في وداع عبدالرحمن بن عادل المحيسن؛ كلمات في عادل المحيسن: عملاق في تواضع بشر

في وداع عبدالرحمن بن عادل المحيسن

كلمات في عادل المحيسن: عملاق في تواضع بشر

عرفته أول ما عرفته عام 1990 في الخبر، شرق الجزيرة العربية، كنت حينها في العام المدرسي الأخير، وكنا قد قدمنا منذ شهور قليلة من الكويت، فارّين بديننا وأنفسنا من الغزو البعثي للكويت، وكان قد قدم ضيفا على المدرسة، فعرفناه حينها باسم (الشيخ عادل المحيسن) فقط.

ثم كان أن جاء المدرسة بعد أسابيع، ولكن بصفة (وكيل المدرسة)؛ وعندها بدأت المعرفة تتوثق أكثر، خصوصا مع كوني (طالب نشيط اجتماعيا ومتميز علميا).

كان يتعهدني بالسؤال عني وعن أهلي، خصوصا عندما علم أننا من (النازحين من الكويت)، وكان يهتم بي اهتماما أبويا نادرا.

عندما تخرجت بامتياز، لم تقبلني دول العالم (الحر) لأنني (عراقي إرهابي)، فما كان منه إلا أن سعى في تعريفي ببعض من يمكنهم أن يعينوني في شأن المتابعة الجامعية.

ولما قدر الله لي القبول في كلية الطب البشري في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، كانت تنتظرنا محنة مادية، حيث لم يكن بمقدور والدي أن يقوم بتكاليف الجامعة المادية؛ عندها، فاجأنا (الأستاذ عادل المحيسن) بتقدمه باقتراح عرض الأمر على بعض أهل الفضل والخير ممن يهتمون بالمتفوقين ماديا؛ وفعلا، سعى معنا وزكانا عند بعضهم، وكان يتابع الأمر بشكل شخصي، حتى تأكد من تأمين الرسوم الجامعية ونفقات الدراسة حتى آخر يوم لي في الجامعة.

كنت كلما سافرت إلى الأهل في إجازة أو في سفر طارئ لتجديد الإقامة السنوية أو غيرها، أجده يتعهدني بزيارة أو زيارتين خاصتين: يسأل عن أحوالي، ويتبادل معي موضوعات مختلفة، ويتأكد من (أحوالي المادية)، ويحرص أن لا أكون (أتورع في غير محل الورع المادي)، ويعظني بمواعظ تربوية خالصة، وربما نبهني على بعض ما صدر مني من أخطاء على غير علم أو قصد أو وعي. كما كنت أجد عنده معظم الإجابات على معظم الأسئلة حول أشخاص أو أفكار أو جماعات.

كان يصطحبني أحيانا إلى المسجد الذي يؤم المصلين فيه، وأحيانا إلى الجمعية الخيرية التي يرأسها، وأحيانا إلى بعض لقاءاته الاجتماعية العامة، وربما إلى بعض (الزيارات الخيرية) التي لا يعلم بها إلا الله ثم أهل الحاجة (كتوصيل مؤن أو أموال أو غيرها إلى أهل الحاجة)، كما كان يصطحبني أحيانا وهو يقوم (بعشرات الأعمال) مغتنما الوقت في السيارة للحديث.

كنت، ولم أزل، أتعلم منه في كل حين، في صمته، وفي كلامه، وفي حسن خلقه، وفي مراقبته الله في قوله ولفظه وسلوكه، وفي هدوئه، وفي طرفته، وفي تعليمه، وفي تعلمه، وفي ملاحظته، وفي طريقة قيادته للسيارة، وفي اصطحابه لأطفاله معنا، وفي ملاعبته إياهم وبره بهم وهو في غاية شغله وازدحام وقته، وفي تذكره أهل بيته وهو في السوق أو في غيره، وفي كرمه، وفي ذكائه الاجتماعي مع جميع من يلتقيهم: من العامل الذي يغسل له السيارة ومرورا بالعمال في المطاعم وغيرها وانتهاء بكل مصلي من المصلين في مسجده، وفي اغتنامه للوقت وهو يستمع لإذاعة القرآن الكريم ويتنقل بين هذا العمل وذاك، وفي تواضعه، وفي إخلاصه (الذي أحسبه عليه ولا أزكيه على الله).

يكفي أن تعلموا أن هذا الرجل مسؤول عن آلاف البشر (ولا أقول مئات فقط) في أكثر من وظيفة ومهنة، دون أن يحدث صوتا وهو يخدمهم ويقوم بواجبهم.

مدرسة كبيرة دخلتها في فصول متفرقة، تلك كانت مدرسة (عادل المحيسن، أبو عمر).

علمت يوما، أن الله قد رزقه بطفل (ذكر) ثاني، ثم علمت أنه سماه (عبدالرحمن)، ولم ألتفت كثيرا إلى (مطابقة الاسم لاسمي)، إلا إنني سرعان ما علمت من والدتني (نقلا عن (أم عمر) أنه سماه على اسمي.

يومها، دمعت عيناي، وشعرت برحمة غامرة ومسؤولية ثقيلة في ذات الوقت، خصوصا مع عظيم ما أستشعره من فضل الله علي في ذات هذا العملاق في حياتي وما تعلمته منه.

كبر عبدالرحمن، وكنت أتابع أخباره بين الحين والآخر بالسؤال عنه مباشرة من والده أو من أهلي.

أنعم الله على عبدالرحمن بشخصية وديعة طيبة ذات دين، ودخل كلية الطب البشري.

قبل عام، ابتلى الله عبدالرحمن (وأهله) بأن أصيب بسرطان نادر ومنتشر، مما جعله في حالة مستمرة من التعب والإعياء، لا يكاد يصح منها حتى تراجعه. ثم علمت من الأهل أن (عادل، أبا عمر) لا يستقبل المهاتفات الآن، لأنه بين الخبر والرياض، بين ابنه الحبيب والمبتلى وبين واجباته التي لا يستطيع أن يتركها لأحد غيره.

أخبرني والدي أنه زاره قبل شهرين تقريبا، وأنه رأى عبدالرحمن في حالة من الشحوب (الجسدي) يصحبها (نضارة روحية).

بالأمس، توفي عبدالرحمن بعد صراع مع السرطان ومعالجة شديدة.

الكلمات تعجر عن وصف ما ألمّ بي، وبنا، منذ الأمس.

لكنني، وسط عبرات الألم، قلت لنفس ولأهل بيتي: كم هو عظيم مقام هذا العملاق (عادل المحيسن) عند الله؟ حتى إني أكاد أراه يخرج من الدنيا (بعد عمر مبارك) دونما شائبة أو سيئة.

هذا هو حسن ظني بالله، وحسن ظني بنفس (عادل) الزكية.

أبا عمر

أيها الأخ الحبيب، والعامل المخلص، والمربي الفاضل، والصديق الصدوق، والوالد المؤمن

الكلمات تعجر إلا من كلمات الحبيب:

إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا سَميّي لمحزونون

ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه لراجعون

أسأل الله أن يؤنسه في قبره وأن يجعله محطة عبور من التعب إلى الراحة ومن المشقة إلى السعادة؛ وأن يرحمه رحمة واسعة تشمل صبره على ما ابتلي به

كما أسأله (جل في علاه) أن يؤنس أهله من بعده، وأن يصب على قلوبهم الصبر والسلون صبا

أبا عمر

مقامكم عند الله عظيم، وهذه بعض بشاراته

إني أحبك في الله

ابنكم المحب
عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
الأحد 19/1/2014