ماذا فعلت بي أيتها البرمجة اللغوية العصبية؛ لـ ريم حسن

كتبتها: ريم حسن

لفترة .. كنت منبهرة بالبرمجة اللغوية العصبية ..

كنت أعتبرها وسيلة لترويض النفس لتكون ناجحة متميزة

و كان صديقاتي يحذرونني من مغبة الانبهار بها ، نظرا لما تحويه من مخالفات عقدية

و كان ردي لهم، لا داعي للقلق ، فأنا و لله الحمد متدينة ولدي عقل أميز به بين الحق و الباطل!

و أنا سأعمل بما هو صواب فقط و سأجتنب خرافاتها..

و هكذا .. مرت بي الأيام ..

و كنت حينها في آخر فصل دراسي لي في الجامعة

و كانت البرمجة قد بلغت مني مبلغها .. لدرجة أني كنت أقول لصديقاتي أني أشعر أنني سأحصل حتماً على الوظيفة التي أريدها..

فكانوا يقولون لي : طيب قولي إن شاء الله!

فكنت أقولها من باب أنهم أمروني بها .. و ليس إيماناً بها!!!!

كما أنني كنت واثقة أنني سأحصل على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف

و كنت أخرج من اختبار كل مادة و أنا سعيدة واثقة من نفسي و من إجاباتي

إلى أن جاء اليوم الذي اكتشفت فيه أنني حصلت على تقدير جيد في أغلب المواد!!!!

صدمت ..ذهلت ..فقد كنت فعلا متأكدة من إجاباتي!!!

و رغم أنني طوال عمري كنت من أهل تقدير الامتياز .. إلا أنني تخرجت من الجامعة بتقدير جيد جدا و بدون مرتبة الشرف!

و بعد تخرجي بعدة أيام وجدت هذه الرسالة في بريدي ، و التي كانت بمثابة صفعة أيقظتني من غفلتي ..

نص الرسالة :

الثقة بالنفس… كلمات جميلة براّقة.. كلمات يرسم لها الخيال في الذهن صورة جميلة، ظلالها بهيجة..

تعال معي أيها القارئ الكريم نتأمّل جمالها:

إنها صورة ذلك الإنسان الذي يمشي بخطوات ثابتة وجنان مطمئن..

إنها صورة ذلك الصامد في وجه أعاصير الفتن..

إنها صورة ذلك المبتسم المتفائل برغم الصعاب..

إنها صورة ذلك الذي يجيد النهوض بعد أي كبوة ..

إنها صورة ذلك الذي يمشي نحو هدفه لا يلتفت ولا يتردد..

ما أجملها من صورة!

لذلك تجد الدعوة إلى “الثقة بالنفس”منطلق لتروييج كثير من التطبيقات والتدريبات..

فكل أحد يطمع في أن يمتلكها، وكل أحد يودّ لو يغير واقع حياته عليها..

ولكن.. قف معي لحظة، وتأمل هذه النصوص:

{ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا } [الإنسان:1].

{ يأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [فاطر:15].

{ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا } [النساء:28].

{ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَدًا . إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ } [الكهف: 23].

{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:5].

وتفكّر معي في معاني هذه الدعوات المشروعة:

“اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك… أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي…”

“اللهم إني استخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تعلم ولا أعلم…”

“اللهم لا حول ولا قوة لي إلا بِك…”

” اللهم إني أبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوّتك…”

” اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي…”

“اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك فأهلك…”

“اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك…”

ألا ترى معي – أيها القارئ الكريم- أن النفس فيها تتربى على أن تعترف بعجزها وفقرها، وتقرّ بضعفها وذلّها، ولكنها لاتقف عند حدود هذا الاعتراف فتعجز وتُحبط وتكسل، وإنما تطلب قوّتها من ربها، وتسعى وتعمل وتتذلل لمن بـ “كن” يُقدرها على مايريد، ويُلين لها الحديد، ويعطيها فوق المزيد…

هذه – يا أحبّة – هي طريقة الإسلام في التعامل مع النفس، والترقّي بها، وتتلخّص في:

أولا: تعريفها بحقيقتها، فقد خلقها الله من عدم، وجبلها على ضعف، وفطرها على النقص والاحتياج والفقر.

ثانيًا: دلالتها على المنهج الذي يرفعها من هذا الضعف والفقر الذي جُبلت عليه، لتكون برغم صفاتها هذه أكرم خلق الله أجمعين!! تكريمٌ تجاوز به مكانة من خلقهم ربهم من نور، وجبلهم على الطاعة ونقّاهم من كل خطيئة ” الملائكة الأبرار”!!!

ثالثًا: تذكيرها بأن هناك من يريد إضلالها عن هذا الطريق بتزيين غيره مما يشتبه به لها، وحذّرها من اتّباعه، وأكد لها عداوته، وأبان لها طرق مراغمته..

إنه المنهج الذي تعترف فيه النفس بفقرها وذلّها، وتتبرأ من حولها وقوّتها، وتطلب من مولاها عونه وقوّته وتوفيقه وتسديده..فيعطيها جلَّ جلاله، ويكرمها ويُعليها..
منهج تعترف فيه بضعفها واحتياجها، وتستعين فيه بخالقها ليغنيها ويعطيها، ويقيها شر ما خلقه فيها..فيقبلها ويهديها، ويسددها ويُرضيها..

منهج تتخذ فيه النفس أهبة الاستعداد لعدوّها المتربص بها ليغويها، فتستعيذ بربها منه، وتدفعه بما شرع لها فإذا كيده ضعيف، وإذا قدراته مدحورة عن عباد الله المخلصين.. فقد أعاذهم ربهم وكفاهم وحماهم هو مولاهم، فنِعم المولى ونِعم النصير..

إنه منهج يضاد منهج قارون : { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي }.

إنه منهج ينابذ منهج الأبرص والأقرع : “إنما ملكته كابراً عن كابر”.

إنه منهج يتبرّأ صاحبه أن يكون خصيماً مبيناً لربه الذي خلقه وربّاه بنعمه، أو ينازعه عظمته وكبريائه.

إنه منهج لايتوافق مع مذهب”القوة” الذي يقول زعيمه “نيتشه”: سنخرج الرجل السوبرمان الذي لا يحتاج لفكرة الإله؟!

إنه منهج يصادم منهج الثيوصوفي “وليام جيمس” ومذهبه البراجماتي، وأتباعه “باندلر وجرندر”، ومن سار على نهجهم من بعدهم: ” أنا أستطيع.. أنا قادر.. أنا غني.. أنا أجذب قدري..”.

تأمّل هذا – أيها القارئ الكريم – ولا يشتبه عليك قول الله عز وجل: { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ }، فقد قال بعدها { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }؛ فمنه يُستمد العلوّ، وبدوام الإلحاح والطلب منه تتحقق الرفعة..

احذر – أخي – ولا يشتبه عليك قول الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم: « الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَىٰ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ » فالمؤمن القوي ليس قوياً من عند نفسه، ولا بمقومات شخصيّته، تدريباته وبرمجته للاواعي! وإنما هو قوي لاستعانته بربّه، وثقته في موعوداته الحقة..

تأمّل كلمات القوة من موسى -عليه السلام – أمام البحر والعدو ورائه: { قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }…ثقته ليست في نفسه، وقد أُعطي – عليه الصلاة والسلام – من المعجزات وخوارق العادات ما أعطي!!! وإنما ثقته بتوكّله على الذي يستطيع أن يجعله فوق القدرات البشرية، بل يجعل لعصاه الخشبية قدرات لايستطيعها أساطين الطقوس السحرية..

تأمّل – أخي الكريم – هذه الكلمات النبوية « اسْتَعِنْ بِاللّهِ. وَلاَ تَعْجِزْ »..

إنها كلمات الحبيب صلى الله عليه وسلم، يربّي أمّته على منهج الإيجابية والفاعلية، ليس على طريقة أهل البرمجة اللغوية العصبية..

لم يقل: تخيل قدرات نفسك..

لم يقل: أيقظ العملاق الذي في داخلك وأطلقه..

لم يقل: خاطب اللاواعي لديك برسائل ايجابية، وبرمجه برمجةً وهمية..

وإنما دعاك – عليه الصلاة والسلام – إلى الطريقة الربانية « اسْتَعِنْ بِاللّهِ. وَلاَ تَعْجِزْ »..

فاستعن به وتوكل عليه، ولا تعجزن بنظرك إلى قدراتك وإمكاناتك، فأنت بنفسك ضعيف ظلوم جهول، وأنت بالله عزيز.. أنت بالله قوي.. أنت بالله قادر.. أنت بالله غني..

ومن هذا الوجه، ومن منطلق فهم معاني العبودية، وفقه النصوص الشرعية، قال الشيخ الكريم والعلامة الجليل بكر أبو زيد – حفظه الله – في كتابه “المناهي اللفظية “: أن لفظة الثقة بالنفس لفظة غير شرعية وورائها مخالفة عقدية…”

فإن رجوت – في زمان تخلّف عام يعصف بالأمة – رفعة وعزة ونهضة وإيجابية…

وإن أردت تواصلا -على الرغم من الصعاب – بفاعلية..

وإن رغبت في نفض الإحباط عنك، والتطلّع إلى الحياة بنظرة استشرافية تفاؤلية؛ فعليك بمنهج العبودية على الطريقة المحمدية، ودع عنك طريقة باندلر وجرندر الإلحادية؛ فوراءها ثقة وهمية ممزوجة بطقوس سحرية، وقدرات تواصل مادية، تشهد على فشلها فضائحهم الأخلاقية، ومرافعاتهم القضائية التي ملئت سيرتهم الذاتية.

فحذار من هذه التبعية إلى جحر الضب الذي حذّرك منه نبيك في الأحاديث النبوية، وحذار من استبدال الطريقة الربانية بتقنيات البرمجة العصبية، فإنها من حيل إبليس الشيطانية وتزيينه للفلسفات الإلحادية؛ لتتكل على نفسك الضعيفة وقدراتك البشرية فيكلك لها رب البرية، ويمدك في غيك بحصول نتائج وقتية، وشعور سعادة وهمية..حتى تنسى الافتقار الذي هو لبّ العبودية، فتُحرم من السعادة الحقيقية . أ. هـ.

نعم أعترف أنني – في تلك الفترة – كنت أعتمد على نفسي فقط ، و لم أعد أؤمن بالدعاء و لا بالتوكل على الله!

صحيح أنني لم أقلها لأحد صراحة .. لكن هذا ما كنت أشعر به في داخلي..

و ستظل شهادتي الجامعي تذكرني بهذا الذنب الذي اقترفته طوال حياتي

يا حي ياقيوم برحمتك أستغيث .. لا تكلني إلى نفسي طرفة عين و أصلح لي شأني كله