الإعلام، لغة العصر، السينما والتلفزيون – قراءة نفسية / شرعية

الإعلام، لغة العصر، السينما والتلفزيون – المنظور النفسي / الشرعي

وردني سؤال عن (الأفلام التي أثرت بي)، فأثار السؤال موضوع (السينما والتلفزيون) ومشاهدتهما:

ولقد استوقفني بداية تجاوز السائل / السائلة لموضوع (الأفلام) حتى بلغ الأمر اعتبارها (مؤثرا) اعتياديا، كما لو كان الحديث عن (كتاب) أو (موعظة) أو (خطبة) أو حتى ما دون ذلك.

طبعا، سيعترض البعض بعبارات استباقية دفاعية من قبيل:

أين يعيش هؤلاء ؟!
هذا كلام (رجعي)
وهل الأفلام إلا وسيلة مثل تلك الوسائل ؟!
هل يقال شيء من هذا في القرن الحادي والعشرين ؟!

ومثل هذا من اعتراضات (عرفناها) كثيرا

وينسى هؤلاء أو يتناسون (حقائق) كثيرة، مثل:

غياب الدين كمنهج حياة
وتراجع ثقافة (إلا الله) التي تجعل من اليوم والليلة مزرعة للآخرة، بالإيمان والعمل الصالح، والترويح (المباح)
نشأة السينما والتلفزيون القائمة على ثقافة (لا إله) التي تجعل (الترفيه) هدفا لها، وتخلق (الإنسان الفارغ) تباعا
أثر السينما والتلفزيون في تشكيل (الإنسان السالب) الذي لا يرى فيهما إلا (المؤثرات المبهرة) ثم (الأثر الخاص) على لحظته / لحظتها، دون اعتبارات أخرى

وهنا، أتوقف للحديث عن السينما والتلفزيون والأفلام (وموجتها العارمة) في حياتنا

لافتة: سأحاول تجاوز الحديث عن الحكم الشرعي (والحلال والحرام) عن هذه المادة أو تلك، ولكنني أعلم أن هذا (أو ما أراه) سيظهر بين السطور القادمة. فاللهم وفق.

لافتة ثانية: من نافلة القول أن السينما (خصوصا) والتلفزيون بعدها تم تصدريهم لغرض أساسي: الترفيه ومن ثم الكسب المادي، فالسيطرة السياسية

قصتي مع السينما والتلفزيون فيها شيء من المشاعر المتناقضة.

نشأت في بيئة (متدينة) كان للتلفزيون فيها مد وجزر
فقد يغيب عن البيت أياما وشهورا، وربما تواجد إلى درجة الملل وسوء الاغتنام.
لكن هذا لم يمنع أنني كنت فردا في جيل أحاطت به السينما ومنتجاتها من كل جهة
بل إن من المثير للتوقف أن حتى خطباء الجمعة كانوا يستخدمون أمثلة (سينمائية) وهم على المنبر دون اعتبار (أو وعي ربما) لخطورة هذا الاستدعاء في وعي (أو لاوعي) الجمهور !!!

لافتة: هذا ما أشاهده الآن مما يقع فيه كثير من أهل (الإعلام الإسلامي)، وخصوصا الشباب المتصدرون لـ (الكوميديا السياسية الناقدة) على شبكة الإنترنت. فتراه (سلفيا) لكنه يستدعي مشاهد من (أفلام ومسرحيات ومسلسلات، وربما أغنيات مصورة) لنفس الشخوص الذين (يحذر منهم) ويعتبرهم (فاسقين) !!! وإذا سألناه قال: هذه لغة الشارع !!!

أما عن المشاعر المتناقضة، فلعل السبب في هذا يكمن في التضارب بين إدراكي لخطورة، وربما لسوء، رسالة السينما والتلفزيون كما نراها في واقعنا؛ هذا من جهة، وبين استمتاعي بالقصة والحبكة والصورة المتقنة من جهة أخرى. بل إنني كنت أضحك من نفسي وأنا أشاهد مشهدا (عميقا) فأجدني مشدودا مأخوذا بفكرته أو بعاطفته، لكنني في ذات الوقت، أكون على وعي (مزعج) بسوء المؤدي أو المؤدية وسوء ما يحمله صانعو الفيلم من فكر أو توجه !!!

ومن هنا يأتي تحذيري الشديد من التهاون في تناول المادة السينمائية لمن لا يملكون (الحاجة أولا)، ثم هم لا يملكون السبب الوجيه أو القدرة على الفصل والتفكيك والعقل. بل إنني أذكر أنني عندما كنت أعد مادة للبحث حول (السايكودراما) وكنت أتردد على بعض دور السينما (بعد قراءة مادة عن الفيلم والتأكد من جودة مادته الفكرية وتوخي الحذر مما قد يحويه من مواد مخالفة شرعا) فكنت أخشى أن يأخذني البعض حجة له لارتياد هذه الأماكن. ثم كان أن وقع ما خشيته فتوقفت مباشرة عن ارتياد السينما (منذ قرابة 10 سنوات تقريبا). هذا بالإضافة إلى شعوري بالذنب (أقول: الذنب) لما أنفقته من مال ذهب إلى (مؤسسة هوليوود) التي نحذر منها ومن منتجاتها !!! وهو أمر أستغفر الله عليه.

لافتة: على هامش (فقه النفس) وخصوصا (فقه الجنس)، فن عبارة (مخالفة شرعا) لا تعني عند الكثيرين سوى فتح ملف (الجنس) وما يتعلق به من (إباحية وعري ومشاهد فاحشة) !!! ومع سوء هذا وأثره وتشديد أنا أيضا على الحذر منه، إلا أن (المخالفات الشرعية) في منتجات (هوليود) أسوأ من ذلك بكثير، ولعل أقلها: صياغة الإنسان المستعبد للشهوات بأنواعها، والممتلئ بالشبهات بأنواعها أيضا.

وربما سألتني: هل يعني هذا أنك لا تشاهد الآن أي مادة سينمائية ؟!

فأجيبك: إذا علمت أنني لا أرتاد السينما، وأنني لا أحوي تلفزيونا في بيتي، وأنني لا أشتري أقراصا مدمجة من المنسوخة وغير المنسوخة؛ علمت حينها أنني أطلع على الجديد عن طريق الإنترنت فقط، وهذا أكثر من كافي بالنسبة لمتابع مثلي.

وهذه (المتابعة) هي متابعة (محترفة مهنية) في معظمها، وقليل منها، أقول: قليل منها جدا، هو ما يكون لغرض (الترويح) أو (الاستفادة الشخصية) بعد تجاوز كثير من التحفظات والمحاذير.

ومن هنا، فإنني لا أرى عذرا سائغا لأهل الدعوة والفكر والمعرفة والمشتغلين (بالنهضة) في أن يكون من (عادتهم) ارتياد دور السينما التي (كنت ولم أزل) أعتبرها (ملحقيات ثقافية عولمية)، ليس باعتبار ما تقدمه من مادة مرئية فقط، بل باعتبار كل ما يحيط بجو (السينما) من مجتمع مادي وبشري.

كما إنني أرى في نفسي نفورا من شباب من الجنسين يرون أنفسهم (ملتزمين) وأهل فكر (إسلامي)، ثم هم لا يرون أي بأس في تناقل الإعجاب والإشادة والترشيح لمنتجات (فنية) من منتجات هوليود أو غيرها !!! أقول: ربما أجد شيئا من العذر لو أنهم استشعروا في أنفسهم ولو شيئا من الذنب أو حدثتهم أنفسهم بشيء من (الخجل) من الله.

اعتياد هؤلاء على (السوء) في ثنايا المادة (المفيدة، ربما) هو أشد خطرا من السوء نفسه، هذا رأيي.

ومن هنا، فإنني أتحفظ بشدة على ما يصدر من بعض الأخوة المتصدرين لمشهد (الدعوة والفكر والنهضة) في هجومهم على (أعداء السينما) أو (أعداء الفن) كما يحلو لهم وصفهم به !!!

يخرج أحدهم (ممن أحسبهم على خير) ليختزل كل محاذير أهل الإصلاح والدعوة والفكر ممن يحذرون من السينما (عموما)، في مسألتين: وجه المرأة الأجنبية + شعرها !!!

وهذا عجيب غريب، بالذات على من هو مثله ممن خبر ثقافة (لا إله) وكتب فيها كتابا يحذر فيه من (دين أمريكا) الذي تقدمه كبديل عن (الإسلام) من خلال منظومتها (المادية) بكل منتجاتها، ومن أهها: هوليود !!!

ربما أتفهم غضبه من أولئك الذين ينطلقون مما أسميه (الدين الجنسي) حيث يصدر الدين مما بين أرجلهم أكثر مما يصدر مما في رؤوسهم أو صدورهم، ولكن هذا لا يسوغ له، أو لغيره، محاولة (إباحة) أو (تحليل) ما يمتليء بالمحرمات (الفكرية) قيل (الجنسية) !!!

وأفهم أن هذا (الانبهار) ربما يكون متأثرا بنفسية الشباب الذين نشأوا على (الرواية / الروايات) أكثر مما هو متأثر بنفسية الشباب الذين ينطلقون من القرآن ويعودون إليه.

وهنا، أتوقف مستغربا، ومستهجنا، قول أحدهم أيضا، في معرض اعتراضه على من يحذرون من السينما وآثارها ومنتجاتها: “لا عجب أنهم غير قادرين على سبر أغوار القرآن واستخراج المعاني منه، لقد تبلدت حواسهم” !!!

وأتساءل: أيهما أقرب إلى القرآن وروحه ومعانيه: جيل السينما ؟! أم الجيل القرآني الفريد الموصوف في كتاب [معالم في الطريق – سيد قطب] مثلا ؟!

وأي جرأة تلك التي يطلع بها صاحبنا هنا، ليقفز إلى نوايا النفوس ويزعم أنه سبر أغوارها بما يكفيه ليعلم أنهم “غير قادرين على سبر أغوار القرآن” واستخراج المعاني منه” !!! في مغالطة منطقية منفرة، مفادها: السينما هي طريقكم إلى القرآن !!!

كتب صاحبنا: “فكان منهم أنهم (مثلا) لا يرون في فن السينما (بكل ما يحفل به ) غير وجه إمرأة أجنبية وشعرها”
وكتب: “فلم يعد بإمكانهم أن يشعروا بالقيم الإيجابية التي يمكن أن تراها من فيلم ما، بالتعاطف مع وضع لن ولم تمر فيه، بالعبرة في موقف قد تتجنبه، بالضحكة التي قد تضحكها على بطل الفيلم وهو يشبهك في حياتك، وما كان يمكنك أن تضحك على نفسك إلا من خلاله”

مغالطات منطقية: المفردات المحشوة أو الموجهة “بكل ما يحفل به / القيم الإيجابية / يمكن أن تراها” + الاحتكام إلى التهديد “يمكن أن تراها” وكأن لسان الحال هنا “إذا لم تكن ترى هذه القيم الإيجابية، فأنت قاصر أو مختل أو مريض” !!! + الاحتكام إلى التجربة الشخصية (وهذا يظهر في الأمثلة التي أوردها كفوائد من مشاهدة السينما) !!!

أقول: المزاج لشخصي، لا ينبغي له أبدا أن يجيّر النص القرآني أو الفهم القرآني للانتصار لرأي (شخصي) أو لـ (رؤية) شخصية أو (تجربة) شخصية؛ ومع هذا، فالتجربة الشخصية ليست دليلا علميا، فضلا عن فشلها في أن تكون حجة شرعية !!!

أن أكون متأثرا بالشعر الحداثي مثلا، أو الرواية الحديثة مثلا، لا يعني أن أقلل من أثرهما على النفس الإنسانية، بكل أبعادها، الجنسية وغير الجنسية؛ فكيف إذا كان الأثر واضحا لكل ذي (عدل + عقل) ؟!

كتب صاحبنا: “لا شيء سوى إمرأة أجنبية وشعرها، العالم كله يختزل عندهم في إمرأة وشعرها، وربما جزء من ساقيها” !!!

هكذا فقط !!!
أكثر من مغالطة منطقية في جملة واحدة: المفردات المحشوة أو الموجهة “يختزل” + رجل القش (حيث تحريف الأمر عن موضوعه الأصلي الخطير) + تسميم البئر أو الشخصنة (محاولة شيطنة المخالفين وتصويرهم كوحش جنسي) + التسخيف أو التهوين “العالم كله يختزل في” !!!

أقول: إن التركيز على مهاجمة (الهاجس الجنسي) هنا، لا يقل في رأيي خطرا عن الهاجس نفسه، بل ربما ينطلق من نفس الهاجس، ولكن من منظور آخر، أي: وجهان لعملة واحدة.

إن اعتياد الجنس واستمراء المشاهد (غير الشرعية) بل وغير (المحافظة) حتى، أصبح أمرا لا يماري فيه إلا متغافل أو غافل، وما حال الجيل إلا دليل صارخ على أثر (السينما) في (الأخلاق العامة) في البيت والشارع والسوق.

كتب صاحبنا: “لو لم يكن للسينما فضل سوى أنها تجعلك تفكر وتتأمل وتعيد النظر، لكان هذا يكفي ويفوق في الفائدة كل مخاطر محتملة (!) من مشاهدة إمرأة أجنبية! وشعرها. (مصلحة) هذا، تفوق أي (مفسدة) محتملة” !!!

سأتجاوز المغالطات المنطقية المتكررة هنا، والمصادرة على المطلوب من خلال مفردات مثل “لو لم يكن” أو “تفوق” !!!

وأتساءل: إن العقل الذي أنعم الله به على صاحبه / صاحبته لكفيل (إذا تم تدريبه) أن يتوقف ويتأمل ويتدبر في أي مدخلة من المدخلات، صورة أوصوتا أو رائحة أو غير ذلك؛ بل ربما أمكن العقل صاحبه / صاحبته من التوقف والتأمل والتدبر في ما قد تنفر النفس منه أو تقبل إليه (بحسب التزكية أو الضعف). فربما أمكن العقل صاحبه / صاحبته من التوقف والتأمل والتدبر في قصة (مومس) ظلمها أهلها فهربت مع (عشيقها) لينتهي بها الأمر إلى (البغاء والفاحشة) !!! أو في قصة جندي (نازي) يستمتع بحرق (يهودي) في محرقة من محارق (هتلر) !!! أو في قصة شخص (مهووس) بالتعذيب والقتل، يستمتع بالتمثيل في جثث ضحاياه !!! أو في قصة (إنسانية) تمتلئ بمشاهد (إباحية) فتختلط دموع العين مع رعشة الشهوة !!! أو !!! أو !!! أو !!!

أقول: إن مجرد كون السينما أو غيرها (كبعض الروايات مثلا، مع شدة خطر السينما المتفوق على الرواية لأسباب ذهنية نفسية) تحوي ما يمكن للعقل التوقف عنده والتأمل فيه، فإن هذا لا يعني إباحتها فضلا عن التسويق لها والدفاع عنها.

أقول: إن النفس التي لا تتوقف أو تتأمل أو تتدبر إلا وهي تقف في (طابور التذاكر)، لهي نفس أحوج ماتكون إلى مراجعة أقرب (عيادة قرآنية) أو ربما (طبيب نفسي) من أولئك الذين يعلمون كيف يوجهون النفس إلى الحقيقة والواقع بدلا من الوهم.

كتب صاحبنا: “الذين يعتدون على حدود الله، هم الذين يحرمون ما لم يأت نص واضح بتحريمه. الذين يعتدون على حدود الله، هم الذين نصبوا أنفسهم حراسا لحدود حددوها هم وقالوا أنها حدود الله. الذين يعتدون على حدود الله هم الذين يمتلكون جرأة تسمية مشاهدة الأفلام بـ (المعاصي والآثام) دون نص يخولهم ذلك” !!!

ومرة أخرى أيضا: سأتجاوز المغالطات المنطقية المتكررة هنا، ولعل أبرزها: الاحتكام إلى الجهل.

فصاحبنا هنا، تجاوز كل قواعد “أصول الفقه” لمجرد تقرير (مزاج شخصي) أو (ترجيح شخصي) !!!
وتجاوز كل ما من شأنه أن يتحدث عن المصالح والمفاسد، لأنه رأة أن (الفكرة الذهنية) مقدمة على (هرمونات الجنس) !!!

كتب صاحبنا: “إلى أولئك الذين يعتقدون أن من يريد مشاهدة النساء العاريات والعورات وبقية القصة سيذهب لمشاهدة فلم أجنبي درامي، هل تعيشون في كوكب الأرض حقا؟ هل تعيشون في كوكب الأرض عام 2014؟ من يرغب في مشاهدة ذلك سيختار حتما مشاهدة شيء آخر في الفضاء المفتوح، ولن يضيع وقته في مشاهدة فلم سينمائي” !!!

مغالطات منطقية أخرى وأخرى !!!

تذكرت ذلك المخرج (الداعر) الذي يدافع عن سوء أفلامه وفحشها بعبارة واحدة فقط: “أنا أقدم فنا راقيا لا يفهمه هؤلاء الهمج، فإذا لم يعجبك الفيلم، فالريموت كونترول موجود، لا عليك إلا تحويل القناة” !!!

غفل صاحبنا، أو ربما تغافل، عن حقيقة، نعم أقول: حقيقة: أن معظم الأمر يبدأ من فيلم درامي أجنبي، يفتح للنفس نوافذ “بني الأصفر” وعالمهم “المفتوح = المنفلت”، فيكون بعدها الاعتياد على “الحرام”، أضف إلى هذا الفراغ الذهني والاستهلاك والغريزة الحاضرة، فماذا يبقى بعد هذا ؟!

هل هذا تعميم ؟!
أجيب بسؤال: هل يبدأ الأمر أول ما يبدأ بالقفز مباشرة إلى “المادة الإباحية” ؟!
وأقول من تجربتي الشخصية في العيادة النفسية على مدى بضع عشرة سنة حتى لحظة كتابة الكلمات: لم أشهد حالة واحدة لمراجع / مراجعة ممن جربوا المواد الإباحية أو أدمونا عليها، إلا وكانت “الأفلام الأجنبية الدرامية” هي الجسر المؤدي لها.

يبقى أن ألفت نظر صاحبنا ومن يلف لفه، أن منتديات (تحميل الأفلام) تظهر بوضوح اهتمامات القائمين عليها: تحميل آخر الأفلام الدرامية + تحميل أفلام (الإثارة والإغراء)، وربما قسم خاص بـ (أفلام البالغين) !!!

في بداية الأمر، وعندما أخبرني صاحبي، وهو متابع نهم لآخر ما يصدر من “أفلام درامية”، بأن ثمة مواقع تحميل على الإنترنت، حذرني من (بعض المشاهد غير المرضية) !!! فظننت أن الأمر محصور في تلك (الصور الإعلانية) التي (تقفز) دون إذن أعلى الشاشة أو أسفلها أو على جانبيها، لكنني لم أكن أتصور أن شخصا (أعني هنا: القائم على المنتدى) مهتما بمتابعة “الأفلام الدرامية” والتعليق على محتواها “الرائع والفخم”، حتى أرى بعضهم يقدم موجزا عن أصل الرواية التي أخذ الفيلم عنها، وما إذا كان في أصله مقتبسا من قصة حقيقية، بل إن منهم من يحذر من مشاهد (لا تصلح للمشاهدة العائلية)، أو حتى يذر من (ألفاظ كفرية) في الفيلم !!! كل هذا، وهو نفسه (أو نفسها !!!) من يرفع روابط أفلام (إثارة / إغراء) أو حتى (إباحية) على منتداه (منتداها) !!!

فلما راجعت صاحبي الذي دلني على تلك (المنتديات) قال لي، وبكل هدوء: “ألم أحذرك ؟!”
فقلت له: “ولكني لم أظن الأمر بهذا السوء ؟!”
قال لي (ونعم ما قال): “يا عبدالرحمن، أنت تستهبل ؟! هل تظن نفسك تدخل على مسجد أو حلقة ذكر، هؤلاء يبحثون عن المتعة، والمتعة فقط، وربما شيء من الفائدة، ولكنهم ليسوا ملائكة أو رسلا أو صحابة أجلاء”

ضحكت من نفسي، وكأن في كلماته “صفعة فكرية”

ومع هذا، فلا يعني كلامي هنا أن كل من يشاهدون “الأفلام الدرامية” هم من مشاهدي / مدمني الأفلام الإباحية، فهذا ظلم، وليس علما حتى؛ ولكن، فلنواجه أنفسنا بصدق، ولنتفق على أن اعتياد “الأفلام الدرامية” خفض سقف “الحساسية الشرعية” لدينا تجاه أفكار وتصورات كثيرة، ومنها: الجنس مثلا.

مرة أخرى: أقول لصاحبنا ومن لف لفه: اصدفوا مع أنفسكم، وواجهوها، الأمر لا يعدو كونه (شهوة شخصية)، ربما كانت (شهوة فكرية محضة) لكنها تبقى (شهوة) لا يصلح لها أن تكون (حجة شرعية) ولا حتى (دليلا علميا).

إن اعتيادي / تربيتي / نشأتي على أمر، أقل ما يقال فيه: إنه مشبوه، لا يعني بالضرورة أن يكون (صوابا)، بل يعني أن أراجع نفسي في نفسي وما آلت إليه، وما أوصلها إلى ما هي فيه، وما ينبغي أن أفيد منه مما مضى، وكيف أتعامل مع هذه (اللغة العصرية) التي تخالف في كثير من جوانيها (منشأ وصناعة وصياغة وإخراجا ومآلا) ما أنتمي إليه من دين أو عقيدة أو منهج حياة. ذلك أدنى أن أحفظ لنفس صدقها وسلامة قلبها.

مرة أخرى: كلنا نستشعر شيئا من المتعة التي تجذبنا إلى هذا أو ذاك مما تجد فيه النفس شيئا مما (تلتذ به) أو يثير فيها مشاعر (إيجابية) أو ربما (سلبية) في طريق (الإيجابية)؛ ولكن السؤال هنا: هل يكفيني هذا حجة أمام الله عندما يسألني عن الوقت والمال والجهد، أين وضعتهم؟!

سألت شيخا (أثق برأيه) مرة: أراك تتحدث عن الأفلام دون أن تعرج على رأي الشرع أو شعورك تجاه الحكم الشرعي، فما رأيك؟
فأجابني: أكذب عليك إن قلت إنه لا يحيك في صدري شيء من شعور بالذنب حال مشاهدتي لشيء من هذا، ولكنه مما عمت به البلوى.
في حين أجابني آخر: لا حاجة لي بهذا، ولم أشاهد يوما فيلما لا في صغري ولا في كبري، ولا أرى لي عذرا أمام الله يوم ألقاه.
وأجابني ثالث: أشاهد ما يقتضي علمي بمجريات الحياة وما قد يغنيني بمادة تنفعني في ديني ودنياي.

وبين هذا وذاك، وحتى يكون للأمة (المقهورة) إعلامها الخاص بها، فإننا نبقى (مأسورين) بشكل أو بآخر لإعلام (الأمة الغالبة). فك الله أسرنا وأسركم.

وبعد هذه الوقفة (المستطردة) أجيب عن السؤال باختصار:

أنا من أولئك الذين أنعم الله عليهم بقدرتهم على التوقف والتفكير، وربما العقل، في كل ما يتلقونه من مدخلات؛ ولهذا فإنني أراني ممن يمكنهم أن يجدوا (نافعا) في كل ما يشاهدونه أو يستمعون إليه. ولهذا، فلن يكون من السهل أن أقول إن هناك مادة أو اثنتين هي التي أثرت بي دون غيرها، فربما كانت فكرة فيلم (مؤثرة) لكن (تفاصيله) ليست كذلك، وربما كانت فكرة الفيلم (سطحية بل سيئة) ولكن مشهدا عابرا ترك في نفسي أثرا بالغا، وهكذا. ولكن هذا لا يمنع من حقيقة أن هناك أفلاما لا يمكنني إلا أن أشير إليها في تناولي للمادة السينمائية، ولكنني مع إشارتي، أنبه إلى ضرورة (الحذر) عند تناولها.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
اللهم اجعلنا أقوياء في الحق ضعفاء في الباطل
اللهم بصرنا بعيوب أنفسنا، وأعنا على جهاد ضعفها

اللهم علمنا ما ينفعنا

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي