على هامش (موقعة كريسماس)

على هامش (موقعة كريسماس)
لافتة: اقتبست هنا مفردة (الموقعة) من أخي الحبيب أحمد خيري العمري، مع عدم اتفاقي على هذه التسمية

لن أطيل النفس في تفصيل أمر ينبغي أن يكون معلوما (على الأقل) عند من (يعقلون)
ولهذا، سأكتفي بأسئلة ربما ساعدت في إضاءة بقع مظلمة في عين النفس عند كثيرين
وسأنطلق (كعادتي) من القاعدة الأصولية / المنطقية = الحكم على الشيء فرع عن تصوره

كيف يمكنني أن أحكم على أمر ما ؟!
ما هي المنهجية (العلمية) التي يمكنني من خلالها الحكم على (سلوك) صادر مني أو من غيري ؟!
إذا قلنا بأن الأصل في (الأشياء) أو (العادات) هو (الإباحة)، فهل (تهنئة) الآخرين من (غير المسلمين) تعتبر من العادات أم من العبادات ؟!
هل تحول (شعيرة دينية) إلى عادة اجتماعية كفيل بأن يجعلها (عادة) تسقط الحكم الشرعي الأصلي في التعامل مع أصلها الديني ؟!
هل (الكثرة) أو (تحول العمل إلى ظاهرة عولمية) تقتضي (التحول في الحكم) من حالة إلى أخرى ؟!
وإذا انطلقنا (كما يحلو للبعض) من قوله صلى الله عليه وسلم ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم))، فهل (تهنئة غير المسلمين) من (شؤون الدين أم الدنيا) ؟!
هل ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه هنأ غير المسلمين بأعيادهم ؟!
إذا كانت الإجابة (نعم)، وهو ما لم يزعمه أحد، أين هي النصوص على ذلك ؟! هل يعقل أن يغفل الصحابة الذين نقلوا كل دقيقة من حياته عن ذلك ؟!
إذا كانت الإجابة (لا)، وهو الراجح طبعا، هل يعني هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرهم أو يحسن إليهم ؟! وهل يعني هذا أن المتأخرين خير منه ؟!
هل يمكن أن يحصل البر والقسط مع (غير المسلمين) دون (تهنئتهم) ؟! أم إن الأمر (كما يتصور البعض) لا يكون إلا بالاثنين معا ؟!
هل يعني (عدم التهنئة) بالضرورة (عدم البر والقسط) ؟! أم إن البر والقسط يمكن أن يتجاوز أمر (التهنئة) إلى التعامل اليومي الخلوق دون (مخادعة) ؟!
هل يصعب على البعض أن يمارسوا البر والقسط مع (غير المسلمين) في جيرتهم، وزمالتهم، وزياراتهم المتبادلة، وتبادل أطباق الطعام معهم، ومساعدتهم في إصلاح سيارتهم إذا تعطلت، وإيصالهم إلى المشفى إذا احتاج الأمر، والتوسط لهم (توسطا غير ظالم) في دراسة أو مهنة أو غير ذلك، والسؤال عن أحوالهم، وغير ذلك من (تعاملات يومية)؛ أقول: هل يصعب فعل هذا كله مع عدم التهنئة ؟! إذا كانت الإجابة (نعم)، فالرجاء مراجعة (التوازن النفسي)
هل يلزمني أن أبادل (غير المسلمين) التهنئة لمجرد أنهم هنأوني في عيدي ؟!
هل كون هؤلاء أو غيرهم ممن هم من (غير المسلمين) لا يعنيهم كثيرا أمر المجاملة / النفاق في أمر الدين يعني بالضرورة أن (أدهن) كما (يدهنون) ؟!
ماذا لو زارني (شاذ جنسيا) ليهنأني بمناسبة زواجي، هل يعني هذا بالضرورة أن اضطر لتهنئته إذا تزوج بصاحبه (الشاذ) ؟!
هل المثالان بعيدان ؟! أم إن الشذوذ (كمعصية) أقل شأنا من (مجاملة) من يقولون على الله ما لم يقل (كعقيدة) ؟!
لافتة: إذا رأيتم المثال مستقبحا عندكم الآن، فانتظروا بضع سنوات، لنرى حينها إن بقيت التهنئة (مستقبحة) أم سيصبح هذا من (لوازم التعايش) ؟!
وهنا أكرر السؤال: هل مجرد تحول الأمر إلى (عادة) كفيل بتحويله من (أمر ديني) إلى (عادة) الأصل فيها الإباحة ؟!
هل من المعقول أن يسمح لي الدين بمحبة (كتابية) والزواج منها ثم يمنعني من تهنئتها بعيدها ؟!
في مقابل هذا السؤال: هل من الصعب تعقل البر والقسط والمحبة الإنسانية مع الاختلاف حول فكر معين أو عقيدة بأكملها ؟!
ماذا لو كانت زوجتي تشجع فريق كرة قدم، بل وتتعصب له أيما تعصب، وأنا أشجع الفريق المخالف له، وربما بلغ الاختلاف حد الشجار أحيانا (كما يحصل مع كثيرين من مراهقي العولمة)، فهل من ضرورة محبتي لزوجتي أن أهنئها عند احتفالها بانتصار فريقها مثلا، أم إنني سأكتفي بالمشاهدة (عن بعد) ؟!

إذا اعتبرنا أن (التهنئة) سلوك، فهل (السلوك) هنا منسجم مع كل من (الفكرة والشعور) السابقين له والمؤديين إليه ؟! أم إننا اعتدنا (النفاق) ؟!
إذا كنت لا أقبل أن أقول ما لا أعني فيما هو أقل من ذلك، فهل أقبل أن أقول ما لا أعني أو أعني ما لا أقول فيما يتعلق مباشرة بالله ومعتقدي فيه ؟!
وأكرر ما قلته غير مرة: سكنت لسنوات في أمريكا، مع جيران غير مسلمين، لم أهنئهم مرة، ومع هذا، لم يروا منا إلا ما دفعهم للبكاء حين غادرنا
الأمر أيسر مما يتصور بعض الذين لديهم مشكلات في موضوع الهوية العولمية !!!

وأخيرا
هل يستحق الأمر (لهوى شخصي) أن نحكم على كل من سبقنا من أهل العلم والفكر بأنهم لا يعلمون / لا يفقهون) وأننا (اكتشفنا دينا جديدا) ؟!
وهل يستحق الأمر (لحاجة شخصية) أن نحكم على مخالفينا (ممن يرون بالتهنئة أو بحرمتها) بالجهل والمرض النفسي وغيرها من الأحكام ؟!

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي