قبول الآخر أم مصطلح آخر ؟!

على هامش الحديث عن الأدب والرواية

قبول الآخر أم مصطلح آخر ؟!

أصل هذه الرسالة تعليق على قصة أرسلتها إليّ إحدى الأخوات: ه

القصة: ه

أستاذ الجامعة: عليكم يا شباب أن تتعلموا كيف تقبلون الآخر. لا تركنوا إلى قيم الجاهلية، عليكم أن تتعلموا كيف تتواصلون مع الجانب الإنساني لشخصيات الرواية وكيف تتعاطفون مع ذلك القاتل وتلك الساقطة وذلك المحب للخمر وهذا السارق؛ أليسوا “بني آدمين”؟ ألم يقل فرويد أن لكل هؤلاء ما يبرر كل ما يفعلوه؟ فالقاتل كان أبوه عنيفا! والساقطة حرمت من حنان الأم وحاول المجتمع الذكوري السيطرة عليها! أما مدمن الخمر فمحروم من الحب مما دفعه لتغييب عقله، أما السارق فمحروم منذ صغره من أساسيات الحياة! وهذة عقده “لازم” ينفس عنها. فلتحترموا كل هؤلاء يا شباب؛ فلتحترموا جميع الناس؛ وإلا فقد فقدتم أهم ما يميزكم في هذا العالم: الإنسانية! ه

الطالب: ولكن يا أستاذ، هذه ليست قيمنا! وإذا بررنا لكل شخص فجراته فلن يكون هناك حدود للصواب والخطأ ولن يكون هناك كوابح؛ بل لعلنا نفعل كل هذة الموبقات ونبررها لأنفسنا كما بررناها لغيرنا! ه

الأستاذ: هل تكفر بنظرية قبول الآخر؟ لقد فقدت إنسانيتك إذن يا بني وتجردت من مشاعر راقيه جدا! ه

الطالب: لكن يا أستاذ … ه

الأستاذ: فكر يا بني قليلا، واحترم الآخر لكي تكتسب احترام ذاتك! ه

الطالب: يا أستاذ، هم أنفسهم لا يقبلون الآخر؛ هل يقبلون الزنوج؟ هل يقبلون العرب؟ وحتى إذا قبلوهم فبصيغة المن والتعاطف والرغبة في التنوير لهؤلاء السذج! هل يقبل الجندي الأمريكي في العراق وأفغانستان الآخر؟ هل يقبل ذلك الألماني شهيدة الحجاب؟ هل تقبل قنوات التلفاز المتحجبات؟ هل تقبل الحكومات خصومها ومعارضيها؟ إنك بهذة الطريقة تطلب منا أن نحترم الآخر! وهو الشيء الذي سوف يؤدي حتما لتبني أفكاره والانبهار بها !!! فالقاتل والساقطة ومدمن الخمر والسارق قصصهم أكثر درامية وإبهارا من الشخصيات السوية؛ وما تروج له سوف ينتهي بنا أن نكون أحد هؤلاء! ويا ريت نتنازل عن هويتنا وننبهر بأناس ربما يبادلونا الاحترام، بل نحن نفعل هذا من أجل أناس يعلنون على الملأ قبول الآخر ويبطنون عداء وفوقية واحتقارا غير عادي لنا نحن العرب مثلا! أرى أن هذا من باع دينه للشيطان لكي يشتري الدنيا، فأبى الشيطان، فما كان منه إلا أن خسر الدنيا والآخرة مهما “سجد” للآخر وادعى أن هذا من لوازم الإنسانية والرقي !!! ه

الأستاذ: انظروا يا جماعة! إنه يفلسف الأشياء ويشكك في إنسانية كل الروايات الغربية الرائعة! ماذا ستفعل؟ هل ستقيم الحد على مدام بوفاري؟ هل سترجمها؟ هل ستقتل هنادي في دعاء الكروان؟ أم ستحل دماء سي السيد في الثلاثية؟ وهل ستقطع يد السائق في رجال في الشمس؟ إنك مهرج لا تستطيع تقييم الروح الإنسانية، تحكم عليها وكأنك إله! والله نفسه يغفر ويسامح. ه

الطالب: سوف أحلل تلك الشخصيات؛ لكن لا تجبرني أن أصورهم كضحايا! هم ضحايا لأنفسهم فقط، ربما أكشف عن مرض نفسي هنا وآخر هناك! لكن لا تجبرني أبدا على تقديمهم كأبطال !!! إن الله غفور ورحيم، ولكنه منتقم وجبار، وقد تبين الرشد من الغي يا أستاذ! ووجود كوابح هي حماية للمجتمع كله، وتأليه هؤلاء المجرمين تحت شعار قبول الآخر هو جريمة في حق القراء وفي حقنا أيضا كطلبة! ه

الأستاذ: هذا ليس فنا ولا إبداعا، هذا تخريف! ه

الطالب: هذا هو الحق! وأن نميع الحق والباطل هو تمييع لمعايير إنسانيتنا! ه

الأستاذ: على فكرة، كان ممكن جدا تدخل كلية دار العلوم بدل ما انت تاعب نفسك وداخل آداب !!! الكلية دي مش بتاعة الي زيك. ه

الطالب: أنت تطلب مني أن أقبلك، فإذا لم أفعل تهزأ مني! فإما أن أنسحق أمامك تماما، وإما أن تسحقني! أنت تناقض نفسك جدا يا أستاذ! ه

الأستاذ: انتهى النقاش؛ بركاتك يا سيدنا الشيخ! ه

يضحك الطلبة وتضج القاعة بالضحك. ه

انتهى المشهد

ربما كان هذا الطالب هو ضمائرنا التي انسحقت يوما أمام المصطلح التخريبي لقبول الآخر. ه

انتهى النص

تعليقي: ه

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحابته ومن اتبع هداه إلى يوم نلقى الله

هذا المشهد ومثله كثير من المشاهد تتكرر في حياتنا سواء في مجالس العلم الأكاديمي أو على الفضائيات أو في الاجتماعات الأسرية والعائلية وغيرها، وقد رأيت شخصيا مثل هذا الجدال وحضرته بنفسي في مواقف عديدة، وربما يمثل المشهد صورة من صور السجال الدائر منذ زمن ليس ببعيد بين (بعض) دعاة (التنوير) من جهة و(بعض الإسلاميين) من جهة أخرى. وكلا طرفي السجال له وعليه، وأزعم أن هناك وسطا بين الطرفين. ه

ساحاول الاختصار منطلقا مما جاء في (نص المقال): ه

الأستاذ (كما أراه انعكاسا لصور مخزونة في مستودع دماغي): هو منتج من منتجات التعليم (العلماني الاستغرابي العولمي) سواء كان عربيا أو غربيا أو استشراقيا أو غير ذلك. هو صورة من تلك المدرسة التي تقدس الفن (مع التحفظ على اختزال هذا المصطلح في التعبير الإنساني الشعوري أو الخيالي فقط) وصوره المختلفة المتمثلة في هذا المشهد بـــ (الرواية وعناصرها الدرامية) وتحاول أن تبشر برسالة الفن الإنسانية أولئك (المتخلفين) من أبناء الوطن العربي الذي تجمدت أفكارهم وقست قلوبهم إما بسبب التربية الشرقية أو (الدينية) أو كليهما؛ وهو الذي يحاول أن يحيا الإنسانية بكل أبعادها ويخشى عليها مما قد يدنسها أو يمسخها من أفكار وأفعال؛ وهو الذي يظهر على كلماته وأفعاله نوع واضح من (مصادرة الرأي الآخر) بحجة الانفتاح و(أنا أعرف أكثر). كما يظهر عليه ذلك النوع من السلوك الحكمي والإقصائي والتهكمي في عبارات مثل: “قيم الجاهلية، تكفر بنظرية الآخر، لقد فقدت إنسانيتك وتجردت من مشاعر راقية جدا، انظروا يا جماعة (وكأنه يختزل من في القاعة كلهم إلى صفه مقابل ذلك الطالب الذي جاء من كوكب آخر)، يفلسف الأشياء ويشكك في إنسانية كل (تعميم) الروايات الغربية الرائعة (رأيه أنها رائعة ويجب على الجميع اعتبارها كذلك)، تقيم الحد، تقتل، تحل دم، تقطع يد، إنك مهرج، كأنك إله، هذا تخريف، الكلية دي مش بتاعة الي زيك، بركاتك يا شيخ” !!! ه

الطالب (كما أراه انعكاسا لصور مخزونة في مستودع دماغي): هو شاب متحمس لفكرة الإسلام ومستنفر على الدوام بحيث إنه جاهز للاستجابة والانفعال عندما يتنبه لأي مثير خارجي يمس ما هو يحيا لأجله أو يدافع عنه. ويتمثل هذا المنبه هنا في (الأستاذ) الذي يمثل في رأي الطالب (بناء على صور سابقة أو أمثلة قرأ عنها أو تعلمها من مشائخه ومعلميه أو رآها على فضائيات أو غير ذلك) شخصا رافضا للإسلاميين وللفكر الإسلامي وتهديدا باطنا لقيم المجتمع الإسلامي؛ ولهذا السبب ولسبب آخر هو شعوره بالمسؤولية عن الإسلام الذي يرى أنه يكاد يكون الوحيد في تلك القاعة يهمه أمره في وسط عشرات من الطلاب الذين سلموا أدمغتهم وهويتهم لأستاذهم ومنظومته الفكرية ولسبب ثالث هو حالة الاستنفار التي استفزتها كلمات وعبارات مثل “قبول الآخر، الجاهلية، الرواية، تعاطف، قاتل و(ساقطة) و(محب) للخمر وسارق، فرويد، إلخ”؛ لكل هذا نراه يقفز مباشرة إلى حالة (الدفاع) عما يراه تهديدا مباشرا وخطرا كامنا، فيقع في فخ الدفاعية والتحول للحديث عن الغرب وأمريكا والحجاب وألمانيا (شعورا منه بأن فكر الأستاذ امتداد لهذه المنظومة) ثم التركيز على منظومة العقاب لحماية المجتمع الإنساني من الضعف وعواقبه، في حين كان ينبغي عليه أن يبدأ بشيء من التقديم لما يراه فرقا بين التبرير والتعايش والتراحم (مثلا)؛ ثم هو في نفس الوقت يحاول (قدر استطاعته) أن يلتزم حدود الأدب في (دفاعه) عما يعتقده مع (أستاذه) فيكتفي بتقرير ما يعتقده دون هجوم ولا اعتداء ولا اتهام (ما عدا عبارة مثل: “أرى أن هذا من باع دينه للشيطان لكي يشتري الدنيا”). ه

رأيي: هناك مشكلة في طرح مثل هذا النوع من الأطروحات الإنسانية أو الفكرية، سواء كانت جهة الطرح دينية أو لا دينية، أجدني دائما عندما أستمع إلى مادة من المواد أو عندما أحضر في مجلس علم مستمتعا بالطرح حتى يبدأ المعلم/المعلمة بالوقوع في فخ الدفاعية أو الهجوم غير المبرر أو الشخصنة أو الصنمية أو غير ذلك مما يضر (كما أراى) بالعدل في الطرح والموضوعية في التعليم. ه

هناك فرق كبير بين حالة الإنسانية والرحمة وما يتبعها مما أسميه (التقبل الإنساني غير المشروط) والتفهم لحالة النفس أو الآخر بكل اشكاله (مسلم أو غير مسلم وملتزم او غير ملتزم وطائع أو عاصي، إلخ) من جهة، وموافقة الفكر أو الفعل من جهة أخرى.
ومن هنا، فإن بعض التعليقات (التي سمعتها وقرأتها) على المقال هي أيضا كانت صورة من صور الحكم على الآخرين الحاصل دوما في أذهاننا وأفعالنا أدركنا ذلك أم لم ندركه؛ بل إن أصحاب التعليقات لم يكتبوا ما كتبوه إلا انعكاسا لأحكام مسبقة عن الشخصيات الواردة في هذا المشهد (الأستاذ والطالب وشخصيات الروايات)، ه

لن أفصل هنا في آداب الحوار ومهارات المناظرة وغير ذلك ، لكنني سأختم بقصص وأمثلة (ربما تعرفونها) لعلها تسلط الضوء على الموضوع من زاوية أخرى: ه

روى عبد الرحمن بن صخر (أبو هريرة) عن رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قوله: “غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي (أي: بئر) يلهث، قد كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك”، [والحديث إسناده حسن ورجاله رجال الشيخين: البخاري ومسلم] ه

وروى عمر بن الخطاب أن رجلا كان يلقب حمارا (وفي رواية: اسمه عبد الله بن حمار)، وكان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم العكة من السمن والعكة من العسل (وفي رواية: فيأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أهديت هذا لك يا رسول الله)، فإذا جاء صاحبها يتقاضاه (أي: يبتغي ثمنه) جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: “يا رسول الله، أعط هذا ثمن متاعه”، فما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبتسم (وفي رواية: وكان يضحك رسول الله ويقول: “أو ليس إنما أهديته لي؟”) ويأمر به فيعطى، فجيء به يوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شرب الخمر (وفي رواية: وكان رسول الله قد جلده في الشراب)، فقال رجل: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تلعنوه (وفي رواية: لا تسبه)، فإنه يحب الله ورسوله”، [والحديث إسناده حسن ورجاله ثقات عند البخاري]. ه

وروى أبو يوسف القاضي وغيره أن أبا حنيفة النعمان بن ثابت (الإمام المشهور) كان له جار بالكوفة إسكافي (وفي رواية: كيال) يعمل كل نهاره فإذا جاء الليل رجع إلى منزله واشترى لحما وسمكا فيطبخ اللحم ويشوي السمك ثم يشرب الخمر حتى إذا دب فيه السكر أنشد: أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر (وهو مطلع أبيات للعرجي)، ولا يزال يشرب الخمر ويردد هذا البيت إلى أن يغلبه السكر فينام، وكان أبو حنيفة طويل قيام الليل، ويدخل عليه صوت جاره وإنشاده، ثم في بعض الليالي فقد صوته فسأل عنه فقيل له: أخذه العسس (أي: الشرطة) منذ ثلاثة أيام وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة الفجر ثم ركب بغلته وتوجه إلى أمير الكوفة، وكان قليل الزيارة له، فاحتفى به الأمير وأجلسه مكانه وسأله عن حاجته فقال أبو حنيفة: “لي جار إسكافي أخذه العسس منذ ثلاثة أيام، فتأمر أن يخلوا سبيله”، فأمر الأمير أن يخلوا سبيله وكذلك من حبس معه في تلك الليلة، فلما وصلا إلى الدار قال أبو حنيفة للإسكاف وهو يتبسم له: “يا فتى: أترانا أضعناك؟”، فقال الإسكاف: “لا والله بل حفظت ورعيت، فجزاك الله خيرا عن حرمة الجوار ورعايته، ولن أشرب بعد اليوم الخمر”، [وردت القصة في أخبار أبي حنيفة للصيمري، ووفيات الأعيان لابن خلكان، وجذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس للحميدي، والوافي بالوفيات للصفدي]. ه

أسأل الله أن يبصرنا بالحق وأن يهدي بنا

اللهم آمين

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي