رثاء من نوع آخر – في ذكر والد وما ولد = طارق عبدالجابر الخطيب

طارق عبدالجابر الخطيب

عرفته منذ 15 عاما من اليوم، وتحديدا العام 2000 للميلاد
كنت سمعت عنه من الأخت لارا الخياط، مخطوبته آنذاك، وزوجته ووالدة أبنائه وأمهم اليوم
كانت قد أخبرتني أن ثمة (شابا ملتحيا) قد تقدم لها، وأن أهلها (يخشون أهل اللحى)، وقدر الله الأمر، وتزوجا

عندما التقيته أول مرة، عرفت أنه سيكون من (دار الأرقم)، وقد كان، أسأل الله أن يثبته وأن يمتعه بنا وأن يمتعنا به
ومصطلح (دار الأرقم) هو المصطلح الذي أستدعيه من السيرة النبوية لأعبر به عن (الصحبة الصادقة الصالحة الغريبة في جاهلية اليوم)
والذين يعرفونني شخصيا، أو يستمعون إلى حلقاتي التعليمية ودوراتي التدريبية، يسمعونني أكرر دائما أسماء بعينها، لنفر من أنعم نعم الله علي
طارق الخطيب هو أحد هؤلاء

لاحظت عليه التزاما غير عادي، التزاما من نوع لم نعد نرى مثله في أيامنا، ليس كلاما فقط، بل توقيعا للأمر على الحياة وفيها
التزام من ذلك النوع الذي تراه النفس (الدنيوية / العولمية) شديدا، لأنه لا يخادع الذات ولا يماري الشهوات ولا ينافق الأهواء

***

عندما زرتهم أول مرة، صلينا مع بعض صلاة العشاء جماعة في البيت
أمّني طارق في الصلاة، وكانت المرة الأولى التي أستمع فيها إلى (الفاتحة) وأتأثر بها لمجرد (قراءة) لا (نغم) فيها أو (لحن) أو (مقام)
كان طارق يقرأ القرآن بدون أي تكلف، كأنه يقرأ (رسالة) أو (خبرا مهما) أو (مادة مدرسية تحتاج للتركيز)

هناك، وبعد هذه (الصلاة المختلفة)، طلبت منه أن يحدثني بقصته مع (الدين)، وكيف وصل إلى ما وصل إليه
حدثني بقصته، ودمعت عيناي وأنا أستمع إلى قصة (إسلامه) يرويها بشكل (اعتيادي طبيعي غير متكلف)

***

طارق من عائلة محافظة ميسورة الحال

كان طفلا مدرسيا متميزا، وشابا أكاديميا متفوقا، تخرج من أوائل الثانوية العامة
ثم اختار قسم الهندسة، وتحديدا (الهندسة الميكانيكية)، ليتخرج منها مهندسا مجيدا محبا لتخصصه
ولكنه كان كغيره من الشباب، خريج جامعي، لكنه لا يعرف (من هو ولم هو وماذا يريد)

وهنا، بدأت رحلة (طارق) في البحث عن نفسه

وكانت أولى الخطوات تمرده على (جلباب أبيه)، فلم يقبل من والده (عبدالجابر) أن (يتوسط) له ليعمل عند أحد
بل أصر أن يجتهد بنفسه، وأن لا يعتمد على معارف (عبدالجابر الخطيب) أو وساطته
ومع إصرار والده، عمل لأسابيع قليلة عند أحد معارفهم، لكنه سرعان ما ترك العمل

وكانت الخطوة الأولى في هذه الرحلة، وبعد مشادة مع والديه، وتحديدا والده (عبدالجابر)
قرر طارق أن يعتزل في غرفته فلا يخرج منها، واستمر الأمر قرابة 40 يوما، لا يفعل شيئا سوى (الصلاة)
وكان يتسلل ليلا ليأكل لقيمات من المطبخ، ثم يعود إلى غرفته ليستيقظ أهله ويجدوه كما هو (مختليا بنفسه معتزلا)

في يوم من الأيام، جاءته أخته الصغري تطلب منه أن يشرح لها شيئا في كتاب (اللغة العربية أو الدين، لا أذكر)
وكان معها [معجم مختار الصحاح]، فأخرج منه معاني غريب المفردات التي سألته عنها، ثم احتفظ بالمعجم جوار سريره، يقلب صفحاته

ثم كان أن زارهم عمه، وسأل عنه، وأهداه كتابا عن (سقوط دولة إسرائيل عام 2022) الذي يعتمد على استقراء (عددي) لآيات سورة الإسراء

قرأ طارق الكتاب، وبدأ يقرأ سورة الإسراء بعقلية (المهندس) الذي يريد أن (يتحقق) من (الفرضية)
قرأها أول مرة، فلم يجد شيئا
وكررها الثانية، فلم يجد شيئا
وفي المرة الثالثة، توقف طارق، ليظهر له أن ثمة من (يخاطبه هو)، وأن كلمات القرآن كأنها موجهة إليه هو

وبدأ (قراءة) القرآن
وحده، ليس إلى جانبه سوى (معجم مختار الصحاح)
يتوقف عند المفردات الغريبة ليستخرج معانيها منه

قال طارق في نفسه: إن هذا القرآن يسير التدبر والفهم، فلماذا لم أفهمه من قبل ؟!

بدأ طارق مع القرآن يجد نفسه لأول مرة
وبدأ يخط لنفسه خطا في الحياة
وبدأ يعد نفسه بأسلحة دفاعية لرحلته في هذه الحياة

***

وخرج من (عزلته) وقد طالت لحيته، وطال شعره كذلك
وتلقى طارق بعض (الاستفهامات والتعجب وربما السخرية) ممن حوله، لكنه لم يعد يعبأ
بل كان يجيب والديه بإجابات (بسيطة) ولكنها (ثابتة مؤثرة)، وتخرج من نفس (مطمئنة)

وتماشيا مع حالة (الوجد) الجديدة، أبقى طارق على طول لحيته وشعره
وكان قد ربط شعره وضمه فيما يشبه (ذيل الحصان) كما هو معروف
وخرج إلى صلاة الجماعة في المسجد
وهناك، خاطبه الإمام منكرا (طول شعره) وناصحا إياه بضرورة (قصه)
فما كان من طارق إلا أن أعلن استغرابه لسكوت الإمام عن (كل المخالفات الشرعية) من حوله، واهتمامه بطول شعره الذي هو (من السنة) !!!
ولكنه عاد فقص شعره، وأبقى على طول لحيته وتهذيبها

***

وفي محاولته لتحقيق بعض ما فهمه من سنة الله في خلقه، بدأ العمل على تأسيس شركة هندسية مع اثنين من أصحابه
وفعلا، أسسوا شركة كانت الأولى في تخصصها، وهي من الشركات المتميزة في عملها حتى لحظة كتابة هذه الكلمات

أما عن طارق في الشركة، فرغم اتفاق الجميع على (صعوبته)، لكنني لا أسمع عنه إلا خيرا
تحري الحلال، وتقوى الله في الموظفين، والاعتناء بتدريبهم والإنفاق عليهم لتطويرهم، ومد يد العون للخريجين الجدد، وغير ذلك مما يندر وجوده

ولطالما سمعت منه أن من (الجهاد) تحري (الحلال) في عالم (السوق) اليوم

***

وفي تلك المرحلة، تعرف على (لارا الخياط)، المهندسة المدنية التي كانت تعمل في شركة يزورها طارق في عمل له
وتقدم إليها، وكان هناك (رفض مبدئي، على استحياء) من قبل أهلها لـ (الخاطب الملتحي)، خصوصا أن (الأهل) من غير المتدينين

لافتة: لكم أن تعلموا أن أهل (لارا) كانوا عامل ضغط عليها لتنزع حجابها التي كنت قد (التزمته) قبل فترة بسيطة !!!

هناك، العام 2000 للميلاد، عرفت طارق لأول مرة
وانشرح صدري كما لا (ينشرح) إلا لقليل من الناس

وحتى لا يتعجل البعض ويظنوا أن الأمر متعلق بـ (اللحية)، فإن لهم أن يعلموا أن بعض (اللحى) لاتزيدني إلا نفورا
والله المستعان

***

ما بين 2002 – 2008 للميلاد، عملت في دبي، وكنت في رحلة شهرية بين الأردن – دبي
وما بين 2005 – 2006 للميلاد، كان لي دورة تدريبية استغرقت العام ونصف العام، بفعل أسبوع كل شهرين تقريبا، في مركز الحسين الثقافي وسط البلد
ورغم التزامات طارق وانشغاله ومسؤولياته، وفي الساعة الأخيرة من أيام الحلقة التدريبية، كنت أفاجأ بطارق يدخل القاعة من الباب الخلفي
كان يحضر كغيره من الطلاب، بكل تواضع، ثم كان يفاجئني بالمغادرة دون أن يسلم علي أو حتى أن يهتم بأن يريني أنه كان حاضرا

اتصلت به مساء إحدى أيام الحلقة التدريبية بعد أن خرجت، وسألته: لماذا لم تنتظرني لأسلم عليك على الأقل ؟!
فقال: يا عبدالرحمن، غيري أولى بك، والجمهور من حولك كثير، فلا أريد أن أثقل عليك، أما أنا، فبالكاد أخرج لأفكر بما قلتَه وأحاول تطبيقه
تبسمت وقلت (في نفسي): رضي الله عنك يا طارق

***

طارق الخطيب هو أحد ركني بيت من البيوتات التي أتحدث عنها كثيرا في دوراتي التدريبية، سيما (ألف باء التربية)
بيت، منذ دخلته أول مرة حينها، لا يحوي سوى (أقل القليل) من أثاث البيت
بل كان، ولا يزال، فيه (صالون) فارغ، لأنه كان معدا لاستقبال الزوار (الأبناء لاحقا)

ولم يكن يعني (طارق) ولا (لارا) أن يعتب أحد أو ينقد ناقد
فكيف إذا عرفتم أن البيت لا يكاد يستقبل من الزوار إلا نفرا قليلا يعدون على أصابع اليد الواحدة
بل ربما استغربتم إذا أخبرتكم أن أهل طارق ولارا لم يدخلوا بيتهما إلا بضع مرات على مر هذه السنين
لأن البديل هو الزيارة الأسبوعية من طارق ولارا إلى بيت الأهل (أهله وأهلها)

لافتة: إذا كنتم تقرؤون عندي أن (رضا الناس ليس غاية أصلا) فإن هذه العبارة (واقع) في بيت طارق ولارا

***

البيت لم يكن فيه (تلفزيون)، وعندما جيء بالتلفزيون، كان من النوع (الصغير) الموجود في زاوية بسيطة، وغير ملحوظ
وليس ثمة (صحن لاقط)، ولا (قنوات فضائية)، إنما التلفزيون هو جهاز عرض لأقراص مضغوطة مختارة بعناية

البيت يجتهد أن لا يحوي إلا طعاما صحيا، فلا سكريات زائدة، ولا مشروبات غازية ضارة، ولا ألعاب زائدة عن الحاجة

ثم ولدت (دانا)، وتلاها (عمر)
فبدأت المكتبة تمتلئ بما يحتاجانه من علم ومعرفة
وكان الورد اليومي وقصص الأنبياء وقصص القرآن هي ما يُقرأ للطفلين قبل النوم
وكان، ولا يزال، وقت الطفلين يمتلئ بأعمال ونشطة بعيدة عن العالم الوهمي في التلفزيون أو الإنترنت أو الألعاب الرقمية، إلا قليلا موجها
مثل: الفروسية، والشطرنج، والسباحة، والأعمال البيتية، والرسم، والطين، والقراءة، والمسابقات الشعرية، وغيرها

وإن أنس لا أنس يوم زرتهم في البيت، واجتهدت أن تتفق زيارتي مع عودة طارق إلى البيت، لأرى كيف يقضي (الساعة والنصف) المتبقية قبيل نومهما
وكان طارق قد نبهني أن هذا (وقته مع الأطفال)، حتى لا أنزعج إذا ظهر منه أنه (ليس حاضرا معي)
فكان أن دخل من الباب، وسارع الطفلان إلى (بابا)، هذا يمسكه من رجله، وتلك تقفز على ظهره، وهو (مع إرهاقه) لا يمنعهما
ثم أكل طعام العشاء، وهما حوله
ثم جلسنا نتحدث، وهما حوله، يلاعبانه ويقفزان عليه ويضحكان معه، وهو على هدوئه، كما هو
ثم قال: حان وقت النوم، ومع شيء من التلكؤ الطفولي، دخلا ليعدا نفسيهما للنوم
ثم لحق بهما، ووضعهما في سريريهما، ثم سمعته يقرأ (ورده اليومي من القرآن) معهما، وكانت يومها سورة (الزلزلة)
وما هي إلا لحظات، حتى غاب صوت الطفلين، وخرج طارق !!!
سألته مستغربا: ناما ؟! فقال: نعم. قلت: أود أن أتأكد بنفسي، ودخلت فعلا لأرى الطفلين يغطان في نوم عميق

***

في المدرسة (العلمانية العولمية مرتفعة الرسوم)، قالت إحداهن لدانا يوما: أنتم فقراء، لأنك لا تملكين جهازا لوحيا مثلنا
أجابتها دانا: فقراء ونحن في هذه المدرسة ؟!
وأخبرت دانا أمها (لارا) بما جرى، فقالت لها: أخبريها أن ثمة فرقا بين (الأغنياء والأغبياء)

وفي المدرسة أيضا، قال أحدهم يوما لعمر (متهكما ومستفزا): أنت لا تملك جهاز آيفون !!! فأجابه عمر على الفور: هل تستطيع أن تصنع طيارة ؟!
وكان عمر يشير إلى أنه يستطيع أن يصنع طيارة من قطع التركيب (الليجو) مثلا، فهو يرى أن هذا أجدر من مجرد القدرةعلى نقر جهاز (غبي)

وانضمت إلى البيت منذ خمس سنوات عائشة

وعلى الرغم من غربة (البيت وأهله) عن المحيط (اللاديني)، إلا أن (الدين) وبالذات (طارق) يبقى رمزا (محترما) من قبل جميع من في البيت
وإن أنس لا أنسى يوم أن (ضربت) دانا زميلة لها لأنها علقت على (لحية) أبيها، وهي في مدرسة (عولمية) !!!

وإن أنس لا أنس يوم هاتفتني لارا لتخبرني بما حصل بينها وبين عمر في السيارة
كانت قد غضبت منه لسبب ما، ثم انفعلت في وجهه
فما كان من عمر إلا أن قال لها: لو كان محمد (صلى الله عليه وسلم) هنا، هل كان سيفعل فعلك ؟!

وبعد أسبوع (تقريبا) من هذه الحادثة، حصل في مدرسة عمر موقف آخر استحق التوقف
كان ثمة زميل يشاكسه ويستفزه، وعمر يتحاشاه، حتى ضربه عمر، وبلغ الأمر الإدارة، وكادت المشكلة أن تكبر
توجهت لارا من الغد إلى المدرسة، وأخذت معها معلبات من الشوكولاته لتوزعها على الفصل، وليقوم عمر بإعطاء واحدة لزميله الذي ضربه
فلما رآى عمر أمه حاضرة هناك، انزعج، واعتبر أن هذه (مشكلته هو)، وأنه (هو) من ينبغي عليه أن يتعامل معها
طلبت منه أمه أن يأخذ واحدة من (معلبات الشوكولاته) ليعطيها زميله، فرفض
فكررت الطلب، فرفض، فقالت له: ((عمر! وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))
فما كان من عمر إلا أن أخذ (الشكولاته) وتوجه إلى زميله فأعطاه إياها، ثم عاد إلى أمه وقال: أما البقية فأنت وزعيها عليهم 

***

الحديث عن طارق ولارا وبيتهما يطول
ولا يعني هذا أنني أتفق مع (كل) ما هو هناك، بل ربما أختلف مع أمور أراها أنا (أساسية ومهمة)
ولكن هذا لا يمنع أن هذا البيت فيه من الخير ما هو من الإنصاف والعدل الإشارة إليه

***

السؤال: لماذا هذه الرسالة الآن، واليوم تحديدا ؟!

منذ أيام، علمت أن والد طارق، عبدالجابر، تعرض لأزمة صحية، أدخل على إثرها المشفى
واكتشفوا هناك أنه يعاني من سرطان الدم، في مرحلة متقدمة منه
ومن يومها، وطارق لا يكاد يغادر والده، ولا يكاد يغفل عنه

***

في العيد، ومع كون الجد (عبدالجابر) في المشفى تحت الرعاية الصحية
أصر عمر (الحفيد، ولد طارق) أن يكون مع (جدته) في الأضحية وتوزيعها كما تعلم من والده وجده، وكما أوصاه جده أن يستمر عليه

***

هاتفت طارق لأطمئن عليه، فلم أتمكن سوى من مكالمة واحدة، لشدة انشغاله به
حدثني في تلك المكالمة عن شفقته على والده من المرض ومن زواره الذين لا يقدرون المرض والمرضى، وكيف يجتهد في تخفيف هذا العبء عن والده

وخلال أيام معدودات، شعر طارق أن والده قد أرهق من العلاج الكيمياوي، وعلم من الطبيب أن هذا لن يعطيه كثيرا من الوقت
وكان والده يريد أن يستريح بالعودة إلى البيت، وأراد طارق أن يريح والده من ألمه

تذكروا معي: هذا الوالد هو ذاته الذي كان ولده قد دخل في عزلة بسبب مشادة كلامية بينهما !!!

***

اليوم صباحا، توفي عبدالجابر الخطيب، والد أخي الحبيب طارق عبدالجابر الخطيب

أقول: يا طارق، إن كنت قد عنيت لنفس مقصرة مثلي كل هذا، فما الذي عنيته لوالدك عبدالجابر ؟!

أكتب هذه الكلمات وعيني تدمعان، بل تبكيان

***

سؤال: هل يستحق طارق مني كل هذه الكلمات ؟!
بل أكثر من هذه الكلمات، وأحسبه عند الله خيرا مما كتبت، والله حسيبه

***

أخي الحبيب طارق

عظم الله الأجر
وأحسن الله العزاء
وآنس عبدالجابر في قبره، وجبر له عثرته وكسرته
وآنسكم من بعده
وأعانكم على أن تكونوا عملا صالحا ينفعه من بعده
وأقر عينك بلارا ودانا وعمر وعائشة، كما أقر عين عبدالجابر بك

اللهم آمين

***

إني أحبك في الله
أخوك المحب / عبدالرحمن