متلازمة الضياع عند (الطابور السادس): التهريج تحت قناع الكوميديا الناقدة أنموذجا

كتبت في 30/1/2013

متلازمة الضياع عند الطابور السادس: التهريج تحت قناع الكوميديا الناقدة أنموذجا:

هو/هي: إذا كنت شابا أو شابة، نشأت نشأة تقليدية، تربيت على أن أتميز في كل شيء إلا الهدف الذي خلقت من أجله، وكغيري من أبناء وبنات جيلي، فقد أضعت الكثير من الوقت في مشاهدة التلفزيون وما يعرضه حتى أصبحت أحلم أن أكون من النجوم يوما من الأيام! ثم أولعت بـ السينما وما تعرضه هوليوود حتى رأيت نفسي في الحلم الأمريكي وأصبح هذا ما يسري في نفسي وأسلوب معيشتي، ثم أحببت الكاميرا الإعلام التصوير الفوتوشوب الإخراج وربما كتابة النصوص أو ما يعرف بـ السيناريو، فصارت تأخذ من وقتي الشيء الكثير، وصرت أقضي الأوقات الطويلة أتابع أخبار السينما النجوم وأعمل على الحاسوب لتعلم فنون الفوتوشوب وغيرها من أدوات المونتاج والتقطيع، ثم رأيت في نفسي نزوعا إليها أبعدني عن كل ما عدا ذلك من موهبة أو هواية ربما تكون محبوسة في داخلي ولم تر النور، فسعيت إلى إتقان هذه الفنون والتخصص فيها بأي شكل من الأشكال، ولا أخفيك أن الشهرة والظهور على الشاشة هاجسان مهمان في حياتي، ولكنني أحمل رسالة خير أريد أن أبثها من خلال هذه الفنون ! ولأنني أعرفك يا دكتور، فأنا أعلم أنك ربما سألتني عن العلم الشرعي، فأقول: بالطبع، لقد تعلمت في المدرسة الكثير، كما إنني أصلي الجمعة وأسمع الخطبة، إلا إنني لا أقتنع بكثير مما يقولونه، ولهذا أجدني أكثر انجذابا للاستماع إلى بعض (وليس كل) الدعاة الجدد! سؤالي هو: ما هو توصيفك لهذه الشخصية ؟! وهل من الخطأ أن تكون هذه هي اهتماماتي ؟!

الدكتور: قبل الجواب، ذكرت أنك تعرف الكثير عن الشرع، فهل يظهر أثر ذلك العلم الشرعي على حياتك اليومية = الشخصية والسلوك ؟!

هو/هي: ماذا تعني ؟!

الدكتور: وصلتني الإجابة بمجرد سؤالك لي (ماذا تعني) !!! على أي حال، كيف هو جدول حياتك اليومية ؟!

هو/هي: أستيقظ صباحا، أخرج إلى الجامعة أو الشركة، أجتمع بزملائي وزميلاتي بعد الفراغ من المحاضرات أو العمل، أعود إلى البيت متأخرا أو ربما مبكرا بعض الشيء، ولكني أفضل الخروج على الجلوس في البيت، معظم الوقت يكون في الأماكن العامة: الأسواق والمطاعم والمقاهي، وربما اجتمعنا في بيت زميل أو زميلة لمشاهدة مباراة كرة قدم أو لعب PlayStation أو الورق (الشدة أو الكرت كما يسمونه في بعض الأماكن)؛ وهكذا !!!

الدكتور: لم أجد ذكرا لـ الصلاة في حديثك عن حياتك اليومية، من الفجر وحتى العشاء! كما لم أر ذكرا لـ الدراسة والمذاكرة أو القراءة!

هو/هي: لا لا لا يا دكتور، أنا أصلي طبعا، ولكن هذا أمر طبيعي، ثم إن الصلاة أمر بيني وبين الله ولا أرى أن أذكره أمام الناس! أما الدراسة والمذاكرة فهي ليست عملا يوميا بالنسبة لي، ربما ليلة الامتحان، وربما دبرت أمري مع زملائي وزميلاتي! أما القراءة فهي عمل ممل وأعوضه بمشاهدة الأفلام وبعض القنوات العلمية مثل National Geographic أو Discovery وغيرها! وإن كان ولا بد، فبعض كتب التنمية البشرية وقصص النجاح وما شابهها.

الدكتور: سأتجاوز عدم ذكرك لـ الصلاة كونها (أمر طبيعي) مع إن الجامعة والعمل أمر طبيعي كذلك، وهذا يعني أنك ذكرت ما يعنيك في حياتك! أما عن الدراسة المذاكرة القراءة، فيكفيني ما قلت لتأكيد التشخيص، عذرا، أعني، التوصيف. سؤالي الآن: هل أنت من أهل التدخين؟

هو/هي: وما علاقة هذا بالموضوع؟ على أي حال، نعم، أعني لا، أعني أحيانا، لا أدري إن كنت تعتبر الأرجيلة أو الشيشة من هذا، لأنني أؤرجل كثيرا مع الشلة! ولكني أعرف خطرها! ولا أرى في هذا تناقضا مع ما لدي من الخير!

الدكتور: حسنا، نقف هنا، لأعود وأذكر نفسي وإياك بسؤاليك (ما هو توصيفك لهذه الشخصية ؟! وهل من الخطأ أن تكون هذه هي اهتماماتي ؟!)، ومن هنا أقول، بالنظر إلى ما ذكرته في توصيفك لنفسك: إذا كان الوصف دقيقا فعلا، فأنا في حالة أشبه ما تكون بـ الطاقة الكامنة التي تنتظر ما يوجهها إلى أي شيء، أقول: أي شيء. إذا كنت كذلك، فأنا بكل جدارة من الطابور السادس الذي يفرح العدو لوجوده في الأمة مهما ادعيت عدائي له أو حتى شتمته أو سببته أو أعلنت مقاومته! كما إنني عرضة لأن أكون أحد/إحدى ضحايا الشهرة الإعلام السينما، وبالتالي، سأكون من الحريصين على ترجمة فكري وشعوري من خلال ما أحلم به في عالم الوهم المعروف اليوم بـ الإعلام عموما والسينما خصوصا، وربما وجدت نفسي الضائعة بكل سهولة اليوم في صفحة على Facebook أو Twitter أو YouTube أو غيرها من النوافذ المشرعة التي صار يعتليها كل من هب ودب لتكون المنبر الذي يلبس/تلبس فيه قناع الثقافة الفكر التغيير أو على الأقل الترفيه. أقول: إذا كنت كذلك، فربما ينتهي بي الأمر لأكون من أولئك المهرجين الذين يمارسون التهريج تحت قناع الفن الكوميديا توصيف وتشخيص المجتمع وغيرها من أقنعة واهمة لا تقدم أي علاج وحلول، إنما هي سخرية تفرغ ما في جعبة النفس من أمراض دون جديد نافع. وربما انتهى بي الأمر لأكون من بعض أهل StandUpComedy من أمثال خرابيش أو تحشيش أو N2O Comedy وغيرهم في الأردن، ومثلهم أكثر في مصر وغيرها، وربما أكون باسم يوسف مصر أو غيره ممن طغت لديهم الموهبة على الفكر النافع. وربما أكون أحد ضحايا باسم يوسف تحت مسمى فريق العمل، أولئك الذين يرون فيه المثل الأعلى ـ لا لشيء إلا لأنه يحسن لغة التهريج بـ شياكة، بغض النظر عن كل ما يسقط منه على الطريق من آداب أخلاق مروءة علم إنسانية أو وطنية!

لافتة: لغة السخرية والتهريج أصبحت لغة عالمية وعولمية، ومن شأنها أن تنتشر أكثر من غيرها طالما توفرت لها الشروط والظروف: الجهل لفراغ الذهني الفراغ الزمني التفاهة المظاهر السطحية عقدة النقص وغيرها.

على الهامش: النماذج التي تشبه باسم يوسف أو تتشبه به نماذج كثيرة كثيرة، سواء سبقته في الظهور أو لحقت به، ولكنها أقل شهرة بسببين: مكانة مصر الإعلامية، وتعداد نفوس مصر التي تشاهد وتستخدم الإنترنت، ولكن الصورة متكررة إلى حد الملل، في الأردن السعودية تونس سوريا العراق وغيرها.

وعلى الهامش أيضا: كثير من هؤلاء ينتقدون أشياء هم أحد أبرز عناصرها، ولقد أضحكني أحدهم عندما كان يسخر من الذين يظنون أن الجامعة (نادي ليلي) في نفس الوقت الذي كان يرتدي T-Shirt عليه صورة من إعلانات شبيهة بذلك !!!

وعلى الهامش أيضا: من المثير للشفقة أن يظن كثير من الشباب من الجنسين أنهم يمارسون دورا مهما في تاريخ مصر عندما تكون وظيفتهم في البرنامج (من التاسعة صباحا وحتى الثامنة ليلا) هي مراقبة الناس والبرامج لدى الآخرين لاستخراج ما يكون مادة مثيرة لـ السخرية حتى تقدم مجموعة ليتناولها عرابهم وكبيرهم الذي علمهم التهريج تحت قناع النقد. أعني باسم يوسف وضحاياه، عذرا، أعني: فريق العمل الذي فرغت أدمغتهم وقلوبهم ليخلو له الهوى! أقول: أي قسوة قلب تعتري قلوب هؤلاء الشباب ولا هم لهم إلا تتبع عورات الناس والسخرية منهم والهزل الذي لا يقيم نفسا ولا مجتمعا ولا أمة.

لافتة مهمة: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله، وإنما التوصيف هنا لما يظهر لنا من أعراض وصور وسلوك ومنتجات ومخرجات، مهما كانت الأعذار والنوايا الطيبة، قال الله (قل: هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم – يحسبون – أنهم يحسنون صنعا). أسال الله ألا أكون ظلمت أحدا في تشخيصي هذا.

نفع الله بالجميع واستخدمنا فيما يحب ويرضى

والسلام

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي
30/1/2013