لا أعرف، “هكذا فقط” !!! كلمات حول العقل والتسليم والنظام

لا أعرف… “هكذا فقط”!!!

تاريخ الكتابة والنشر: شهر 12/2008

منذ أن وصلت إلى هذا البلد، الولايات المتحدة الأمريكية، منذ خمسة شهور وأنا أمارس ما أدعي أنني أتقنه بشكل كبير، ألا وهو ملاحظة الحياة الاجتماعية اليومية، وهذا جزء من شخصيتي كما إنه جزء من مهنتي مما يساعدني في محاولة إيجاد تفسيرات ومن ثم حلول للظواهر والأعراض والمشكلات النفسية في حياة الناس عامة ومراجعي عيادتي خاصة.

أقول: لقد وجدت أن أكثر عبارة أسمعها من الناس هنا عندما أسألهم عن أمر ما، سيما مواطني البلد، هي عبارة “لا أعرف!” أو قد تكون عبارة مقاربة لها في المعنى وهي “هكذا فقط!”؛ فمثلا، عندما أسأل أحدهم أو إحداهن: “لم نظام الضريبة عندكم هكذا؟” تأتي الإجابة: “لا أعرف، أنا أدفعها وحسب”. وعندما أسأل أحدهم أو إحداهن: “لماذا تتميز الولاية لديكم بهذه البنية التحتية المتأخرة في حين وجدت البنية التحتية في الولاية الفلانية متقدمة؟” تأتي الإجابة: “لا أعرف، ولم أفكر بهذا الأمر مسبقاً”، وإذا اتصلت بمحل من المحلات لأسأل عن عنوان المحل حتى أضعه على جهاز الملاح أو المستكشف (Navigator) فأصل بسهولة، يفاجئني الموظف أو الموظفة بعبارة: “أنا لا أعرف”، وللعلم فإن هذا حدث معي في كل مرة حتى لحظة كتابة الرسالة وفي أكثر من ولاية، أما المثال الأخير وهو الصاعق بالنسبة لنا على الأقل؛ فهو عندما أسأل أحدهم أو إحداهن عن معنى اسمه أو اسمها؛ تأتي الإجابة: “لا أعرف”!؛ وللموضوعية، فمنذ وصولي هنا أجابني اثنان فقط على معني اسميهما، إحداهما كانت إجابتها غير صحيحة. ومن نافلة القول بالطبع أننا لا نتحدث هنا عن المعلومات العامة كالجغرافيا والتأريخ وعواصم البلدان ونوع العملات في كل بلد والديانات في العالم وغيرها؛ فهذه المعلومات مما قد لا أقيم لها الوزن الأكبر في تشخيص المرض.

أما الأمر الذي استوقفني أكثر من غيره، فهو رأي الناس في الانتخابات الأخيرة، فلا أكاد أسأل أحدهم حتى تكون الإجابة التي يدور عليها معظم الناس هنا: “لا أعرف، أنا أنتخب فقط، ولكنني لا أملك أمر من يحكم البلاد، فهذه أمور يقررها الكبار والمتنفذون والإعلام، أما أنا، فأذهب للانتخاب وحسب!”.

فكنت أقول لهم: “كنت أظن أن لديكم ديمقراطية حقيقية، فالأمر إذا بيننا وبينكم أن سقف الحرية لديكم أعلى بشيء ما مما هو لدينا، فهي حرية نسبية إذا، هذا إذا وافقنا على تسميتها بالحرية، سواء هنا أو هناك!”.

بل ويصل الأمر أنني عندما كنت أحدث أحد أصحابنا المفتونين بهذا “النظام” والخارجين من بلاد “التخلف” والقادمين إلى أمريكا يقودهم “الشعور بالنقص أولا وعقدة المغلوب” وأساله عن أمر غريب وجدته في بعض الطرق السريعة التي تمتد بين بعض الولايات وكيف أنني استغربت كون هذا الطريق مظلما وليس فيه إضاءة كافية، أجابني بقوله: “أكيد أن في الأمر سر لا نفهمه أنت ولا أنا، لأنهم هنا يفهمون كل شيء يفعلونه، ولو سألت لعلمت أن في الأمر حكمة”!!!.

قلت: سبحان الله، كأنك تتكلم بلغة: “لا يسأل عما يفعل وهم يسألون”؛ تسليم مطلق!

وقد يقول البعض، إن هذا غير مهم، فما الفائدة من معرفة هذا كله في حين تكون البلاد متخلفة كحال بلادنا؟ حيث نعرف معلومات كثيرة في حين نركب ذيل القافلة! أما هنا، فهم يهتمون فقط بحال يومهم وليلتهم وإنتاجهم، وهذا هو الأصل!

أقول: هذا هو بالضبط ما أتحدث عنه…
إن الناس هنا، لا يدركون السر وراء معظم ما يدور في حياتهم اليومية، إلا إنهم “يسلمون” الأمر للحكومة أو القيادة أو الدستور أو القانون؛ فهو تسليم من نوع آخر، على الرغم من الآثار السالبة والضارة في هذا القانون! والتي ليس المقام هنا مقام الحديث عنها أو سردها.

ولكن، دعونا لا ننسى أن نسبة قليلة، يظن البعض أنها لا تتجاوز العشرة بالمائة، هي التي تعلم ما يجري وتخطط له وتعيش كما لا يعيش عوام أهل هذا البلد، فهي فئة قليلة النوم، كثيرة العمل، مجتهدة غاية الاجتهاد، لمصلحة نفسها أولا ثم لمصلحة البلاد.

ثم يأتي هؤلاء القوم، سواء “الفاتنون” أو “المفتونون” ليحاولوا الوقوف وفهم كل سر وراء كل أمر من أوامر الإسلام!
“لماذا خمس صلوات وليس ست أو سبع أو عشر أو عشرون؟” و”لماذا الزكاة؟” و”لماذا الحج إلى الكعبة بالذات؟” و”لماذا الطواف حول الكعبة عكس عقارب الساعة؟” و”لماذا تقبيل الحجر الأسود؟” ثم “لماذا هو أسود؟” و”لماذا الذبح والأضاحي؟” و…؟ و…؟ و…؟

كم هو مظلوم هذا الإسلام بين سوء “تسويق” أهله له، وبين جهل وتشكيك خصومه به، ولو أننا نحن المسلمين أولا قبل غيرنا “أسلمنا” واتبعنا، لوجدنا الإجابات تأتي تباعاً كحقيقة واقعة ومشاعر وسلوك إيجابيين في حياتنا اليومية عوضا عن الإجابات “الجافة” التي يبحث عنها البعض وكأنهم يفككون “معادلة رياضية”!!!.

أذكر أن أحدهم سألني مرة: “ما شأن اليمين واليسار في الإسلام؟ لماذا الدخول باليمين والخروج باليسار في أحيان والدخول باليسار والخروج باليمين في أحيان أخرى؟” وقبل أن أجيبه ببعض ما أعلم من مظاهر الحكمة في هذا الشأن تذكرت أن ذات الشخص هو الذي أبدى إعجابه مرة بنظام فتح الأبواب وإغلاقها في المحلات والأسواق والأماكن العامة في أمريكا، حيث إن في معظم الأماكن يكون فتح الباب إلى الخارج عند الدخول، أي بالسحب، وبالدفع عند الخروج؛ إلا في بعض أماكن ذوي الاحتياجات الخاصة أو الأماكن التي يكون هذا النظام فيها يصعب الأمر ولا يسهله! فقلت له: أنت تشكك في أمر، هو اختياري في معظمه يأتيك من “إله” ثم تمتدح النظام ذاته مع إنه “إجباري” لأنه قدم من “إله آخر” أنت جعلته لك إلهاً ؟!

ولكن هذا لا يعني أن الأمر بالسوء الذي يظهر من خلال تركيزي على هذا الجانب السالب في الحياة الأمريكية…
إن تسليم أهل أمريكا الأمر لقيادتهم وقوانينهم، بالرغم من كل هذا الكم من الجهل “الظاهر”، كان من أهم أسباب النظام الذي أصبح عادة لديهم في هذا البلد ؛ سواءً في طابور السوق أو عند إشارة المرور أو في غرفة الانتظار في المصرف أو المشفى أو غيره أو في المصنع أو في مواضع الإدارة أو في مكاتب البريد أو في “المترو” أو “القطار” أو “الطائرة” أو… إلخ. وهذا أمر لا ينكره إلا جاهل أو جاحد.

فما بالنا، إذا كان الأمر حول الإسلام، نأتي لنتوقف متشككين ومنشغلين بأسئلة لا طائل منها سوى إضاعة الوقت في معظم الأحيان؟!

هذا، مع عدم إغفال حقيقة غاية في الأهمية، وهي إن الإسلام يدعو إلى التفكر والفهم ومحاولة حل علامات الاستفهام في نفس الوقت الذي يقوم الأمر فيه على “الإسلام” وهو “إسلام” الأمر لله الذي يعلم الأمر من قبل ومن بعد.

كيف لا؟ والإسلام لا يكلف إلا أهل “العقل”…!

د. عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي
“مدينة تشارليستون، قلب ولاية كارولينا الجنوبية”