دفاعا عن ابن تيمية من افتراء الجفري – بدر العتيبي

الرد على الجفري
والدفاع عن شيخ الإسلام ابن تيمية
في فرية أنه يبيح قتل الأب المشرك مطلقا

بدر بن علي بن طامي العتيبي

***

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد

فقد نشر الجفري في حسابه في تويترن مصورة من كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
حيث قال رحمه الله (14/ 478)
((فإن الوالد إذا دعا الولد إلى الشرك ليس له أن يطيعه بل له أن يأمره وينهاه وهذا الأمر والنهي للوالد هو من الإحسان إليه، وإذا كان مشركا جاز للولد قتله وفي كراهته نزاع بين العلماء))

ودندن (الجفري) بها على ما يصنعه الخوارج اليوم من جرأتهم على الدماء المعصومة، حتى وإن كانوا من الأقربين كالآباء والأبناء ونحو ذلك

وهذا مكرٌ في التصيد، لا يروّج إلا على الجهال والحمقى
فالمسألة معروفة بين أهل العلم
والكلام كلّه عن “الشرك” الذي سماه الله تعالى شركا
والكلام على من كان من المحاربين، لا مطلق قتل الأبناء للآباء إن كانوا بمجرد وصفهم بالشرك من غير عدوان وبغي
فهذا لا يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية ولا غيره من أهل العلم

والله تعالى قد أمر بحسن الصلة ولو كان الأبوان أو أحدهما مشركا بالله تعالى
فقال تعالى
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [القرآن/العنكبوت/8]

قال شيخ الإسلام في [جامع المسائل/4/ 275]
((فوصاه سبحانه بوالديه، ثم نهاه عن طاعتهما إذا جاهداه على الشرك، فكان في هذا بيان أنهما لا يطاعان في ذلك وإن جاهداه، وأمر مع ذلك فصاحبهما في الدنيا معروفا))

فبين الشيخ أن المأمور به شرعا صحبتهما في الدنيا بالمعروف، ولم يقل القتل

فمراد الشيخ من كلامه السابق هو
أنّ عموم قول الله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} لا يلزم منه عدم الإنكار عليه، ولا أمره بالمعروف، فهذا جائز وهو من الإحسان إليه
بل أباح أهل العلم له قتاله إن حارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقتله

ولا يكون هذا من مخالفة الإحسان إليه، بل يكون خارجا عن استحقاقه للإحسان المطلوب شرعا

ولهذا فقد حصل لبعض الصحابة من قتل أباه فيما حكاه أهل السير والأخبار، مثل: أبي عبيدة عامر بن الجراح، ومسعود بن الأسود العدوي، وغيرهم، لما حاربهم آباؤهم، وقاتلوهم، ومنهم من منعه النبي صلى الله عليه وسلم من قتل والده كخباب بن عبدالله بن أبي بن أبي سلول، مع ثبوت كفر والده

وكما أشار شيخ الإسلام، فإن أهل العلم قد اختلفوا في (كراهته) لا في عموم منعه

قال الكاساني الحنفي في [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع/7/ 101]
((ويكره للمسلم أن يبتدئ أباه الكافر الحربي بالقتل؛ لقوله تعالى {وصاحبهما في الدنيا معروفا}؛ أمر – سبحانه وتعالى – بمصاحبة الأبوين الكافرين بالمعروف، والابتداء بالقتل ليس من المصاحبة بالمعروف))

وقال القرافي المالكي في [الذخيرة/12/ 8] بعد ذكر الآية
((فدل على أن الكافر اندرج في الموصى ببره لأنه لا يأمر بالشرك إلا كافر، وقال أصبغ: يقتل أباه وأخاه وإذا امتنع))

وفي [مختصر المزني/8/ 376]:
((ويتوقى في الحرب قتل أبيه) ولم يجزم بالحرمة))

وللشيرازي الشافعي في [التنبيه/232]
((ويتجنب قتل ابيه أو ابنه إلا ان يسمع منه ما لا يصبر عليه من ذكر الله تعالى أو ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم))

وقال النووي في [المجموع شرح المهذب/19/ 295]
((ويكره أن يقصد قتل ذي رحم محرم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع أبا بكر رضى الله عنه من قتل إبنه فإن قتله لم يكره أن يقصد قتله كما لا يكره إذا قصد قتله وهو مسلم، وإن سمعه يذكر الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم بسوء لم يكره أن يقتله))

وقال ابن قدامة في [المغني/8/ 536]
((ذكر القاضي أنه لا يكره للعادل قتل ذي رحمه الباغي؛ لأنه قتل بحق، فأشبه إقامة الحد عليه. وكرهت طائفة من أهل العلم القصد إلى ذلك. وهو أصح، إن شاء الله تعالى؛ لقول الله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا}))

هذا كله لو كان مشركاً محارباً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تكلم العلماء كثيراً فيما هو دون ذلك

جاء في [السير الصغير/235] لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة
((قلت: أَرَأَيْت الرجل من أهل الْعدْل يقتل أَبَاهُ أَو أَخَاهُ فِي أهل الْحَرْب هَل يَرِثهُ؟
قَالَ: نعم
قلت: لم؟
قَالَ: لِأَنَّهُ قَتله بِحَق
قلتُ: أَرَأَيْت الرجل من أهل الْبَغي يقتل أَبَاهُ أَو جده فِي الْحَرْب هَل يَرِثهُ؟
قَالَ: نعم لِأَنَّهُ قَتله على تَأْوِيل، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا يَرث
قلت: أفتكره للرجل من أهل الْعدْل أَن يقتل أَبَاهُ أَو أَخَاهُ من أهل الْبَغي؟
قَالَ: نعم؛ ويلي ذَلِك غَيره أحب الي
قلت: وَكَذَلِكَ لَو كَانَ أَبوهُ من أهل الشّرك فِي الْحَرْب؟
قَالَ: نعم
قلت: أفتكره لَهُ قتل الْأَخ وَالْعم وَالْخَال إِذا كَانُوا مُشْرِكين؟
قَالَ: لَا بَأْس بذلك))

يقول النووي في [روضة الطالبين/9/ 155]
((يكره للجلاد قتل والده حدا وقصاصا))
ولم يقل بحرمته، فدل على الجواز أصلاً، وإنما الكلام في الكراهة.

وقبله يقول الجويني الشافعي في [نهاية المطلب في دراية المذهب/17/ 424]
((يكره للغازي أن يقتل ذا الرحم فصاعدا، وتتأكد الكراهية إذا انضم إلى الرحم المحرمية، وتزداد تأكداً كلما ازداد المقتول قربا))

وفي [مختصر خليل/237] في قتال البغاة
((وكُره للرجل: قتل أبيه وورثته))

قال صاحب [التاج والإكليل لمختصر خليل/8/ 369]
((ابن سحنون: ولا بأس أن يقتل الرجل في قتالهم أخاه وقرابته، فأما الأب وحده فلا أحب قتله تعمدا وكذلك الأب الكافر))

ويقول ابن أبي زيد في [النوادر والزيادات/14/ 551] في قتال البغاة
((ويكره له قتل أبيه منهم في القتال من غير تحريم، إلا أن يكون أبوه قصد إليه ليقتله، فلا بأس أن يدافعه الابن بالقتال إن لم يجد حودا عنه بلا هزيمة ولا وهن يدخل على أصحابه))

ويقول أبو البقاء الدمياطي المالكي [الشامل في فقه الإمام مالك/2/ 914]
((وما أصيب من سلاحهم –أي الخوارج- وكراعهم استعين به عليهم إن احتيج له، وَرُدَّ لهم بعد الحرب، ووقف ما سوى ذلك من أموالهم – ولا يستعان به – ثم يرد لأهله، وكره له قتل والده وورثته، وقيل: يجوز كجده وأخيه، وقريبه))

وقال الإمام الشافعي في [الأم/4/ 235]
((وأكره للعدلي أن يعمد قتل ذي رحمه من أهل البغي ولو كف عن قتل أبيه أو ذي رحمه أو أخيه من أهل الشرك لم أكره ذلك له بل أحبه وذلك «أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كف أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه وأبا بكر يوم أحد عن قتل أبيه))

فهذه بعض أقوال الفقهاء في المسألة من غير استيفاء ولا سعة جمع
وإنما المراد بذلك هو الإيضاح بأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يختلق كلاما يخرج به عن قول الفقهاء من قبل
وإنما تكلم بما تكلم به الأئمة في سائر المذاهب الأربعة المتبوعة

فلماذا يقتنص الجفري هذا الكلام من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
ثم يعلّق عليه بأن داعش الخارجية صدرت من هذا الكلام بفكرها الخارجي المارق؟!

ما هذا إلا الهوى وفساد النية، وقبح الطوية، واللعب بكلام أهل العلم لإسقاطهم بكلام هو كلام أهل العلم من قبل
والله المستعان

تم التعليق المختصر يوم الأحد 4 شوال 1436