كيف تصبح مثقفا في عشر دقائق؟ – ديك الجن

كيف تصبح مثقفا في عشر دقائق؟ – ديك الجن

وردتني الكثير من الرسائل على البريد الخاص من القراء الكرام، يسألونني فيها عن ماهية الكتب التي أنصح بقرائتها، وكيف يمكن للإنسان أن يكون مثقفا؛ وبما أنني رجل لا يزال يجهل مقاس ملابسه وأحذيته، فأعتقد أن السؤال وجه للشخص الخطأ، ومع ذلك سألبس عباءة العارف بالأمور وأدلي بدلوي.

الثقافة في عالمنا العربي كلمة محببة للنفس.. ومن يوصف بأنه مثقف هو شخص ينظر له ولأفكاره بعين الإحترام.. وقديما كانت صورة المثقف السينمائية المزروعة في عقولنا هي لشخص في الأربعين أو الخمسين من عمره.. يرتدي نظارة طبية سميكة و تحيط به آلاف الكتب ذات التغليف الفاخر .. ويتكلم بمصطلحات ملغزة وكبيرة.. ..فكانت اللفظة بعيدة عن التحقيق.. والإنسان العادي يعجب بها دون محاولة الإقتراب منها

لكن في العقد الأخير ومع انتشار وسائل التواصل والقنوات الفضائية.. تغيرت الصورة الذهنية القديمة للمثقف.. إلى شاب في أواخر العشرين مثلا.. يلبس الجينز.. وربما يدخن.. وبإمكانه التحدث بثقة واسترسال في مواضيع كثيرة.. وبإمكانه صياغة فكر يقنع من يسمعون له .. بأسلوب سهل ممتنع.. ومثقف في الوقت نفسه.. (كأحمد الشقيري وغيره) .. ومع تكرار هذا النماذج من المثقفين الجدد.. بدأت مفردة الثقافة تبدو أقرب للتحقيق.. وصار الإنسان العادي يسعى وراءها.. لأنه بات يعتقد أنها بإمكانه تحصيل هذه الميزة وإضافتها إلى مميزاته

في ظل هذا.. بدأت تظهر مواقع وكتب تروج لمفهوم “ثقف نفسك” وتدغدغ هذا الحاجة الجديدة والحلم الجديد عبر أداة “هل تعلم” .. وبدأت بصب المعلومات العامة صبا على رؤوس المشتركين فيها الذين يقدروا بالملايين .. “هل شاهدت البحيرة الزهرية من قبل؟” ” شاهد الضفدع الأزرق السام” ” من غرائب الشعوب في أقاصي أستراليا” “أجمل مدينة في العالم” “مخترع البطاطس اللولبية” .. وبدأ الإنسان الطامح في الثقافة يقرأ معلومات الكلمات المتقاطعة هذه محاولا الإقتراب من حلمه.. لكي يصبح مثقفا و متحدثا كما أراد.. لكن ما أن يدور نقاش حول مصطلح “المكارثية ” أو ” الخوارج” أو “…” حتى يجد طالب الثقافة هذا تفسه قد عاد لنقطة الصفر.. ويعود ليجلس في مقعده مستمعا للمثقفين متنهدا على ضياع حلمه.. فما هي الثقافة؟

الثقافة مصطلح مطاط وسينمائي.. وأفضل شخصيا عنه مصطلح الفكر المبني على المعرفة.. ولنتحدث عن المعرفة أولا.. وكيف يمكن للإنسان تحصيلها.. المعرفة هي بكل بساطة.. الإلمام السطحي لكن الموسوعي بالمجالات الحيوية التي تشكل عالمنا الحديث.. وهي لسهولة التذكر.. الوزارات التي تتألف منها الحكومة (الزراعة، الصناعة، التجارة، الإعلام، الحرب (الدفاع)، المالية، البيئة، الرياضة (الشباب)، الصحة (الطب)، الدين (الأوقاف)، المواصلات، الإتصالات، الطاقة والثروات المعدنية، السياحة، المياه والري، العدل (القضاء)، الخارجية (السياسة)، الإسكان، إلخ) يضاف إلى ذلك طبعا الإلمام بالعلوم الأساسية التي تعلمتها من المدرسة والجامعة مثل الفيزياء والرياضيات والتاريخ واللغات والأحياء, والكيمياء وهكذا

فلكي أكون عارفا بأحد هذه المجالات الحيوية.. يجب أن أفكر فيه بشكل موسوعي أولا.. أي أن أفهم فكرته الأساسية.. ثم أتشعب في دواخله بحسب وقتي و إهتماماتي.. أي أن أرتب هذه المعلومات في رأسي أولا كخطوط عريضة.. ثم أدخل لكل جزئية منها كما أريد وأرغب.. والدخول والتعلم هنا لا يكون بالقراءة فقط.. بل بإستخدام كافة الأساليب المعرفية.. من قراءة كتب.. مقالات.. مشاهدة برامج.. أفلام.. مسرحيات.. ندوات.. مواقع إنترنت.. إلى آخره.. وبما إن نظامنا التعليمي كان دائما عاجز عن شرح هذه الفكرة الموسوعية.. وكل كتاب يتحدث كاتبه فيه عن جزئية بسيطة فقط.. فانصح قرائي الأعزاء دائما بالتوجه إلى ويكيبيديا أولا.. كونها تتبع نفس التوجه الغربي بالبدء بإطار عام ثم التوسع فيه

ولتوضيح الفكرة سأناقش معكم هنا مثال لموضوع الكل يعرف فيه.. وهو تاريخ الإسلام حتى العصر الأموي .. وسأكتب طريقة بسيطة لفهم كل ما يدور حول هذا الموضوع بشكل موسوعي بسيط.. وسأقتبس هنا من ويكيبيديا لتسهيل الأمر وتوضيحه

الإسلام دين سماوي.. ظهر في جزيرة العرب سنة 610 ميلادي بعد بعثة الرسول محمد.. أي قبل 1405 سنوات ميلادية تقريبا.. بعد تشكيل دولته في جزيرة العرب.. توفى.. وفترة نبوته و حكمه (تقريبا 22 سنة) .. وحكم من بعده أربعة من كبار الصحابة (أبو بكر و عمر و عثمان و علي).. وسميت هذه الفترة بـ الحكم الراشدي و امتدت (30 سنة تقريبا) .. ثم حكم الأمويون بقيادة معاوية.. مدة 90 عام تقريبا.. وانتهى حكمهم.. سنة 750 م عندما إنقلب العباسيون عليهم

قراءة هذه الفقرة البسيطة تعطيك فكرة محيطة عن 140 عاما تقريبا من تاريخ صدر الإسلام.. فصارت لديك فكرة عامة بدون تفاصيل.. لكن لو قرأت داخلها ستحصل على كم هائل من المعلومات.. ستعرف مثلا عن فتوحات العراق والشام.. وقصة سقيفة بني ساعدة.. وقصة مقتل عثمان.. وما هي قصة قميص عثمان.. وخلاف علي ومعاوية.. ومن هم الخوارج.. وكيف انتقل الحكم الإسلامي من ما يشبه الإنتخاب الطبيعي و الشورى لظهور أول ملكية في الإسلام.. وآلاف المواضيع لو كنت مهتما.. وعليه تكون حصلت على المعرفة.. في هذه الجزئية البسيطة.. ولأنه لا يجب أن يكون لديك معرفة بدون فكر.. سنتحدث الآن عن الفكر

الفكر هو أن يكون لديك مجموعة من القيم التي تؤمن بها.. وتستخدمها إما لعرض أفكارك.. أو إبطال وإدانة أفكار أخرى للناس.. وهذه القيم تستمدها من تربيتك أو دينك.. أو أي مصدر قيمي آخر.. ففي المثال السابق مثلا.. لو كانت لديك قيمة أن الناس سواسية.. وليس هنالك دم أحمر ولا أزرق.. ستكتشف بعد قراءة المعلومات التاريخية.. أن معاوية أخطأ بتوريث إبنه الحكم.. وأسس للملكية في التاريخ الإسلامي.. وعليه لو طرح هذا الموضوع أمامك.. بإمكانك طرح وجهة نظرك.. بناء على فكرك.. المستمد من قيمك.. مستندا إلى معرفتك.. وهذه جزئية بسيطة جدا.. فما بالك لو توسعت في عدة حقول.. وسعيت للمعرفة في عدة مجالات.. لا شك حينها أن ستتشكل لديك معرفة قيمة.. ستطور أفكارك بناء على قيمك.. وبإمكانك حنيئذ.. أن تقنع الناس بفكرك بحجج وبراهين.. وتتكلم بطريقة سهلة ممتنعة.. كما كنت ترى وتحب أن تكون

ونقطة مهمة هنا أيضا بعد فهم هذا الأسلوب الموسوعي.. أن يكون لديك الثقة بنفسك.. وأن تبدأ دائما بالمعرفة في محيطك.. وتتوسع منه.. وهذا ليس عيبا ولا نقيصة.. بل أساس عام.. فلو سألك أحد هل قرات مسرحية فاوست ل “جوته”.. إساله من هو جوته.. فلو أجاب أنه مسرحي ألماني وهذه مسرحية عظيمة.. ويجب أن تقرأها… فقل بكل ثقة أنك مشغول بقراءة الأدب العربي الآن.. وربما ستقرأ في المستقبل من الآداب الأخرى.. كالفرنسي واللاتيني والألماني.. وربما الروسي والأمريكي

في النهاية أقول.. إن الأسئلة التي كانت تردني هي غير موضوعية.. لا أستطيع الإجابة على سؤال عام مثل “أي كتاب تنصحني أن أقرأ”.. لا أستطيع أن أعطيك من كل بستان زهرة.. الفكر أهم من المعرفة.. لذلك لو كنت وراء تشكيل فكر معين.. فيجب أن تكون محددا بفرع المعرفة الذي تريد البحث والعلم فيه لبناء فكرة معينة .. وعليه لا يمكنك أن تصبح مثقفا بقراءة روايتين.. أو كتاب عن الحرب الأهلية الكورية.. أو متابعة صفحة فيس بوك.. أي أنك لا تستطيع أن تكون مثقفا في عشر دقائق.. هنالك الكثير من الكتب لتقرأها.. وكثير من الأفلام لتشاهدها.. وكثير من العمل ليقوم به عقلك.. من تدبر وربط واستنتاج.. لتصل في النهاية إلى الهدف الأسمى.. فكر مبني على معرفة موسوعية وقيم راسخة

وتذكر دائما أن قراءة الناس والعالم من حولك هي أكبر مصادر معرفتك.. فقد قال تعالى “إقرأ باسم ربك الذي خلق”.. الذي خلق.. إقرأ خلقه.. في نفسك.. وفي الآخرين