ أم على الله تفترون؟) [القرآن: سورة يونس: الآية 59] لأن الحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرماه.
• نقل الإمام الشافعي عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قوله: أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بينا بلا تفسير. [كتاب الأم]
• عن الربيع بن خيثم أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحل هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه، ويقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه. [كتاب الأم]
• عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه، قالوا: هذا مكروه، وهذا لا بأس به، فأما أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا. [كتاب الأم]

والسؤال هنا: هل الغناء من الطيبات أم من الخبائث؟

وإذا كانت هذه هي القاعدة، فما هي النصوص والأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء؟ وما موقف المجيزين منها؟

أدلة المحرمين للغناء من النقل (القرآن):

(ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين)
[القرآن: سورة لقمان: الآية 6]

فسر عبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم لهو الحديث بأنه الغناء [إغاثة اللهفان] لـ ابن القيم
وكذلك الواحدي في أسباب النزول [إغاثة اللهفان]
وكذلك مجاهد: اللهو الطبل [تفسير الطبري]
وكذلك الحسن البصري: الغناء والمزامير [تفسير ابن كثير]

• قال الحاكم في [المستدرك] عن تفسير الصحابي: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند.
• قال ابن حزم: ولا حجة في هذا لوجوه:
أحدها: أنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم
والثاني: أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين
والثالث: أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها، لأن الآية فيها: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا) وهذه صفة من فعلها كان كافرا بلا خلاف، إذ اتخذ سبيل الله هزوا، ولو أن امرأ اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوا لكان كافرا! فهذا هو الذي ذم الله تعالى، وما ذم قط عز وجل من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه لا ليضل عن سبيل الله تعالى، فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا وكذلك من اشتغل عامدا عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن أو بحديث يتحدث به أو بنظر في ماله أو بغناء أو بغير ذلك، فهو فاسق عاص لله تعالى، ومن لم يضيع شيئا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن.
[كتاب المحلى لابن حزم: 9/60: طبعة المنيرية]

(واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)
[القرآن: سورة الإسراء: الآية 64]

فسر البعض (صوتك) بالغناء والمزامير وكل داع إلى المعصية [تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي والجلالين]

(والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما)
[القرآن: سورة الفرقان: الآية 72]

فسر البعض (الزور) بأنه الغناء [تفسير الطبري وابن كثير]
كما فسر البعض (اللغو) بأنه الغناء [تفسير الطبري].

(وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه)
[القرآن: سورة القصص: الآية 55]

فسر البعض الغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه [المراجع السابقة]

• الظاهر من بقية الآية (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) أن اللغو: سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك.
فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) [القرآن: سورة الفرقان: الآية 63]
ولو سلمنا أن اللغو يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه وتمدحه، وليس فيها ما يوجب ذلك.
وكلمة اللغو = الباطل، تعني: ما لا فائدة فيه، وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرما ما لم يضيع حقا أو يشغل عن واجب
• روي عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له: أيؤتى به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات، لأنه شبيه باللغو، قال تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) [القرآن: سورة البقرة: الآية 225، وسورة المائدة: الآية 89].
• قال أبو حامد الغزالي: (إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه، مع أنه لا فائدة فيه، لا يؤاخذ به، فكيف يؤاخذ بالشعر والرقص؟!) [كتاب إحياء علوم الدين: كتاب السماع: صفحة 1147 ط دار الشعب بمصر].
• نقول: ليس كل غناء لغوا، إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة، والمزح طاعة، والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)). رواه مسلم من حديث أبي هريرة: كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم ظلم المسلم.

(وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائما، قل: ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، والله خير الرازقين)

[القرآن: سورة الجمعة: الآية 11].

أدلة المحرمين للغناء من النقل (الحديث النبوي):

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة)).

الحديث رواه البخاري تعليقا برقم 5590، ووصله الطبراني والبيهقي، وراجع السلسلة الصحيحة للألباني 91. وقد أقر بصحة هذا الحديث أكابر أهل العلم منهم الإمام ابن حبان والإسماعيلي وابن صلاح وابن حجر العسقلاني وشيخ الإسلام ابن تيمية والطحاوي وابن القيم والصنعاني وغيرهم كثير.

الحديث (وإن كان في صحيح البخاري) من “المعلقات” لا من “المسندات المتصلة”، ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده، ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب، فسنده يدور على (هشام بن عمار)، وقد ضعفه الكثيرون. [الميزان وتهذيب التهذيب]. ورغم ما في ثبوته من الكلام، ففي دلالته كلام آخر، إذ هو غير صريح في إفادة حرمة “المعازف”، فكلمة “يستحلون” (كما ذكر ابن العربي) لها معنيان: أحدهما: يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني: أن يكون مجازا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور، إذ لو كان المقصود بالاستحلال: المعنى الحقيقي، لكان كفرا. ولو سلمنا بدلالتها على الحرمة لكان المعقول أن يستفاد منها تحريم المجموع، لا كل فرد منها، فإن الحديث في الواقع ينعي على أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور. فهم بين خمر ونساء، ولهو وغناء، وخز وحرير، ولذا روي ابن ماجة هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بلفظ: ((ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير))، وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه.

قال العلامة ابن صلاح رحمه الله: ولا التفات إليه (أي ابن حزم) في رده ذلك. وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح [غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للإمام السفاريني].

عن جابر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخيل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره، ففاضت عيناه، فقال عبدالرحمن: أتبكي وأنت تنهى عن البكاء؟ قال: ((إني لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة: لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة)).

رواه الترمذي في سننه، وقال: هذا الحديث حسن. وحسنه الألباني [صحيح الجامع 5194].

((صوتان ملعونان: صوت مزمار عند نعمة، وصوت ويل عند مصيبة)).

إسناده حسن [السلسلة الصحيحة 427].

((ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف)).

الحديث صحيح بمجموع طرقه [السلسلة الصحيحة 2203].

((إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة (الطبل) والقنين (الطنبور بالحبشية)، وزادني صلاة الوتر)).

الحديث صحيح. [صحيح الجامع 1708].

((كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه))

الحديث رواه أصحاب السنن الأربعة.

أجاب المجوّزون بضعف الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة، فإن قوله ((فهو باطل)) لا يدل على التحريم بل يدل علي عدم الفائدة. فقد ورد عن أبي الدرداء قوله: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق، على أن الحصر في الثلاثة غير مراد، فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة، وقد ثبت في الصحيح. ولا شك أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور، وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل، ولا يحرم عليه شيء منها، وإن جاز وصفه بأنه باطل.

((إن الله تعالى حرم القينة (أي الجارية) وبيعها وثمنها وتعليمها)).

الحديث ضعيف.

قال الغزالي: المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب، وغناء الأجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام، وهم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محظور. فأما غناء الجارية لمالكها، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث، بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة، بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها. [كناب إحياء علوم الدين: الصفحة 1148].

كان هؤلاء القيان المغنيات يكون عنصرا هاما من نظام الرقيق، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجيا، فلم يكن يتفق وهذه الحكمة إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي، فإذا جاء حديث بالنعي على امتلاك “القينة” وبيعها، والمنع منه، فذلك لهدم ركن من بناء “نظام الرق” العتيد.

((إن الغناء ينبت النفاق في القلب)).

لم يثبت هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ثبت قولا لبعض الصحابة، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره.

جعل أبو حامد الغزالي حكم هذه الكلمة (النفاق) بالنسبة للمغني لا للسامع، إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه على غيره ويروج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه. ومع هذا قال الغزالي: وذلك لا يوجب تحريما، فإن لبس الثياب الجميلة، وركوب الخيل المهلجة، وسائر أنواع الزينة، والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك، ينبت النفاق في القلب، ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط، بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا. [كتاب إحياء علوم الدين: الصفحة 1151].

عن نافع أنه قال: سمع ابن عمر مزمارا (وفي رواية: زمارة راع)، فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق (وفي رواية: وعدل راحلته إلى الطريق)، وقال لي: يا نافع هل تسمع شيئا؟ فقلت: لا! فرفع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا! فصنع مثل هذا.

تنازع أهل الحديث في صحته، فمنهم من قال: منكر [أبو داود]

لو صح لكان حجة على المحرمين لا لهم. فلو كان سماع المزمار حراما ما أباح النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر سماعه، ولو كان عند عبدالله بن عمر حراما ما أباح لنافع سماعه، ولأمر صلى الله عليه وسلم بمنع وتغيير هذا المنكر، فإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمر دليل على أنه حلال، وإنما تجنب صلى الله عليه وسلم سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا كتجنبه الأكل متكئا وأن يبيت عنده دينار أو درهم، إلخ.

((صوت المرأة عورة)).

ليس بحديث، أي ليس من كلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

كان النساء يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملأ من أصحابه وكان الصحابة يذهبون إلى أمهات المؤمنين ويستفتونهن ويفتينهم ويحدثنهم، ولم يقل أحد: إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة يجب أن تستر.

فإن قالوا: هذا في الحديث العادي لا في الغناء، قلنا: روي الصحيحان أن النبي سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما، وقال لأبي بكر: دعهما. وقد سمع ابن جعفر وغيره من الصحابة والتابعين الجواري يغنين.

أدلة المحرمين للغناء من أقوال السابقين (وهذا بين العقل والنقل):

قالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث ! وقد قال الله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) [القرآن: سورة يونس: الآية 32].

قال ابن حزم: احتجوا فقالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث، وقد قال الله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) [القرآن: سورة يونس: الآية 32]. فجوابنا وبالله التوفيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي)) حديث متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب، وهو أول حديث في صحيح البخاري. فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله فهو فاسق وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن، وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه، وقعوده علي باب داره متفرجا، وصبغه ثوبه لازورديا أو أخضر أو غير ذلك، ومد ساقه وقبضها، وسائر أفعاله. [كتاب المحلى: 9/60].

قال عمر بن عبد العزيز: الغناء مبدؤه من الشيطان وعاقبته سخط الرحمن [غذاء الألباب].

قال أبو العباس القرطبي: الغناء ممنوع بالكتاب والسنة، أما المزامير والأوتار والكوبة (الطبل) فلا يختلف في تحريم استماعها ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك، وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج الشهوات والفساد والمجون؟ وما كان كذلك لم يشك في تحريمه ولا تفسيق فاعله وتأثيمه [الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي].

قال ابن الصلاح: الإجماع على تحريمه ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح الغناء

قال القاسم بن محمد: الغناء باطل، والباطل في النار.

قال الحسن البصري: إن كان في الوليمة لهو (أي غناء و لعب) فلا دعوة لهم [الجامع للقيرواني].

قال النحاس: هو ممنوع بالكتاب والسنة.

قال الطبري: وقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء، والمنع منه.

قال الأوزاعي: لا تدخل وليمة فيها طبل ومعازف.

قال ابن تيمية: مذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام، ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعا، فاعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون الثلاثة المفضلة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء والتصدية لا بدف ولا بكف ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في أواخر المائة الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه، المعازف خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس، ولهذا يوجد من اعتاده واغتذى به لا يحن على سماع القرآن، ولا يفرح به، ولا يجد في سماع الآيات كما يجد في سماع الأبيات، بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية، وإذا سمعوا المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات وأصغت القلوب [مجموع الرسائل].

قال ابن القيم: إنك لا تجد أحداً عني بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علما وعملا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، فإنه رقية الزنا، وشرك الشيطان، وخمرة العقول، ويصد عن القرآن أكثر من غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه، حب القران وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان والله ما سلم الذي هو دأبه أبدا من الإشراك بالرحمن وإذا تعلق بالسماع أصاره عبدا لكـل فـلانة وفلان.

قال ابن القيم: وقد صرح أصحابه (أبي حنيفة) بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية توجب الفسق وترد بها الشهادة، وأبلغ من ذلك قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر، وورد في ذلك حديث لا يصح رفعه، قالوا ويجب عليه أن يجتهد في ألا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره [إغاثة اللهفان].

قال ابن القيم: وصرح أصحابه (أي أصحاب الإمام الشافعي) العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ [إغاثة اللهفان].

قال ابن القيم: وأما مذهب الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه: سألت أبي عن الغناء فقال: الغناء ينبت النفاق بالقلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق [إغاثة اللهفان].

سئل الشافعي عن الغناء فقال: أول من أحدثه الزنادقة في العراق حتى يلهوا الناس عن الصلاة وعن الذكر [الزواجر عن اقتراف الكبائر].

قال الإمام أبي حنيفة: الغناء من أكبر الذنوب التي يجب تركها فورا.

قال الإمام السفاريني: وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب، وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافا بين أهل البصرة في المنع منه [غذاء الألباب].

قال أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة حينما سئل عن رجل سمع صوت المزامير من داخل أحد البيوت فقال: ادخل عليهم بغير إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض.

قال الإمام مالك عندما سئل عن الغناء والضرب على المعازف: هل من عاقل يقول بأن الغناء حق؟ إنما يفعله عندنا الفساق [تفسير القرطبي].

قال الألباني: اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها [السلسلة الصحيحة: 1/145].

****************************************

أدلة المجيزين للغناء.

عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان، تغنيان بغناء بعاث (هو حصن كان عنده موقعة بين الأوس والخزرج، قيل قبل الإسلام وقيل قبل الهجرة بثلاث إلى خمس سنين)، (وفي رواية: وليستا بمغنيتين)، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهزني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله عليه السلام فقال: ((دعهما)) (وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليم وسلم: ((يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا)))، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدرق (الترس) والحراب (الرماح الصغيرة)، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال: ((تشتهين تنظرين))، فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: ((دونكم يا بني أرفدة (لقب للحبشة وقيل هو اسم أبيهم الأكبر)))، حتى إذا مللت، قال: ((حسبك))، قلت: نعم، قال: ((فاذهبي)).

الحديث صحيح. [البخاري: حديث 907] [صحيح ابن ماجه: حديث 1540].

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ((التصفيق للنساء والتسبيح للرجال)) [المجموع].

قال ابن الجوزي: وقد كانت عائشة رضي الله عنها صغيرة في ذلك الوقت، ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء، قد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها [تلبيس إبليس].

قال ابن القيم: وأعجب من هذا استدلالكم على إباحة السماع بغناء بنتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من أبيات العرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم! فأين هذا من هذا؟ والعجيب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم، فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه سمى ذلك مزمورا من مزامير

الشيطان، وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية، ورخص فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولاستماعهما، أفيدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى؟! فسبحان الله كيف ضلت العقول والأفهام [مدارج السالكين].

عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، فسمعنا لغطا وصوت صبيان، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حبشية تزف والصبيان حولها، فقال: ((يا عائشة، تعالي فانظري))، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: ((أما شبعت، أما شبعت))، فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، فانفض الناس عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر)).

[الترمذي: حديث 3691]

عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة، ما كان عندكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو)).

[البخاري: حديث 4867]

عن عبدالله بن عباس قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أهديتم الفتاة))، قالوا: نعم، قال: ((أرسلتم معها من يغني))، قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم))

[ابن ماجه: حديث 1900]

عن عائشة قالت: كان في حجري جارية من الأنصار فزوجتها، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرسها، فلم يسمع غناء ولا لعبا، فقال: ((يا عائشة، هل غنيتم عليها أو لا تغنون عليها، إن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء)). [ابن حبان: حديث 5875]

عن أم سلمة قالت: دخلت علينا جارية لحسان بن ثابت، يوم فطر، ناشرة شعرها، معها دف، تغني، فزجرتها أم سلمة، فقال النبي: ((دعيها يا أم سلمة، فإن لكل قوم عيدا، وهذا يوم عيدنا)). [كتاب المعجم الكبير: حديث 558]

عن الربيع بنت معوذ قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي صلى الله عليو وسلم: ((لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين))

[البخاري: حديث 3779]

عن السائب بن يزيد أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا عائشة، تعرفين هذه))، قالت: لا يا نبي الله، قال: ((هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك))، فغنتها

[البيهقي: حديث 8940]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فصل بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح))

[ابن ماجه: حديث 1896]

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر هو وأصحابه ببني زريق، فسمعوا غناء ولعبا، فقال: ((ما هذا))، قالوا: نكاح فلان يا رسول الله، قال: ((كمل دينه، هذا النكاح، لا السفاح ولا نكاح السر حتى يسمع دف أو يرى دخان))

[البيهقي: حديث 14477]

عن عمرو بن يحيى المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره نكاح السر حتى يضرب بالدف.

عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك، وكان عامر رجلا شاعرا حداء، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اتقينا وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عولوا علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من هذا السائق))، قالوا: عامر بن الأكوع، قال: ((يرحمه الله))

[البخاري: حديث 3960]

كان للنبي صلى الله عليه وسلم حاد يقال له أنجشة، وكان حسن الصوت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((رويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير)) (والقوارير: النساء)

[البخاري: حديث 5857]

عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من بعض مغازيه، فأتته جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف، فقال: ((إن كنت نذرت فاضربي))، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر رضي الله عنه وهي تضرب، ثم دخل عمر رضي الله عنه فألقت الدف تحتها وقعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يخاف منك يا عمر))

[البيهقي: حديث 19888]

عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن: نحن جوار (وفي رواية: نحن قينات) من بني النجار يا حبذا محمد من جار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الله يعلم إني لأحبكن)) وفي رواية: ((الله يعلم أن قلبي يحبكن))

[ابن ماجه: حديث 1899]

عن أنس قال: كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرقصون ويقولون: محمد عبد صالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يقولون))، قالوا: يقولون: محمد عبد صالح

[أحمد: حديث 12562]

عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم؟! فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس.

رواه النسائي والحاكم وصححه.

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقولون: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت با لأمر المطاع.

[السيرة الحلبية]

عن أنس بن مالك في قصة حفر الخندق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بنا من النصب والجوع قال: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة)). فقالوا مجيبين: نحن الذين بايعوا محمدا، على الجهاد ما بقينا أبدا.

[رواه البخاري: 3/1043].

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منحرفين ولا متماوتين، كانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهم، وينكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم عن شيء من دينه دارت حماليق عينه.

[مصنف ابن أبي شيبة: 8/711].

روى ابن حزم بسنده عن ابن سيرين: أن رجلا قدم المدينة بجوار، فأتى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فغنت، وابن عمر يسمع، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، غبنت بسبعمائة درهم ! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال له: إنه غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه، فقال: بل نعطيه إياها. قال ابن حزم: فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعي في بيع المغنية.

قال الإمام الشوكاني: ذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر، وجماعة الصوفية، إلى الترخيص في الغناء، ولو مع العود واليراع [نيل الأوطار].

قال أبو منصور البغدادي الشافعي: أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى في الغناء بأسا، ويصوغ الألحان لجواريه، ويسمعها منهن على أوتاره، وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه [السماع]

قال إمام الحرمين وابن أبي الدنيا: نقل الأثبات من المؤرخين: أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوادات، وأن ابن عمر دخل إليه وإلى جنبه عود، فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله؟! فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، فقال: هذا ميزان شامي؟ قال ابن الزبير: يوزن به العقول [النهاية].

وحُكي مثل ذلك أيضا عن القاضي شريح، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والشعبي

روى أبو عمر الأندلسي: أن عبد الله بن عمر دخل على ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود، ثم قال لابن عمر: هل ترى بذلك بأسا؟ قال: لا بأس بهذا [العقد].

حكى الماوردي عن معاوية وعمرو بن العاص: أنهما سمعا العود عند ابن جعفر.

روى أبو الفرج الأصبهاني: أن حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء المزهر (العود) بشعر من شعره.

وقد صح عنه (حسان بن ثابت) الغناء المنفرد.

ذكر الأدفوي أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة.

نقل ابن السمعاني الترخيص عن طاووس.

حك الروياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف.

حكى أبو منصور الفوراني عن مالك جواز العود.

حكى أبو الفضل بن طاهر: أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود، وإليه ذهبت الظاهرية قاطبة [السماع].

قال ابن النحوي: وقال ابن طاهر: هو إجماع أهل المدينة [العمدة]

قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب “الأحكام”: “لم يصح في التحريم شيء”.

وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة.

وقال ابن طاهر: لم يصح منها حرف واحد.

وقال ابن حزم: كل ما روي فيها باطل وموضوع.

قال ابن النحوي: وقد روي الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمر (كما رواه ابن عبد البر وغيره) وعثمان (كما نقله الماوردي وصاحب البيان والرافعي) وعبد الرحمن بن عوف (كما رواه ابن أبي شيبة) وأبو عبيدة بن الجراح (كما أخرجه البيهقي) وسعد بن أبي وقاص (كما أخرجه ابن قتيبة) وأبو مسعود الأنصاري (كما أخرجه البيهقي) وبلال وعبد الله بن الأرقم وأسامة بن زيد (كما أخرجه البيهقي أيضا) وحمزة (كما في الصحيح) وابن عمر (كما أخرجه ابن طاهر) والبراء بن مالك (كما أخرجه أبو نعيم) وعبد الله بن جعفر (كما رواه ابن عبد البر) وعبد الله بن الزبير (كما نقل أبو طالب المكي) وحسان (كما رواه أبو الفرج الأصبهاني) وعبد الله بن عمرو (كما رواه الزبير بن بكار) وقرظة بن كعب (كما رواه ابن قتيبة) وخوات بن جبير ورباح المعترف (كما أخرجه صاحب الأغاني) والمغيرة بن شعبة (كما حكاه أبو طالب المكي) وعمرو بن العاص (كما حكاه الماوردي) وعائشة والربيع (كما في صحيح البخاري وغيره). وأما التابعون: سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر وابن حسان وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي عتيق وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن إبراهيم الزهري. وأما تابعوهم: منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور الشافعية. انتهى كلام ابن النحوي [العمدة] [نيل الأوطار للشوكاني: 8/264-266]

قال أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين: من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته علي الجمال والطيور وجميع البهائم، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه، فترى الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها، حتي تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها.

ومصداق ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: “ما هذان اليومان؟” قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية: فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

***********************************

قال ابن المقفع: ما رأيت إسرافا إلا وبجانبه حق مضيع.

قال سليمان التيمي رحمه الله: لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله.

العلم قال الله قال رسوله إن صح والإجماع فاجهد فيه
وحذار من نصب الخلاف جهالة بين الرسول وبين رأي فقيه

***********************************

أسئلة خاتمة، لعلها تستفز التفكير والتدبر والنقد والبحث والعقل

• ماذا عن القرآن ونصوصه ومفرداتها وأسباب نزولها وسياقها ؟!
• ماذا عن التوفيق بين (المتعارض) من الأحاديث النبوية ؟!
• ماذا عن آراء الصحابة والتابعين وتابعيهم ؟! هل هي (تحريم) أو (ورع) ؟!
• لماذا لا نجد نصا (صريحا) بـ (التحريم) أو (الإباحة) عن المتقدمين ؟!
• إلى أي حد تأثر (العقل الجمعي المسلم) بـ (عقدة المغلوب) ؟!
• إلى أي حد بلغ تأثر (الفقه وأهله) بـ العقل الجمعي ؟!
• هل يعتبر الإعلام الإسلامي الغناء/الموسيقى من (الضرورات) ؟!
• ماذا عن أثر الغناء والموسيقى في نفوس (شباب النهضة) ؟!
• أين القرآن والورد اليومي وركعات الليل عند (المسلمين) ؟!

وغيرها من استفهامات، أتركها بين أيديكم

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
اللهم اجعلنا من أهل القرآن وخاصته
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وذنوبنا، اللهم اجعلنا من الذين يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، اللهم اجعله حجة لنا لا علينا، اللهم اجعله شافعا ً لنا يوم القيامة
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تبلّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا

اللهم آمين

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي

8/2/2014