بمناسبة (أبوّة) شقيقي الأصغر عثمان

وفي أنفسكم … آية (الوالدية = الأبوة والأمومة)

عندما يكبر أخي الصغير (عثمان) ليصبح (أبا)!

هذا الذي يتوسط الصورة هنا، عثمان، أو (عثّومي) كما نناديه في البيت استيقظ الليلة ليجد نفسه بعد ساعات (قبيل الفجر) على خبر قد يقلب حياة الإنسان رأسا على عقب: خبر (الأبوة = الوالدية).

هذا الذي كان يملأ البيت حركة، والذي كان يستفزني وأنا أدرّسه وأحاول إدخال معلومة مدرسية إلى رأسه، والذي شاركني كثيرا من أوقات تخصصي ومهنتي الأولى في دبي … أصبح أبا.

وما الجديد في هذا ؟! أليست (سنة الحياة) ؟!

نعم هي كذلك، سنة الحياة؛ ولكن كم من سنن الحياة والناس تمر بها مرور (الأموات) ؟! وكم من سنن الحياة والناس لا تفقهها ؟!

أليس الزواج (سنة الحياة) أيضا ؟! فلماذا بلغت حالات الطلاق قرابة النصف من حالات الزواج في بعض بلاد (المسلمين) ؟!

وإذا كانت (الوالدية) سنة الحياة، فلماذا لا يكاد يهدأ الهاتف، ولماذا يزدحم البريد الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي باستشارات الآباء والأمهات حول (ابني الذي يضيع مني، أو ابنتي التي انحرفت) ؟!

كلنا نعرف (سنة الحياة) ونحفظها، وربما كتبنا فيها مقالات وألقينا فيها خطبا طويلة عصماء !!! ولكن، من منا (يحيا هذه السنة) ؟!

إذا عرفت (من أنا ولم أنا)، وإذا أدركت الهدف من وجودي والقيمة التي أحملها كإنسان يعبد الله ويقوم بأمر الخلافة في هذه الأرض، وإذا علمت أن التربية ليست هي الرعاية البهيمية فقط (المأكل والمشرب والملبس والمأوى، فضلا عن الاستغراق في الاستهلاك العولمي وجاهلية الإسراف الجسدي)؛ إذا عرفت هذا وأدركته = عرفت معنى الوالدية وأدركت مقامها ومسؤوليتي فيها.

عندما أخبرتني زوجتي غادة أنها (حامل) بابنتي مريم، بكيت، استشعارا لعظم الأمانة وخوفا من التقصير فيها ورجاء لرحمة الله يوم ألقاه.

الوالدية شأن عظيم، ولها معنى لا تدركه كل قوانين الفيزياء الكمية أو الكيمياء العضوية.

الأبوة تزور الرجل ليدرك عندها أنه (يقف أمام الله) في مسؤولية ليست مسبوقة (إلا عند من أوتي حكمة مبكرة).

أعرف من أصحابي من كان ملحدا لا يقنعه شيء، حتى أصبح أبا وشهد لحظة ولادة ابنه أو ابنته أمام عينيه، فآمن؛ هكذا فقط.
وأعرف من أصحابي من كان ضعيفا أمام شهوة من الشهوات (الدخان أو الشيشة أو المشاهد الإباحية) حتى أصبح أبا.
وأعرف من أصحابي من كان مقصرا في حق أهل بيته (زوجته) ولا يكاد يتواجد في البيت، حتى أصبح أبا.

نعم، هناك من تكون الصورة لديه مقلوبة، فتأتي الأبوة لتفضحه وتكشف ضعفه، فيهرب من البيت وأهله ليكون أسوأ مثال للأبوة!

وهناك من يرى أن الأبوة (كما ذكرت سابقا) هي مجرد جمع الأموال لتأمين (العيش) الكريم !!! تأملوا معي مرة أخرى: العيش الكريم !!! وهل هناك (عيش كريم) ؟! العيش هو تأمين الجسد بحاجاته الأساسية فقط، لكن هذا ليس (الحياة) التي من بها يكون الإنسان إنسانا. العيش ذليل والحياة كريمة.

وكم رأيت من حالات (آخرها كان اليوم) لآباء يوفرون لأبنائهم (الملايين) ويسكنونهم القصور ويودعونهم (أفضل !!!) المدارس ويستخدمون لهم الخدم والأجراء وسائقي السيارات؛ ثم هم يشتكون من (ضياع الأبناء وانحرافهم المفاجئ !!!).

ويخطئ من يظن أن الضياع والانحراف = الخمور والمخدرات والزنا فقط (مع إنها ما ينتظره الناس غالبا ليعتبر أبناءه ضائعين)؛ فإن الضياع الأكبر أن يفقد الإنسان بوصلته في هذه الحياة ليتحول إلى كائن مستهلك عولمي مستعبد لدور الطعام والمتعة والأزياء والتكنولوجيا والإنترنت أكثر من عبوديته لله الذي خلقه/خلقها.

لن أطيل كثيرا، فلقد أردتها تهنئة (ونصيحة) لأخي الأصغر وهو مقبل على محطة مهمة من محطات الحياة، ربما كانت من أهمها: الأبوة.

يا عثمان
بورك لك في الموهوبة وشكرت الواهب ورزقت برها وبلغت أشدها
أنبتها الله النبات الحسن (وهذا دورك ودور جودي) وصنعها على عينه واصطنعها لنفسه
اللهم اجعل أنسها بك أولا ولا تجعل وحشتها إلا بالبعد عنك
اللهم اجعل سعادتها وسرورها في رضاك
اللهم قر عيني والديها بها ولا تجعلها فتنة لهما ولا سببا لتعلقهما بالدنيا
اللهم أعن عثمان وجودي على البرّ بها والإحسان إليها كما تحب وترضى
اللهم اجعلها جسرا لوالديها إلى الجنة

أذكر هنا ما كتبته يوم رزقني الله بمريم:

اليوم، أشرقت الرحمة من جديد
اليوم، فتح الله لي نافذة أخرى أطل منها عليّ
اليوم، شاء الله لي أن أكون على درب إبراهيم وعمران وزكريا
اليوم، كتاب جديد صفحاته بيضاء نقية، تملؤها عبرات ورحمات، وأعمال
اليوم، وطئت مريم هذه الأرض، وما هي إلا أيام، حتى تعبرها إلى حيث تلقى الله

وهنا، أنقل لك كلمات من أجمل ما قرأت لأب يستقبل ابنته، وهو الدكتور همام يحيى:

قبل قليل رزقني الله تعالى بابنتي الأولى “آن”
هذا الذي ما يزال يتهجّى الحياة حرفا حرفا صار أبا، وأبا لفتاة، ولفتاة اسمها آن
يا ابنتي
وأنا أتأمل وجهك وأراقب هذه النوافذ التي تنفتح في جدار القلب، وهذه المصابيح التي تتدلى من سقفه واحدا واحدا
لا يشغلني عنك إلا التساؤل عن حالي لدى رؤية وجه الله الكريم
اكبري بسرعة يا ابنتي، لنقرأ معا ونلعب معا ونشاغب أمك معا
اعبري بنوّتك بسرعة لأعبر أبوّتي بسرعة
يا آن همام يحيى

وفي الختام

قبلات على يدي ذاكر وبديعة، والداي العزيزين
جزاكما الله عني وعن أشقائي كل خير

أسعد الله أيامكم وأنفسكم وأهليكم

ولمن يشاركوننا هذه اللحظات، دونكم هنا روابط لعلها تكون مفيدة: