ممارسات الطاقة في ميزان العلم النظري – طلال العتيبي

* أصل هذه المقالة منشور في مجلة البيان

عندما يتردد على مسامعك مفردات مثل: طاقة، جذب، ذبذبات، ترددات سالبة، موجبة، مثبت علميا
فسرعان ما يتبادر إلى ذهنك الفيزياء والكيمياء.. إلخ.

وهذا بالفعل ما توقعته عند اطلاعي على مؤلفات ومحاضرات مروجي ما يسمى بعلوم الطاقة.

كنت أتساءل: هل لما يسمى بعلوم الطاقة وقانون الجذب أساس علمي صحيح؟
هل هي ثورة علمية جديدة نرفض جهلا التواكب معها؟

وكمتخصص، كنت أبحث عن الجواب الشافي بعقل منفتح دونما تشنج.

بطلان الأساس العلمي لما يسمى بعلوم الطاقة، وقانون الجذب نموذجا:

بعد الاطلاع بشكل متجرد وعقل منفتح على ما يسمى بعلوم الطاقة وقانون الجذب (نموذجا) وتناولها من وجهة نظر علمية بحتة
توصلت إلى التالي:

عملا بما هو متفق عليه في الأوساط العلمية، فإن القانون (بمفهومه العلمي) هو:
القواعد النظرية التي تصف كيفية حدوث أمر ما اعتمادا على صحة تجارب مختبرية دون وجود تجربة واحدة خاطئة.

وهذا التعريف غير مكتمل الأركان فيما يسمى بـ «قانون الجذب»
حيث إنه يستند فقط إلى حكايات وأدلة قولية (Anecdotal Evidences) والتي لا يعتد بها علميا
بالإضافة لعدم إمكانية إثباته ولا نقضه تجريبيا

لذا، فإن ما يسمى بقانون الجذب لم يستكمل أركان وشروط “القانون” علميا
لذا، فهو ليس بقانون!

إن جميع التفسيرات الفيزيائية الصحيحة لا تعمل في صالح ما يسمى بـ «قانون الجذب» بصورته الحالية.

ولقد انقسمت مغالطاتهم العلمية على أوجه كثيرة
فعلى سبيل الذكر لا الحصر:

***

الطاقة (Energy):

إن أسهل تعريف للطاقة المثبتة علميا هي: المقدرة على القيام بشغل يحدث تغييرا، لا نعلم ماهيته ولا جوهره ولكن نرى أثره في التحولات من شكل إلى آخر (طاقه حركية، طاقة وضع.. إلخ).

الطاقة (علمياً) واحدة لا سالبة (-) ولا موجبة (+)
إن استخدام الإشارات (سالب وموجب) هي للاستخدام الرياضي فقط
كأن نقول: الطاقة الخارجة من الجسم سالبة والداخلة إليه موجبة
كما نستطيع أن نفرض العكس تماما، وهو صحيح أيضا.

لذا، فتغيير الإشارات لا يغير في المدلول الفيزيائي شيئا

أما القول بأن طاقتك تجذب لك الأشياء، فمغالطة كبيرة، لأن الطاقة ليس لها خاصية الجذب

تقاس الطاقة بقياس نسبي (Relative) لمرجعية معينة
فالطاقة الحركية (Kinetic Energy) على سبيل المثال تعتمد على الكتلة والسرعة
لكن أي سرعة نقصد؟ أهي السرعة بالنسبة لسطح الأرض؟ أم السرعة بالنسبة لمركزها؟ أم السرعة بالنسبة لمركز الشمس؟

كل تنوع هذه المرجعيات يقودنا لنتائج مختلفة وجميعها صحيح في الوقت نفسه.

حتى وإن حددنا المرجعية، فإننا لا نستطيع قياس الطاقة لجسم ما، إلا من خلال حسابات رياضية تقوم على قياسات مختبرية أخرى (كقياسنا للكتلة والسرعة في حال الطاقة الحركية)، فقط!

لذا، لا يمكن من خلال جهاز معين قياس طاقة إنسان وهو مجموع طاقات مختلفة (حركية ووضع وحرارية وغيره) معقدة في بعضها بدون مرجعية متفق عليها.

إن رفع مستوى الطاقة يبعد المادة عن وضع الاستقرار
وإن المادة دوما تسعى للبقاء في أقل وضع طاقة «Low Energy State» وهو وضع الاستقرار.

إن إرتفاع حرارة جسم الإنسان (نوع من أنواع ارتفاع الطاقة الحرارية) خطير وقد يؤدي إلى الموت.

***

الذبذبات (Frequencies):

إن الذبذبات هي تكرار لحدث ما خلال وحدة زمن
هي ترددات موجبة تفسر ما لدى بعض الأجسام من مرونة.

إن الذبذبات جزء من تكوين القوى والطاقة وليست أمرا منفصلا قائما بذاته.

القول بأن الترددات العالية تنتج طاقة عالية قول غير دقيق
فبجانب التردد (Frequency) هناك ما يسمى سعة التردد (Amplitude).
فقد تكون هناك ترددات منخفضة لكن طاقتها أعلى لأن سعة التردد لديها عالية.

هل سمعت هذه المقولة:
«إذا توافقت ذبذبات شيء تريده مع ذبذباتك فهذا شيء جيد» ؟!

هذا خلل فادح.

إن كل مادة لها تردد طبيعي «Natural Frequency».
بمعنى أن المادة حينما تهتز فإنها لا يمكن أن تهتز إلا وفق ترددات محددة تعتمد على كتلة ومرونة الجسم.

وإن توافق التردد الخارجي مع التردد الطبيعي للأجسام ينتج ما نسميه بـ (Resonance)
وهذه ظاهرة يميل فيها النظام للاهتزاز بسعة عالية جدا عند ترددات محددة
وغالبا ما تقود إلى كارثة

لذا، فإن جميع مصممي المباني والطائرات والجسور والآلات… إلخ، يأخذون في حسبانهم حين تصميمها ألا تكون هناك إمكانية لتوافق الذبذبات الخارجية مع الذبذبات الداخلية قدر المستطاع، حتى لا تحدث هذه الظاهرة الخطيرة التي تسببت في سقوط جسور ومبان وكوارث أخرى.

حتى أن البعض فسر سبب حدوث «السكتة القلبية» أنه توافق ذبذبي بين تردد خارجي وتردد نبضات القلب.

أما القول بأن «ذبذباتك تجذب الأشياء» فإنه ادعاء باطل علميا

ليس للذبذبات خاصية الجذب
وهي ليست منعزلة بذاتها، بل هي جزء من تكوين القوى الفيزيائية.

ومما يثير الشفقة أن تسمعهم يقولون: «ذبذبات السعادة والثراء عالية وذبذبات الحزن والفقر منخفضة ولها قياس معين» !!!

إنني أتساءل هنا:
كيف نقيس السعادة وهي عبارة عن مشاعر معنوية «لا وجود مادي لها» بقياس مادي من ترددات وغيره؟!
هذه كارثة علمية!

***

الجذب (Attraction):

نلخص أنواع الجاذبية فيزيائيا في اثنتين:
الجاذبية الكونية «Newton’s Law of Universal Gravitation» = الجاذبية التي تتسبب فيها الكتل الضخمة جداً كالأرض والشمس فيما بينها أو بين الأرض والكتل التي حولها
أو اختلاف الشحنات موجبة وسالبة، الذي نقصد به الكهرومغناطيسية (Electromagnetism).

إن جسم الإنسان ليس كتلة ضخمة حتى يستطيع الجذب
كما أن شحنته الكلية متعادلة فلا يجذب كهرومغناطيسياً شيئا.

لذا، فلا الذبذبات لها خاصية الجذب، ولا الطاقة كذلك، ولا كتلة الإنسان تسمح بأن يكون له جاذبية، وليس له شحنة كهربائية حتى يجذب

ومن هنا، فإن مقولة أن الإنسان يجذب الأشياء مغالطة كبيرة وسطحية في الفهم

***

المراقب (Observer):

حسب العالم هايزنبرج، فإنه لا يمكن قياس كميتين ثنائيتين إلا ضمن دقة معينة (خواص كمومية على المستوى الذري)
أي لا يمكن قياسهما بدقة ٪100.

وهذا هو ما نعرفه باسم: مبدأ «عدم اليقين» (Uncertainty Principle)

يشرح الفيزيائي هايزنبيرج هذا المبدأ فيقول:
إذا أردنا أن نقيس موضع إلكترون وسرعته في آن واحد، فإننا بمجرد ملاحظتنا له (من خلال تسليط الضوء الذي هو عبارة عن فوتونات تحمل طاقة كمومية)، فإن قياسنا لموضعه حين تسليط الضوء عليه يكسبه طاقة كفيلة بتغيير سرعته واتجاهه.

أي أن قياس دقة الموضع سيؤثر على دقة قياس السرعة والعكس أيضا.

الأمر الذي يجعل نتائج فيزياء الكم احتمالية، والتنبؤ بها هو دون الجزم بمعرفة المستقبل.

وخلاصة ما تقدم، هو أن المراقب يؤثر بسبب مراقبته سلوك الأشياء (التي يراقبها).

ولجهل (هؤلاء وأشياعهم) قفزوا إلى التعميم، فقالوا بكل جرأة ودون تحرّز ولا حتى استثناء:
«إن الإنسان يؤثر في الكون كله» !!!

ومن المعلوم والمتفق عليه أن التأثير على الأشياء سببه المراقبة المباشرة
وليس الأمر مفتوحا على مصراعيه

ونحن نسأل:
هل حتى تلك الأشياء التي لا يراقبها الإنسان يؤثر فيها ؟!

فمثلا، وعلى سبيل التوضيح:
لو قلت لشخص أريد أن أراقبك لأعرف أخلاقك
بلا شك، فإن مراقبتي له قد تؤثر فيه وتدفعه ليغير من أسلوبه ليبدو أفضل

لكن السؤال المهم:
ماذا عن الأشخاص الذين لا نراقبهم، هل يغيرون من سلوكهم؟

أنا لا أعلم كيف قادهم تفكيرهم واستنتاجهم المعلول إلى مثل هذا القول !!!

***

أبحاث مزورة وفضائح مهنية:

في شهر مارس من عام 1974 نشر راين (J. B. Rhine) بحثا بعنوان
(الأمن ضد الخداع في خوارق اللاشعور: Security versus deception in parapsychology)
وكان ذلك في مجلة (Journal of Parapsychology)

ورغم أن راين يُعد من أهم المنافحين عن الإدراك فوق الحس
إلا أنه يذكر في صدر بحثه أنه تم توثيق 12 حالة تزوير في تجارب بحثية في علوم الطاقة تم نشرها بين عام 1940 وعام 1950
حيث تعمد الباحثون التدليس في نتائج البحث بما يخدم الفكرة العامة التي يريدون إيصالها.

يمكنك الاطلاع عليها من خلال:
http://psycnet.apa.org/psycinfo/1974-28908-001

وفي عام 1979 قامت جامعة برينستون (Princeton University) بتأسيس مركز أبحاث باسم
(The Princeton Engineering Anomalies Research (PEAR) program)
وهو المركز المعني ببحث التخاطر وما يتعلق به

وتوالت الانتقادات على المركز

ففي عام 1996 تم نشر بحث في مجلة خوارق اللاشعور أو ما وراء النفس (Journal of Parapsychology) بعنوان
(CRITIQUE OF THE PEAR REMOTE-VIEWING EXPERIMENTS)
وكان البحث يؤكد تناول المركز للأبحاث بشكل غير مهني لمدة عشر سنوات سابقة
وأن المناهج العلمية التي تمت من خلالها أبحاثهم مهلهلة، وغيرها من الانتقادات الحادة.

لقد شكل هذا الأمر إحراجا لجامعة عريقة كجامعة برينستون
وهو ما حدا بها إلى إغلاق المركز عام 2007.

يمكنك البحث من خلال الرابط التالي:
http://www.tricksterbook.com/ArticlesOnline/PEARCritique.pdf

وخبر نيويورك تايمز:
http://www.nytimes.com/2007/02/10/science/10princeton.html?pagewanted=all&_r=1&

***

فضيحة مشروع ألفا = Project Alpha

في عام 1979، قدم جيمس مكدونل (James S. McDonnell)
وهو الشهير في صناعات الطيران وأحد المؤمنين بخوارق اللاشعور
قد مبلغا قدره 500,000 دولار كمنحة لجامعة واشنطن في سانت لويس لإقامة مختبر يعتني بالأبحاث الروحية.

في هذه الأثناء، دبر جيمس راندي (James Randi) مع شابين: ستيف وميشيل (Steve Shaw and Michael Edwards)
وهما محترفا ألعاب سحرية لكنهما مغموران
دبروا مكيدة لهذا المختبر
حيث قدم الشابان نفسيهما لمركز الأبحاث على أنهما يمتلكان قدرات خارقة كـ (ثني الملعقة، والاستبصار، وغيرها).
وقام المركز بإجراء أبحاث عليهما، وبحضور مختلف الباحثين، حتى خرجوا بنتائج مذهلة!

لكن الفرحة لم تستمر.
ففي عام 1983، أعلن جيمس راندي ورفاقه ستيف وميشيل أنهم خدعوا مركز الأبحاث
وأنهم كانوا يمارسون خفة اليد والخداع فقط، ولا يمتلكون قدرات خارقة.

نشر الخبر في مجلة نيويورك تايمز تحت عنوان:
مجهود ساحر فضح العلماء ليثير قضايا أخلاقية
(MAGICIAN>S EFFORT TO DEBUNK SCIENTISTS RAISES ETHICAL ISSUES)

وهنا رابط الخبر:
http://www.nytimes.com/1983/02/15/science/magician-s-effort-to-debunk-scientists-raises-ethical-issues.html?pagewanted=1

لقد استطاع شابان صغيران في السن خداع كل من كان في مركز الأبحاث ليخرجوا بمعلومات مضللة
ليس هذا فقط، بل تعمد بعض الباحثين غض الطرف عن الشابين حتى يخرجا بنتائج إيجابية (على حد قول الشابين)

لقد أطلق جيمس راندي على هذه الفضيحة المدبرة اسم (مشروع ألفا) لتهز بأثرها المجتمع العلمي بأسره
ولتفتح الباب أمام تساؤلات حول الأمانة العلمية ومدى هشاشة المناهج العلمية المتبعة في التجارب المعملية لهذا المجال

لقد أعطينا مثالين لأنصار الأبحاث الروحية ومثالا لأحد خصومها

لماذا لا نخرج من دوامة المتخاصمين ونذهب الى التجارب الحكومية الأكثر حيادية؟
كتجارب الحكومة الأمريكية والحكومة البريطانية!

***

تجارب حكومية باءت بالفشل:

منذ عام 1970 والحكومة الأمريكية لديها اهتمام كبير بدراسة ظواهر «الإدراك فوق الحس»
وذلك لغرض استخدامها في خدمة ترسانتها الاستخباراتية والعسكرية.

ولعل ما زاد هذا الاهتمام هو ادعاء الكثيرين قدرة الإنسان على النفع والإيذاء بأفكاره وبالتركيز والتخاطر وغيرها من الظواهر الكونية.

ومن قبيل هذا الاهتمام
أنشأت الحكومة الأمريكية مشروع ستارغيت (Stargate Project)
وبعد العديد من الدراسات التي أثيرت حولها الشبهات
أوكلت المهمة في عام 1995 لوكالة الاستخبارات الـ (CIA)
والتي بدورها أوكلت المهمة للمعهد الأمريكي للأبحاث (American Institutes for Research)

ولقد خلص المعهد إلى أن هذه الدراسات شابها كثير من الخلل في المنهجية وقفزت لنتائج دون مسوغ علمي لها
إضافة إلى عدم ثبوت وجود هذه القدرات، وعدم نفعيتها في العمل الاستخباراتي.

يمكنك الاطلاع على التقرير من خلال الرابط التالي:
http://www.lfr.org/lfr/csl/library/airreport.pdf

وفي أواخر عام 1995 خرج الخبر في مجلة التايم TIME تحت عنوان:
عشر سنوات وعشرين مليون دولار، ليكتشف البنتاغون أن أصحاب القدرات الخارقة جواسيس لا يعتمد عليهم
TEN YEARS AND $20 MILLION LATER, THE PENTAGON DISCOVERS THAT PSYCHICS ARE UNRELIABLE SPIES

رابط الخبر:
http://content.time.com/time/magazine/article/0,9171,983829,00.html

هذه تجربة الحكومة الأمريكية، والتي جازفت بسمعتها في تبني مثل هذه المشاريع
أملا في البحث عما يمكن أن يدعم ترسانتها الاستخباراتية
ولكن وبعد أن جعلوا أهم ادعاءات ما يسمى بعلوم الطاقة على المحك، ظهر لهم عدم صحتها وأنه استثمار فاشل

هذه تجربة دولة من أعتى الدول وأقدرها على توظيف الكوادر البحثية ومراكز الأبحاث لخدمة أهدافها
إلا أنها لم تتوصل لنتيجه إيجابية.

لكن الجدير بالذكر أن قصة مشروع ستارغيت الذي فشل على المستوى البحثي العلمي
كانت الملهم لخيال صاحب كتاب وفيلم The Men Who Stare At Goats = الرجال الذين يحدقون في الماعز
وبالرغم أنه لا يستند الى حقائق علمية صحيحة، إلا أنه تم عرض مشهد منه في حلقة أحد الإخوة في رمضان كدليل إثبات !!!

يمكن شاهد مقدمة الفيلم من باب الاطلاع

***

تجربة الحكومة البريطانية

ليست فقط الحكومة الأمريكية هي التي كانت تحاول الاستفادة من أمر كهذا
بل أيضا الحكومة البريطانية

ففي عام 2001 قامت وزارة الدفاع البريطانية بدراسة ظاهرة الاستبصار وقدرة الإنسان على رؤية الأمور عن بعد.

وفي عام 2007 كشفت وزارة الدفاع البريطانية عن الدراسات
وخلصت النتائج إلى أنه لا يوجد ما يدعم وجود هذه الظاهرة أو إمكانية الاستفادة منها.

يمكنك الاطلاع على الدراسات ونتائجها في:
http://webarchive.nationalarchives.gov.uk/20121026065214/http://www.mod.uk/DefenceInternet/FreedomOfInformation/DisclosureLog/SearchDisclosureLog/RemoteViewing.htm

لقد حاولت الحكومة البريطانية القيام بتطبيق أعلى درجات المهنية وتطبيق المنهج العلمي في البحث حتى لا تكرر فضيحة الحكومة الأمريكية، ولكنها خلصت إلى النتائج ذاتها.

***

لافتة:

بالرغم من إلحاد المجتمع الغربي إلا أنه لم يتعامل بدكتاتورية مع ما يقدمه أدعياء علوم الطاقة.
لم يتعامل بنفس دكتاتورية الكنيسة مع كوبرنيكوس وجاليليو بل كان منفتحا.
لقد أراد المجتمع الغربي فهم ظواهر التخاطر والإبصار وغيرها (التي يدعي امتلاكها أهل ما يسمى بعلوم الطاقة) وفق منهجية علمية ودون تقبل تفسيرات دينية مسبقة.

وباعتبار الغرب رواداً في العلم الحديث، نتج عن ذلك إنشاء العديد من مراكز الأبحاث في جامعات مختلفة للقيام بذلك
ولكن أغلب هذه الجامعات أوقفت البرامج التي تدرس هذه الظواهر لعدم جدواها بحثيا
أما بعض المراكز فاستمرت بدعم مالي خاص من بعض المؤمنين بها.

يقودنا هذا للحديث حول تجارب غريبة أحدثت تساؤلات لدى مجتمعاتنا العربية والإسلامية وعن مدى نفعية ومصداقية ما يسمى بعلوم الطاقة.

لن أتحدث أبداً عن آراء أدعياء ما يسمى بعلوم الطاقة في المجتمع العربي لأنهم ناقلون لا أكثر
وحالهم كحال “حاطب ليل” يجمع كثيرا لكن لا يتحقق من صحة المعلومات ولا يميز بين العلم والخرافة.

***

تجارب أثارت جدلا: باكستر، إيموتو، وليام تيلر

هناك العديد من التجارب التي أثير حولها جدل طويل
وهناك من يروج لها بغير علم
أغلبها يتمحور حول أثر الأفكار والنية على النباتات والجمادات

لم يكن كليف باكستر (Cleve Backster) عالم نبات كما يتوقع البعض
بل كان ضابط تحقيق في وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA والذي يعمل على أجهزة كشف الكذب

وفي بدايات 1960 خرج بنظرية (Primary Perception) والتي أحدثت ضجة في الوسط العلمي.
فهو يدعي أن للنبات إدراكا ووعيا بما حوله.

ويحاول مؤيدو هذه التجارب أن يؤكدوا تأثير الأفكار على الآخر بما في ذلك التأثير على الإنسان والنبات والجماد.

حدث جدل واسع بين علماء من داخل المؤسسات العلمية الراقية.
فمنهم من يشكك في صحتها، ومنهم من هو منفتح على الجديد ويسعى للتحقق

إلا أن الجميع كانوا على اتفاق أن يكون هناك موقف حاسم في هذا الأمر وأن تتولى هذه المهمة مؤسسة علمية تحظى باحترام الجميع.

ونتيجة لذلك، وفي عام 1975
أوكلت الرابطة الأمريكية لتقدم العلوم (The American Association for the Advancement of Science)
وهي الناشرة لإحدى أرقى المجلات العلمية على الإطلاق، مجلة (Science)
أوكلت مهمة لعلماء نبات من جامعة كورنل الشهيرة (Cornell University) للتأكد من صحة تجارب باكستر

وبعد أن تواصل هؤلاء العلماء مع باكستر نفسه وقاموا باتباع منهجيته ذاتها في التجربة التي نشرها
وبعد تكرار التجارب تحت أعين مؤيديه ومعارضيه
أصدر هؤلاء العلماء تقريرهم، والذي خلص إلى أنه:

لم تنجح أي تجربة مكررة لتجارب باكستر التي يدعيها
ولا يوجد أي ارتباط بين نية الإيذاء أو النفع وتفاعل النبات مع ذلك.

يمكنك الاطلاع على البحث المنشور:
http://www.sciencemag.org/content/189/4201/478.short

لا أخفيكم سراً أنني عندما إطلعت على نتائج تجارب باكستر، تساءلت في نفسي فقلت:

لو سلمت جدلا بصحة التجربة، فكيف لوعي النبات أن يكون انتقائيا في إدراك ما حوله، إذا كان باكستر يفكر في إيذاء النبات من باب التجربة (وليس بجدية)، فكيف للنبات أن يدرك أن باكستر سيؤذيه ولا يدرك أن باكستر يريد فقط أن يمثل الإيذاء لعمل تجربة وليس حقيقة!

لماذا يتفاعل النبات مع أفكار باكستر بطريقة مجتزأة؟

إدراك النبات – إن وجد – ليس ثوبا نفصله على قياس ادعاءاتنا (يدرك الإيذاء ولا يدرك عدم جدية الإيذاء “تمثيل”).

هذا ما نسميه بالتفسيرات العوجاء!! لكن التجربة لم تثبت ابتداء حتى نناقش التفسيرات اللاحقة.

***

ومن النبات إلى الماء

ننتقل للياباني ماسارو إموتو (Masaru Emoto)
وهو الحاصل على بكالوريوس في العلاقات الدولية (وليس في الكيمياء مثلا!) من جامعة يوكوهاما = Yokohama Municipal University
كما هو حاصل على الدكتوراه في الطب البديل في الهند عام 1992

أثار إموتو بتجاربه حول وعي الماء جدلا واسعا
وكان نشر “مزاعمه” عام 2000 في كتابه: رسائل من الماء (Messages from Water)
ومنذ ذلك الحين وإيموتو مستمر في أبحاثه التي تتمحور حول تأثير الكلمات والموسيقى على طريقة تشكل كريستالات الماء
ثم أتبعها بتجارب على الأرز، يدعي من خلالها تأثر الأرز بالكلمات الطيبة وغيرها.

يمتنع إيموتو دائما عن مشاركة الوسط العلمي تفاصيل تجاربه التي يقوم بعملها والمنهجية التي يتبعها
ولا ينشر تجاربه إلا في كتبه أو في مجلات علمية غير معتمدة.

هنا مقالة علمية تناقش إشكالات إيموتو العلمية:
http://www.newscientist.com/article/mg19025461.200-water-the-quantum-elixir.html

ليس هذا فقط
بل في عام 2003
عرضت مؤسسة جيمس راندي مبلغا قدره مليون دولار على إيموتو في حال أعاد بنجاح تجاربه تحت أعين الكاميرات والمتخصصين.

لافتة: عرف جيمس راندي بأنه محترف ألعاب خدع سحرية ومن المكذبين للقدرات الخارقة

ومنذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة (لحظة كتابة المقالة عام 2014) يتهرب إيموتو!!

لماذا لا تتساءل عزيزي القارئ هذا السؤال:
لماذا لا ينشر إيموتو تجاربه في مجلة علمية محكمة أو أن يقوم بتجربته في مؤسسة جيمس راندي ويأخذ المليون ويحظى بمصداقية ويهزم المشككين فيه ؟!
من لا يتعامل بشفافية مع المجتمع العلمي والمتسائلين عموما، لا يحترم عقول الناس.

***

د. ويليام تيلر (William Tiller)
وهو بروفيسور متقاعد منذ 1992 من جامعة ستانفورد الشهيرة (Stanford University)
وهو متخصص في الهندسة.

ويمكنك التأكد من آخر سنة كان يعمل في الجامعة من خلال هذا الموقع:
https://engineering.stanford.edu/about/emeriti

بعد تقاعده، أسس مؤسسة خاصة به (لا تتبع جامعة ستانفود)
ونشر بحثا أثار جدلا كبيرا ادعى فيه قدرة استحضار النية على تغيير حموضة وقلوية الماء (PH)
وللاطلاع على البحث:
http://www.scientificexploration.org/journal/jse_13_2_dibble.pdf

ونشر تيلر كتبا عن دور النية في التأثير على العالم المادي
كما تحدث عن قدرة النية على إرسال طاقة خفية (Subtle Energy) غير قابلة للقياس في حدود أدوات قياس العلم الحالي.

ومن الثابت والمؤكد أن جميع أبحاث د. ويليام تيلر عن النية ودورها في التأثير على الخارج تمت خارج أروقة جامعة ستانفورد وخلافا لطبيعة أبحاثه فيها سابقا.

في حقيقة الأمر
وبعد اطلاعي على هذا البحث بالتحديد والذي يستند إليه كثيرا د. ويليام تيلر
لم أستغرب سبب رفض المجلات العلمية المعتمدة نشره، لما شابه من الخلل في المنهجية وفي التفسير

ولم تنشر بحثه إلا مجلة (Journal of Scientific Exploration)
وهي مجلة (غير معتمدة)، ويعرف عنها دعمها لأبحاث دور الأفكار في التأثير على الآخرين
ويعرف عنها أيضا أنها (في سياسة نشرها) لا تحرص على التمييز بين العلم الزائف والعلم الحقيقي
وهذا ظاهر في عدم تحققها من البحث وأدواته ومنهجيته.

كارثية هذا البحث أن منهجيته يشوبها خلل كبير
والأجهزة المستخدمة يحيطها كثير من الغموض وتحوم حولها علامات استفهام كثيرة
كما يحوي قفزة لتفسيرات بغير مبرر علمي.

لقد تتبعت ما ينشره د. ويليام تيلر
فوجدت أن جميع ما نشره بخصوص هذه المواضيع لم يتم إلا في كتبه الخاصة أو في مجلات علمية غير معتمدة ذات سمعة رديئة.

يمكنك البحث عن المجلة لترى هل هي معتمدة أم لا
وهذا موقع رويترز العلمي به أكثر من 12 ألف مجلة معتمدة:
http://ip-science.thomsonreuters.com/mjl

***

ينطلق باكستر وإيموتو وتيلر من الأفكار ذاتها
ويمارسون الطريقة نفسها في ليّ عنق المعلومات وتزييف التجارب لخدمة أفكار أيديولوجية مسبقة
ولا يوجد منهجية صحيحة بنيت عليها التجارب والتفسيرات اللاحقة المغلوطة!

ومع هذا
فما زالت مؤسسة راندي تعرض مليون دولار إن كان بإمكان أي منهم إجراء تجربته بطريقته تحت إشراف متخصصين وكاميرات تسجيل.

هنا رابط طلب التقديم على التحدي وشروطه:
http://www.randi.org/site/index.php/1m-challenge.html

الغريب أن هؤلاء نشروا كتبا أحدثت ضجة إعلامية كالتي أحدثها كتاب السر (The Secret)
واحتوت كتبهم على دراسات أغلبها لم ينشر في مجلات معتمدة محكمة أو تم القفز بتفسيرات دون أي مسوغ علمي.

وإذا كان الادعاء الاستثنائي (فوق العادي) يحتاج إلى دليل إثبات استثنائي (فوق العادي) (Extraordinary Claims Demand Extraordinary Evidence)، فإن ادعاءاتهم لا يدعمها أي دليل إثبات سواء دليلا عاديا أو غير عادي!

ومع تتبع تاريخهم ستجد أن حرصهم على التفسيرات الغريبة والأبحاث المشبوهة لا يمكن أن يكون إلا لأجل زوبعة إعلامية الغرض منها تجاري بحت وهذا ما تحقق بالفعل (بيع ملايين النسخ من كتبهم!!).

***

صلاة الجماعة وجهاز الطاقة !!!

لقد ساءني مقطع فيديو يدعي فيه محاضر عربي أنه قام بتجارب علمية تؤكد بشكل قطعي أن طاقة المصلي في صلاة الجماعة تزداد إلى 27 ضعفا مقارنة بطاقته عندما يصلي منفردا
محاولة منه تقديم (إعجاز علمي) يدعم القرآن والسنة.
وهذا القول يدخل ضمن ما أسلفنا ذكره من الخداع العلمي ولو كان مبرره دعم الكتاب والسنة
ولا يجوز إثبات قضايا شرعية نؤمن بها بمعلومات علمية زائفة.

وإنني من خلال هذا المقال أتحدى من قال بهذا القول أن يقدم دليله منشورا في مجلة علمية محكمة
ليس هذا فحسب بل أتحداه أن يستعين بأرقى الجامعات والمختبرات المتطورة والعلماء لإثبات ادعائه

ولأني أعرف سلفا عدم قدرته على ذلك لأن ادعاءه يناقض كل أساسيات العلم
فإني أنصحه لوجه الله أن يعدل عن مثل هذه الأكاذيب ويعترف بخطيئته ويستغفر ربه
لأن هذا القول سيكون له نتائج وخيمة على المدى الطويل في ما يتعلق بإيمان الناس إذا ما اكتشفوا بطلان دليله
إن الدين في غنى عن أن نثبته بأكاذيب علمية.

***

الخيانات العلمية مكشوفة

في العقود التي سبقت الثمانينيات من القرن العشرين
ومع ازدياد الأبحاث التي تتناول موضوع الإدراك فوق الحس وخوارق اللاشعور
حدثت هزات في الأوساط العلمية بسبب ضبط العديد من حالات الخداع في البحث العلمي وتزوير التجارب حتى أصبحت ظاهرة.

ففي أواخر عام 1982
نشر الدكتور مارتن (مهتم بقضايا أخلاقيات العلم) بحثا عن ظاهرة الخداع في التجارب المعملية التي عصفت بالمجتمع العلمي
وحينما نتحدث عن (خداع) فنحن نتحدث عن حالة تزوير في نتائج التجارب بما يخالف أخلاقيات المهنة والأمانة العلمية.

لقد درس الدكتور مارتن دوافع الخداع والتزوير من وجهة نظر نفسية اجتماعية، وخلص إلى عوامل متعددة منها:

تمسك الباحث بفكرة معينة بشكل جنوني تجعله يتجاوز دلائل النفي ويتناقص معه خوفه من اكتشاف عبثه بالتجارب فيكون أكثر جرأةً على الكذب
إضافة إلى أن الباحث الذي يعلن عن أفكاره ويتحمس لها يكون تحت ضغط الاعتبارات الأكاديمية والاجتماعية
وأن اثبات عدم صحة أفكاره هو بمثابة إعدام علمي له
وهذا ما يزيد من إصراره على الدفاع عنها بأي مبرر كان

يمكنك الاطلاع على البحث
http://jos.sagepub.com/content/18/3/364.abstract

***

العلوم تتكامل ولا تتضاد:

لقد رأينا بالدليل والمصدر الخلل المتراكم الذي يعتري ما يسمى بعلوم الطاقة. وبالرغم من عدم صحة الإستدلال بالفيزياء وأدواته المادية البحته لأجل إثبات ماهو مدرك بالمشاعر والروحانيات غير المادية (كمبدأ عام)، إلا أنه وعلى وجه الخصوص لا مناهج علمية متبعة لهذا العلم المزيف، ولا شفافية في كشف تفاصيل التجارب ولا مصداقية للقائمين بها، أضف لذلك التفسيرات العلمية المغلوطة والقفز لنتائج دون مسوغ علمي. إن الإيمان بتأثير الحسد على المحسود وإحساس الأم بإبنها المنكوب في سفره وغيرها من الظواهر المهمة، لا يعني قبول أي تفسير علمي دون تحقق. فإما أن تكون هذه التفسيرات دينية فحينها لا يصح قبولها إلا بالدليل الشرعي (له طرقه ومناهجه) أو أن تكون تفسيرات دنيوية فيكون الدليل العلمي والمنهج هو المحك. إن تنوع أبواب العلوم الطبيعية منها (الفيزياء وغيره) والإنسانية (علم نفس وغيره) وجد بسبب تنوع صور الظواهر الكونية (المادية والروحانية). لذلك فإن بحث مثل هذه الظواهر (تخاطر وغيره) يجب أن يكون في بابه، وليس تحميل الفيزياء ما لا تحتمل لتكون هي المسؤولة فقط عن بحثها. ومن الجدير بالذكر أن التنوع الصحيح في تناول الظواهر الكونية معمول به حاليا في العلوم الحقيقية وليست المزيفة

فمثلاً: إن إدراك دور علم النفس وتكامله مع علم الفيزياء يجعلنا نعرف حدود كل علم وكيف نتناول مختلف الظواهر الكونية، فبينما علم النفس يتناول السلوك البشري ودوافعه (بما في ذلك أبحاث حول أهمية التركيز والتفاؤل وعلاقته بإنتاجية الإنسان، .. الخ)، فإن علم الفيزياء يتناول السلوك المادي وقوانينه، واختلافهما ليس تضادا بل تكامل. للسلوك المادي أهمية كما للشعور والأفكار. إنك بتفاؤلك ستزيد من إنتاجيتك وتنعش صحتك وهذا دور الروحانيات، وأيضا حينما تسقط – لا قدر الله – من ناطحة سحاب، عندها لن تنفعك أفكارك وتأملاتك في تفادي الارتطام بالأرض! ولن تكون عندها حياتك رهن أفكارك وهذا ما نعنيه بأهمية الأثر المادي. المادية الغربية التي تهمش الروحانيات على خطأ، والروحانية الشرقية التي تهمش المادية خطأ أيضاً.

وإنطلاقا من قاعدة (إن عدم وجود الشيء ليس دليلاً على عدمه)، فإن أدعياء ما يسمى بعلوم الطاقة حينما لم يستطيعوا تقديم الدليل العلمي الموثوق لتفسير الظواهر الكونية، فهذا ليس دليلا على عدم وجود مثل هذه الظواهر بل على عدم صحة تفسيراتهم لها. إذا كانت مادية الغرب تتناول هذه الظواهر بالبحث العلمي المنهجي دون الإيمان دينيا بوجودها، فإذا لم يثبت لهم صحة ادعاء أهل ما يسمى بعلوم الطاقة كفروا بها كلية، فإننا لا نقع فيما يقعون فيه من خطأ، فعدم القدرة على إثبات وجود الشيء ليس دليلا على عدم وجوده. وعدم قدرة أدعياء ما يسمى بعلوم الطاقة على إثبات تفسيراتهم ليس دليلا على عدم وجود ظواهر كالحسد والعين والملائكة والجن وغيرهم والتي نؤمن بوجودها بدليل شرعي لا تجريبي.

من المهم أيضا أن نؤكد على أنه لا يجوز في صراعنا مع الإلحاد الغربي أن نروج من حيث لا نعلم لعقائدية بوذية وضعية تستند لأبحاث مشبوهة (بعضها ثبت قطعياً أنه مزور) محاولة لإثبات قضايانا الشرعية، إن الغاية لا تبرر الوسيلة. إننا لا يجب أن ننزلق مع الفلسفات الشرقية (البوذية وغيرها) التي تفسر الظواهر باعتقادات دينية باطلة (ديانات وضعية بمجهود بشري وليست كالدين الإسلامي السماوي)، ولا يجب أيضا أن نصبح أسرى المناهج العلمية الغربية (الرافضة للتفسيرات الدينية) التي لم يستطع أحد من خلالها أن يثبت مثل هذه الظواهر. إن حديث أدعياء ما يسمى بعلوم الطاقة عن وجود بعض هذه الظواهر ليس اكتشافاً علميا يحسب لهم بل يندرج فيما هو متفق عليه بالحس المشترك العام. لذا فالمناقشة كلها يجب أن تدور حول تفسيراتهم الروحانية التي تتم بغير دليل شرعي مؤصل من دين سماوي (وليست الروحانيات البوذية) وليست مثبتة بحقيقة علمية ومنهج منضبط.

إن من العقل أن نجمع الحسنيين، قوة وصلابة المناهج العلمية الغربية، وإيماننا بوجود ارتباط بين الفكرة والسلوك المادي روحيا (نفسره من خلال ديننا الحنيف وليس بلي عنق الآيات وعسف الأحاديث لأسلمة عقائد بوذية تناقض الدين الإسلامي في الكليات وليس الفرعيات). كما لا يجوز أن نصبح أسرى الأفكار الإلحادية الغربية التي تحاول إثبات ادعاءاتها من خلال نظرياتها العلمية (فالفيزياء ليست قرآنا بل تتطور مع الوقت وقصورها من قصور العقل البشري الذي أنتجها)، وفي الوقت نفسه لا يجوز أن ننجرف مع الفلسفات الشرقية البوذية التي تفسر هذه الظواهر في ضوء اعتقاداتها الدينية الوضعية وإن تلونت بلباس العلم. هناك إشكالية حادة عند البعض عند تعامله مع الأفكار الجديدة. لا يعي أحدهم أن جديد الأفكار – إن وجد – إما أن يكون أفكارا روحانية فيكون الدين الإسلامي والاستدلال الشرعي هو مرجعيتنا في التعامل معه، وإما أن يندرج تحت العلوم الإنسانية والطبيعية فيكون حينها الدليل العلمي هو المحك، أو تكون تجارب شخصية غير مقننة قد تنفعنا وقد تضرنا.

إننا نؤكد دائما على ضرورة التعامل مع الفكرة الجديدة دونما تشنج، لا نرفض جديدا أو نتقبله دون وجود منظومة معرفية نميز من خلالها الجديد النافع من الخرافة التي تتدثر بلباس العلم. ونؤكد أيضا أننا إذا أنتجنا فكرة جديدة، فلا يجوز لنا لي أعناق الأحاديث والآيات لأسلمتها ولا فبركة التجارب والقصص لأجل خدمة فكرة نشعر بولاء داخلي لها وقد تكون فكرة عوجاء!

***

وهم الجديد:

لقد وجدتُ أغلب المهتمين بما يسمى بعلوم الطاقة يصورون للجمهور أن ما يتطرقون إليه هو علم جديد
وأن خصومهم يحاربون كل جديد.

فتجدهم يتحدثون تارة عن أثر النية على السلوك المادي
وتارة عن قانون الجذب
وأخيرا يتحدثون عن موضوع السنجيولارتي (Singularity) والأكوان المتوازية (Parallel Universes) وغيرها.

وإن مما يثير الشفقة أن مثل هذه المواضيع تم تناولها في المجتمع الغربي منذ عقود طويلة جدا وهجروها!
حيث بدأ تناول مواضيع ما يسمى بعلوم الطاقة بحثياً منذ عام 1882، وموضوع السنجيولارتي منذ عام 1794، والأكوان المتوازية قبل عام 1900.

كلها مواضيع قديمة جدا تم التطرق إليها منذ أكثر من 100 عام
وكتبت فيها الكتب، وجعلت في أفلام سينمائية، لكنها لم تصل لمجتمعنا العربي إلا حديثا لذلك يسمونها وهما «جديد»!

موضوع السنجلارتي، استوحى اسمه من مفهوم (Singularity) وهذا مفهوم هندسي فيزيائي يتحدث عن التغير الراديكالي في السلوك نظرا لوجود متغيرات حادة. لذلك تبنى القصاصون وأهل الخيال العلمي هذه الفكرة وأسقطوها على الآلة مدعين أنها سوف تتطور حتى يكون هناك تغير مفاجئ يؤدي الى تفوق ذكائها الصناعي على ذكاء البشر والذي ينذر بتغيرات اجتماعية كبيرة جدا، منها أننا قد نصبح يوما ما خدما عند الآلات! وهذا الموضوع مجرد مادة خصبة للسينما الأمريكية وكُتاب قصص الأطفال. أما موضوع الأكوان المتوازية فهناك أبحاث على الصعيد الفيزيائي تحاول تفسير بعض الظواهر الكونية بزعم وجود أكثر من كوكب متوازٍ نعيش فيه بشخصيات مزدوجة في آن واحد. وحتى هذه اللحظة فإن فكرة الأكوان المتوازية خيال علمي وافتراضات فيزيائية لا تستند إلى أي تجربة علمية أو حقيقة مثبتة

لو سألت أدعياء ما يسمى بعلوم الطاقة: هل هناك إمكانية لوجود الخرافة في الحياة؟ لقالوا: نعم، ولو سألتهم: كيف نميز العلم الصحيح من الخرافة؟ لن يستطيعوا جوابك!. إن الجديد يا عزيزي القارئ لا يعني الصحة، والقدم لا يعني بالضرورة التخلف. العبرة بالدليل والمنهج الصحيح. فإن كان الجديد علما صحيحا فأهلا به، وإن كان خرافة أمنّا شرّها. إن العلم ليس موضة، والأفكار النرجسية التي تتلون بها علوم الطاقة أقرب للوهم منها للحقيقة.

***

قرود المعرفة:

يعرض عليك أحد أدعياء ما يسمى بعلوم الطاقة فكرته بدليل شرعي، فتناقشه شرعاً، ثم سرعان ما يتهمك بمحاربة العلم الجديد، ويدعي أن فكرته مثبتة فيزيائياً. فتحاوره فيزيائيا وتبين له بطلان أساسه العلمي، فيضيق بك ذرعاً ليقفز للتجارب الحياتية والقصص بعد أن أفلس من سرد الأدلة العلمية، فيقول لك هناك من إنتفع به والعبرة بالتطبيق، ثم تحدثه عن تجارب الضحايا (كعملاق شركة آبل “ستيف جوبز” الذي رفض التداوي بالطب الحديث معتمداً على جذب الشفاء بالأفكار!). وفي النهاية لا يجد سبيلاً إلا بإتهامك بإنخفاض الوعي! وقد يعيش هذا بين طلبته وجمهوره صورة العالم الجهبذ الواعي بينما يسقط أمام أول سؤال بديهي “ما دليلك؟”، إني أسمي من ينتهج هذا السلوك بـ “قرد المعرفة” فهو ينفخ صدره ليوهم غيره بعلميته، ويقفز من حبل الشرع لحبل الفيزياء الى .. الخ، فإذا سقط على الأرض كان ذلك بسبب قلة وعي المحاور!!

لديه براءات إختراع! فتسأله: “أين تم تسجيلها؟” فيتهرب! تسأله: ما هي شهاداتك؟ فلا يجيب، تسأله أين أبحاثك المنشوره؟ فيقول لك: في أدراج شركتنا!! تسأله أين الترخيص الطبي لمعداتك الطبية التي تبيعها، فيتهرب! ثم تحاول التحقق من مصادر كلامه، فيعتبر حوارك حوار شخصاني!. هذا السلوك الفوضوي في القفز بين مختلف العلوم ومختلف الأسئلة هو أكثر ما يميز أدعياء علوم الطاقة. إن سلوك الإقتتات على المصطلحات العلمية في غير موضعها والتسلق على ظهرها لأغراض تجارية بحته، هو ما يجعلني أستحضر في ذهني وصف “قرود المعرفة”. هذا الوصف ليس إحتقارا للآخر بل وصفاً للحالة بتجرد وحيادية.

***

ختاما:

إننا نؤكد دائما ضرورة التعامل مع الفكرة الجديدة دونما تشنج
لا نرفض جديدا أو نتقبله دون وجود منظومة معرفية نميز من خلالها الجديد النافع من الخرافة.

كما نؤكد حرمة ليّ أعناق الأحاديث والآيات لأسلمة أفكار ذات أصول عقائدية
ونؤكد حرمة فبركة التجارب والقصص لأجل خدمة فكرة نشعر بولاء داخلي لها وقد تكون فكرة عوجاء!

لقد حثنا ديننا الحنيف في مواضع كثيرة على أن نتفكر ونعمل العقل

لقد تناولنا الموضوع بطريقة علمية.

نؤمن بقوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135].

نؤمن بأنه من تراخى في التحقق من صحة المعلومة ونشرها لغاية في نفسه فكانت خلاف الحقيقة، تحمل وزرها ووزر من نشرها بسببه

قال تعالى:

{سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19].

:: ملف خاص بعنوان ” الوثنية الحديثة.. ومحاولات الأسلمة
:: مجلة البيان العدد 329 محرّم 1436 هـ، أكتوبر – نوفمبر 2014 م