رسالة عن الدعاة الجدد وارتفاع الأجر المادي

طلب العلم، التعليم والأجر المادي، الدعوة (مدفوعة الأجر)، والدعاة الجدد، ولغة السوق
(هذه السطور مرتبطة بمادة تلفزيونية لي (لم تسجل بعد) بعنوان: الدعاة الجدد)

لافتة: قبل التفصيل في الموضوع، لنا أن نعلم أن البعض وقع في فخ الإعلام العلماني الذي ربط (الدين بالفقر) وربط (الأرستقراطية بالعلمنة أو الفسق أو اللادينية)؛ ومن الناس من يضيق صدره برؤية أهل الدين (الأغنياء) أو (الميسورين)، ومنهم من يرى أن الأصل في التصدي للناس التصدق عليهم بالوقت والمال والنفس !!! حتى لو كان المتصدي لهذا من أهل (الاختصاص) !!! وكثير من الناس من لا يدرك أهمية أن يستقل أهل العلم والدعوة والاختصاص ويستغنوا عما في أيدي الناس ليتمكنوا من القيام بحق النفس والأهل ومن ثم خدمة الجمهور على خير وجه.

بسم الله الرحمن الرحيم
(﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال: إنني من المسلمين﴾)
(﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾)
(﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾)

منذ أن بدأت العمل وامتهان الطب والعلاج النفسي والتدريب فيما أسميه (فقه النفس) والذي ربما يشتبه على الناس فيما يعرف الآن بـ (التنمية البشرية)، ومنذ أن بدأت بمخالطة بعض الدعاة والمشاهير من أهل العلم والدعوة والتدريب، ومنذ أن صرت أحد المقربين من هذا (السوق)؛ بدأت تجتمع لدي صور كثيرة مما يستدعي التعليق والتنبيه ولفت النظر، ولعل من أهمها: ارتفاع الأجور المالية التي يطلبها بعضهم (وربما كثير منهم) !!!

وقبل أن أبدأ بما لدي من تعليقات، أنقل لكم ما كتبته ردا على بعض ما بلغني من بعض الأخوة والأخوات من استنكار لطلب الأجر المالي على ما يطلبونه من (لقاءات طويلة أو دورات تدريبية)؛ وكان منهم من أثقلوا بالتعبير عن (استنكارهم) واستخدموا عبارات مثل:
((لم نكن نتصور أن تكونوا كغيركم وأنتم حملة هذا الفكر الراقي والباني))
((لم نكن نحسبكم من تجار الدين))
((كنا نظنكم قدوات فصدمتمونا)) !!!

كتبت: لعل غيري من (المشاهير) كان سيعرض عنكم وعن رسائلكم وسيكتفي بالهروب أو بمحاولة قلب الأمر عليكم واتهامكم بقلة الأدب والذوق وسوء الظن وغير ذلك، ولكنني أتفهم استنكاركم لتفهمي حالة وعادات وأعراف كثير من الجمهور، وخصوصا من (المتدينين) في بلادنا! ولهذا، فإنني أعتقد أن من حقكم عليّ أن أجيبكم (وغيركم) من البداية:

عندما بدأت عملي في دبي، كان الله قد منّ عليّ بمهنة تلبي حاجتي وحاجة أهلي وأهل بيتي، دون سرف أو انشغال بما لا طائل منه. وفي دبي، تعرفت على (سوق التدريب) وأجواء الدورات التدريبية، واعتنيت بملاحظتها ومتابعتها ودراستها لشدة ما رأيت من انهماك الناس بها وإقبالهم عليها، ومن ثم، شكوى الكثيرين منها ومن (غلو أسعارها) و(ضعف محتواها العلمي). وفعلا، بدأت بحضور كثير من تلك الدورات التدريبية ومراقبتها ومراقبة أجوائها وجمهورها ومادتها وأثر المادة على المدرب/المدربة والجمهور على حد سواء. ولم أسترح في كثير من الأحوال لما رأيت، باستثناء مادة أو مادتين، وشخوص قلائل من أهل التدريب.

وكنت قد رأيت في سوق التدريب ما لم يعجبني من (مبالغة) في الرسوم التدريبية المطلوبة من بعض (الدعاة) والمدربين (من أهل الاختصاص) أو من (غير) أهل الاختصاص؛ حتى إن منهم من كان يمتنع عن الجمهور إذا لم يلبوا له ما يطلبه من (مال طائل) !!!

وكان مما أصبح متعارفا عليه أن (أعلى الأسعار وأغلى المواد) هي تلك التي يقدمها ويطلب أجرها مدربو (التنمية البشرية) !!! وخصوصا أولئك الذين يسوّقون (المستورد الغربي) مثل: علوم الإدارة والتخطيط وغيرها؛ وعلى الأخص منهم، أولئك الذين يسوّقون ما أسميه (الشعوذة): البرمجة اللغوية العصبية (في معظم تطبيقاتها، دون تعميم)، العلاج بالطاقة، العلاج بالتنفس، قانون الجذب، وغيرها من شعوذات.

لافتة: لعل ما يميز هؤلاء (جميعا) ويدفع الناس لقبول ما لديهم من (مستورد) أو (شعوذة) والإقبال عليها برغم غلو أسعارها هو مجموعة عوامل منها: الحاجات بأنواعها وخصوصا انتشار أمراض النفوس ومن ثم الحاجة لعلاجها والتعامل معها، الجهل بالذات والزهد بالمرد الشرعي وهوية الأمة وعلومها، قلة الثقة و/أو صعوبة الوصول إلى منابر العلم والتعليم الأصيلة والحقة (وأعني بها: استبدال الناس حلقات العلم ومنابر التعليم الأكاديمي وغيرها بحلقات التدريب العامة والمعروفة الآن بـ التنمية البشرية)، عقدة النقص، عقدة المغلوب والدونية تجاه ثقافة الغرب (الغالب)، وربما غيرها مما يتعلق بها أو يتفرع عنها.

والأمر لم يقف عند أهل (المستورد أو الشعوذة)، بل إنني لا أنسى تلك المكالمة الهاتفية، حيث اتصل بي أحد الإخوة المسؤولين عن (جمعية أسرية)، وكان يشتكي ما شعر به من ضيق إثر (صدمته) بأحد مشايخ الفضائيات. وكان هذا (الشيخ) شرعيا، أي: خريج كلية شرعية، ولكنه ما لبث أن يخطب ويحاضر في كل الموضوعات (الإنسانية: النفسية والاجتماعية والأسرية). قال لي: “اتصلنا بالشيخ (فلان) وطلبنا منه (دورة تدريبية = لقاء جمهوريا مفتوحا لمدة أربع ساعات كحد أقصى)، وكان موضوع اللقاء (السعادة الأسرية)؛ فإذا به يشترط ما يلي: تذكرة طيران درجة أولى، والإقامة في فندق من فئة الخمسة نجوم) وكنا قد أعددنا أنفسنا لشيء من هذا، مع كراهيتنا له؛ ولكنه فاجأنا بطلب أجر مالي على ذلك اليوم (التدريبي)، حيث طلب عشرة آلاف درهم إماراتي !!!” وعلى الرغم من ثقتي بالأخ، سارعت للاتصال بنفسي بمكتب الشيخ، فإذا بالأخ العامل هناك يؤكد ما سبق !!!

أما ما علمته من بعض العاملين في (الفضائيات) وخصوصا (الإسلامية) منها، فهو مما يشعر النفس بالغثيان من حالة (الانحطاط) الذي وصل إليها البعض من (مشاهير الدعاة) !!!

ولهذا، وعندما بدأت أتلقى عروض (التدريب) من الناس: مؤسسات وأفراد، قررت أن أتنحى قليلا لأتأكد من (حاجة الناس) لما لديّ أولا، ولأتأكد من مدى (علميّة) المادة التي أود أن أخرج بها إلى الناس ومن ثم ألقى بها وجه الله، ثم لأتأكد أيضا من (عمليتها) أيضا، ومن ثم (معقولية وعدل) الأجر المالي الذي سأفرضه للمادة التدريبية.

وفعلا، قدّر الله لي أن أبدأ، وتقبّلني الناس بقبول حسن، ثم ذاع الصيت في شهور قليلة، ثم بلغ الأمر شاشات الفضائيات، حتى تجاوز حدود دولة الإمارات العربية المتحدة.

وعندها، بدأت أستجيب لطلب الجمهور، دون أجر مالي.

ولكن استوقفني أمر (استغربته) في دبي، وهو أن كثيرا ممن أعرفهم من أهل البلد (من المواطنين والوافدين) كانوا يرون أنني (زاهد) في مادتي (العلمية)، وكانوا يرون أن عليّ أن أطلب أجرا مقابل ما لديّ من (علم).

وربما يتساءل البعض: من أين أتاهم هذا التصور؟!

أقول: عندما نعلم أن بعض مشاهير الدعوة والتدريب (بل وبعض فراخهم) يطالبون (بشكل واضح ومباشر) بأن تكون تذكرة السفر (درجة أولى أو درجة اقتصادية) + الإقامة في فندق خمس نجوم (وربما طالب بعضهم بفندق معين لحاجة في النفس) + سيارات سياحية مؤجرة من (موديل محدد) + ما لا يقل عن عشرة آلاف دولار أمريكي كأجر مادي (غير شامل لما سبق)؛ عندما نعلم هذا يكون من السهل علينا أن نتصور استغراب البعض لما نفعل بل ووصفهم لي أو لغيري ممن يفكرون بنفس طريقة تفكيري ويسلكون سلوكي بأننا (على باب الله) !!!

هذا عموما، فكيف إذا علمت أن بعض المشاهير غادروا فعالية معينة (دون سابق إشعار) أو أتموها على (استحياء ومضض) ؟! لأنهم شعروا أن الجهة المضيفة لم (تقدرهم حق التقدير) عندما لم تنزلهم في (جناح خاص) أو في (فندق بعينه) مثلا !!!

بل إن بعض أصحاب المراكز التدريبية اشتكوا لي (شخصيا) بأنهم فوجئوا بنفقات (لم تكن في الحسبان) بعد مغادرة (الداعية أو المدرب) البلاد !!! فمنهم من فوجئ بـ (فاتورة فاجعة) لغسيل الملابس (في الفندق)! ومنهم من صدمته أرقام فواتير الطعام والشراب والحلويات والعصائر (في مطعم الفندق)! ومنهم من فاجأه (مكتب المدرب) بتعديل الحجز إلى درجة (أعلى) دون مراجعة الجهة المضيفة !!!

عندها، توقفت قليلا لأتدبر الأمر مع نفسي أولا، ولأستشير من أثق برأيهم من أهل (الاختصاص) وأهل (السوق)، فكان الأمر كما يلي:

كانت أجرة ساعة الاستشارة النفسية (المتعارف عليها في دبي) = 300 درهما إماراتيا (مع العلم بأنني أقدمن ساعة زمنية كاملة = 60 دقيقة، في حين لا يتجاوز البعض دقائق ثم يتقاضى نفس المبلغ أو أكثر). وعلى هذا، قدرت أن تكون ساعة (التدريب) = 500 درهما إماراتيا، باعتبار أن في التدريب خروجا من العيادة ووقتا أكثر في إعداد المادة التدريبية (خصوصا إذا علمتم أنني أصمم كل مادتي التدريبية وأكتبها وأختار صورها ومقاطعها السمعية والمرئية بنفسي). ولما كانت معظم اللقاءات التعليمية أو التدريبية = 4 ساعات (على الأقل)، أصبح أجر اللقاء الواحد = 2000 درهما إماراتيا. أما إذا تم طلبي من جهة معينة لمدة يوم كامل (أي ما يعادل لقاءين تدريبين)، فعندها المطلوب ضعف الأجر = 4000 درهما إماراتيا. والمبلغ الذي كنت أطلبه من الناس، هو ذات المبلغ الذي لم أزل أطلبه رغم كل التحولات والتطورات على أرض الواقع!

والاستثناء لهذا ما كان يصلني من بعض الجهات كرما منهم وتقديرا للمادة التي أقدمها، دون طلب مني. ولقد كانت المفاجأة بعد أيام من الانتهاء من دورة تدريبية في إحدى المؤسسات في (أبو ظبي)، حيث وصلتني حوالة مالية تبلغ ثلاثة أضعاف المبلغ المطلوب! فاتصلت بالأخت المسؤولة واستعلمت عن هذا (الخطأ)! فأخبرتني بأنه ليس خطأ، وأنهم عندما رأوا جودة المادة وإبداعها وتحقيقها لأهدافها من اليوم الأول ثم قارنوها بمواد قدمها لهم بعض (مشاهير الدعوة والتدريب) في الجزيرة العربية، والذين كانوا يطالبونهم بخمسة أضعاف ما طالبتهم به! حينها قررت الإدارة أن ترسل إليّ بثلاثة أضعاف المبلغ كتعبير عن هذا التقدير! فشكرتها وحمدت الله على ذلك.

ولم يكن الأمر دائما بهذه الصيغة، فلقد كانت هناك استثناءات وخصومات و(تطوع مجاني) إذا ما تعلق الأمر بمؤسسات خيرية أو هيئات شرعية أو مراكز تحفيظ قرآن أو غير ذلك. وهو الحال إلى الآن.

لافتة: بعض مدربي (الشعوذة) يطلبون على اللقاء الواحد (4 ساعات) خمسة أضعاف الأجر المذكور = 10000 درهما إماراتيا !!! كما إنهم لا يكادون يستجيبون لأي طلبات (مجانية) !!! ومع هذا، يلبي كثيرون طلباتهم، ثم يستعرضون عضلات (فقرهم) على أمثالي !!!

ولكنني مع هذا، بلغني من البعض أن ما أطلبه (لا يكاد يذكر في مقابل ما يطلبه مدربون آخرون دون المستوى) !!! حتى إن أحد المدربين المعروفين (خليجيا) وبعد أن حضر أولى دوراتي التدريبية (كيف تولد من جديد) قالها لي بكل صراحة: ((لو كنت مكانك، لقطّعت هذه المادة فأخرجت منها خمس مواد على الأقل، ولطلبت من الناس خمسة أضعاف ما تطلبه أنت الآن)! وقلت له يومها كلاما معناه : (لقد استشرت كثيرين ممن أثق بدينهم ووعيهم وفقههم للواقع قبل أن أقرر (مبلغا معينا) أطلبه من الناس؛ وأنا لا أرى أن المادة تستحق أكثر من هذا، ليس لأنها رخيصة أو لأنني زاهد بها، بل هي غالية جدا وعلمها قيّم جدا ولا أرى لها مثيلا في سوق الكتب أو الدورات التدريبية، ولكن لأنني لا أحب المبالغة كما لا أحب أن أكون نسخة مقلّدة للطريقة الأمريكية في التسويق؛ أنا أطلب ما أراه مناسبا للوقت الذي سأقضيه بين الإعداد والمواصلات والتقديم، وما أراه تعويضا عن الوقت الذي سأقضيه بعيدا عن (العيادة النفسية)، وما أراه مناسبا للجهد الذي وضعته في إعداد المادة (التي لا يمسها غيري كما يفعل بعض من لا يعرفون مادتهم التدريبية إلا إذا وصلوا موقع التدريب !!!)؛ ولا يعنيني ما يفعله زيد أو عمرو من المدربين الذين صاروا نسخة مشعوذة غربية في زي عربي مسلم!

ثم بدأت الدعوات تترى من خارج البلد (الإمارات)، من بلاد الخليج العربي ومن بلاد الشام ومن مصر. وهنا، بدأت أفكر في أمر (الرسوم المالية) وكيفية التعامل مع أهل تلك البلاد، فقررت أن أبقى على ما أنا عليه فيما يتعلق ببلاد الخليج العربي باعتبار أنهم (ميسوروا الحال) أكثر من غيرهم من إخوانهم في بلاد الشام ومصر.

أما فيما يتعلق ببلاد الشام ومصر (لعموم المؤسسات والناس هناك) فلقد كنت أرى أنني أدفع زكاة علمي وما أنعم الله به علي في دبي، أدفعه في بلاد الشام ومصر. وهكذا، ومنذ عام 2005 للميلاد، اعتاد أهل الأردن والشام ومصر أن أتوجه إليهم (واهبا) ما لدي من وقت ومن علم ومن جهد، بل ومن (مال) أحيانا؛ واستمر الأمر هكذا بعد مغادرتي دبي إلى أمريكا، وفي رحلاتي التي كنت أتنقل فيها بين أمريكا – الأردن، وحتى عام 2011 عندما عدنا من أمريكا.

وهنا، في الأردن، بدأت رحلة توطيد حالتي والعمل على الاستقرار المادي (من جديد). وكان بعض الناس ينتظرون عودتي (بفارغ الصبر) كما كانوا يصفون، وبدأت الدعوات تترى من جديد، وبدأت أستجيب كما كنت أستجيب؛ إلا إنني بدأت أدرك اختلاف الأمر عن ذي قبل، فلم يعد لدي مصدر دخل مالي كما كان أيام كنت أعمل في دبي، كما إنني عدت للتو من أمريكا وليس في يدي إلا ما يكفي متاع البيت الذي سنؤجره في (إربد / عمّان) وبعض متطلبات المعيشة الاعتيادية، كما إنني صرت أسمع عن (نسخ مكررة) من المدربين / المدربات وموادهم التدريبية و(غلاء) ما يطلبون من رسوم مالية في مقابل ما يقدمونه من (محاولات تدريبية)! كان هذا كله، والناس يأخذون مني الوقت والعلم والجهد دون أي مقابل مالي (ولو حتى مبلغ رمزي) !!!

ثم بدأت ألاحظ أن في الأمر شيئا من (الاستغلال) حيث يحصل هذا كله معي، في حين أعلم أن نفس الجهات (الفقيرة!) دفعت لمدرب آخر أو لمحاضر آخر مبلغا وقدره !!! ولكنهم يرون أنني (من أهل البيت) الذين لا تثريب عليهم إذا (سرقونا) !!! وجرى هذا من جهات كثيرة يدّعي القائمون عليها أنهم (متدينون) !!!

وكثيرا ما كانت مساعدتي (الأخت بثينة) تتلقى مكالمات تدور كلها في فلك الاستغلال بحجة ((عرفناك كريما يا دكتور)) أو ((أنت داعية ولا ينبغي أن تأخذ أجرا ماليّا)) أو ((ألا تحب فعل الخير؟)) أو ((أنت شيخ!)) أو ((ألا يكفيك قولنا: جزاك الله خيرا يا أخي)) وغيرها من عبارات ربما بلغت ((أنتم المتدينون ظهرتم على حقيقتكم!)) وغير ذلك من حجج تدفع للشفقة على أهلها والمتشدقين بها! حتى أوشكت على الملل من هذا الأسلوب عند كثير من (المتدينين)!

لافتة: تعرضت للخداع والاستغلال من أكثر من (جامعة وجمعية ومؤسسة ومدرسة ومركز) يديرها (متدينون)، بل إنني ربما تعرضت لشيء يقترب من (الإهانة) عندما تماطل بعض الجهات وتصر على ألا تسلمنا ما عليها من (حقوق) إلا إذا حضرت شخصيا لأوقع على استلام (بضعة دنانير)، والإصرار على ألا يكون الأمر إلا بعد (شهور) من الفراغ من الدورة التدريبية !!! وغير ذلك !!! ثم لا ألبث أن أعلم أن ذات (المدرسة أو المركز أو المؤسسة) دفعت لبعض أهل (الشعوذة) أضعاف ما كانوا يساوموننا عليه، فورا !!!

وفي مقابل هذا، أرى كثيرا من (العالمانيين) و(غير المتدينين) و(المتدينين الجدد) لا يناقشون في هذه الأمور، بل ويدفعون ما عليهم مقدّما ودون مماطلة أو تأخير، في حين يستغرق الأمر (شهرين متتابعين) ومساعدتي تلاحق بعض (المتدينين) لسداد ما عليهم من (شهور) !!!

ثم جاء مركز (مكاني) الذي أنفقت فيه كل ما لدي من مدخرات، بل إنني بعت سيارتي، وحرصت على أن لا أدخل في (دين ربوي) أو (قرض من جهة لا أستريح لها) أو غير ذلك. مع العلم بأن المركز (غير ربحي) ويلبي حاجات التعليم والدعم النفسي للأخوة من ذوي الحاجة واللاجئين من المناطق المجاورة (مجانا).

وفي مركز (مكاني)، فإننا نأخذ أجرا ماديا من (البعض) لنتمكن من الإنفاق على (البعض الآخر)، فإذا طلبنا البعض في الأيام (مدفوعة الأجر) فإننا نطلب منهم ما يقابل تعويض ذلك اليوم أو قريبا منه.

عندها، اتفقت مع مساعدتي (الأخت بثينة) أن يكون واضحا للجميع أنني أقيم في الأردن الآن، ولم أعد أقيم في دبي، أي أنني مسؤول عن نفسي وعن أهل بيتي وعن مركز (مكاني) الذي أنا مسؤول عنه (ماليّا)؛ وأن وقتي مزدحم بدوري كزوج وكأب (وهذا ما لا أحب أن أقصر فيه أبدا) وكطبيب واستشاري نفسي وتربوي (وهذا ما يتطلب مني الاهتمام بالمراجعين والمراجعات، سواء في العيادة النفسية أو عن طريق البريد الرقمي أو الاتصالات الهاتفية أو المادة الإعلامية التي أقدمها من خلال قناة بغداد الفضائية، ويفترض أن يكون هذا هو سبب رزقي المالي) وكمشتغل بالدعوة إلى الله والإسلام (وهذا يتطلب مني الاستجابة لطلبات المراكز والجامعات والمؤسسات الشرعية و الخيرية والتربوية، وهذه منها ما لا نطالبهم بمال، ومنهم ما نطالبهم بنصف القيمة، ومنهم ما نطالبهم بالقيمة كلها، كل بحسب طبيعة عمله الاستثماري وإمكانية تلبيتهم للطلب).

كما طلبت من مساعدتي (الأخت بثينة) أن توضح لمن يطلبونني أن طبيعة زحام الأعمال يجعلني لا أتمكن من تلبية طلباتهم لأنها تتعارض مع العمل في (العيادة النفسية) وما يتعلق بها من وقت وجهد يستحق من (كسب مالي)؛ وبهذا، فإن من يطلبونني لا بد لهم أن يعلموا أنهم يكلفونني (يوما مهنيا كاملا)، خصوصا مع طبيعة زحام المرور وما يضيع في الشارع من أوقات وما يتبع ذلك من جهد في الإعداد والتقديم، وطول في المادة التدريبية (لأنها تعتمد التزكية والتطوير وليست الخطابة والوعظ فقط). وقيمة هذا اليوم المهني تتراوح بين 400-500 دينارا أردنيا.

ومع هذا، فإنني تنازلت وبدأت أطلب من (البعض) نصف هذا المبلغ فقط !!! ولكن يبقى البعض يرى المبلغ مرتفعا لأنهم يغفلون (أو يتغافلون) عن طبيعة المادة التدريبية التي تتطلب جمهورا أقل؛ وإلا فإن من السهل أن نزيد عدد الجمهور مما يقلل حجم المطلوب من كل شخص؛ ولكن، ترى أين ستكون الفائدة حينئذ ؟!

والجامعات وطلاب الجامعات هي من هذه المؤسسات التي ترى حرجا في الأمر وتجدني (أغلّي سلعتي) على أهلها، مع صدقي واجتهادي ألا أمنع نفسي عن الطلاب قدر استطاعتي، ومع علمي بأنه ليس من الصعب على الطالب/الطالبة دفع مبلغ (دينار أو دينارين أو حتى 3 دنانير) لحضور لقاء (علمي) طويل (وهذا ما أشترطه إذا ما توجب عليّ قبول دعوة معينة، فلا أرى فائدة كبيرة لسعي ساعات من أجل دقائق قليلة من التقديم). إلا إن البعض من الطلبة (المحبين) يستعجلون الحكم ويقفزون إلى النوايا، وربما أساؤوا الأدب أيضا !!!

ولا أذيع سرا هنا إذا أخبرتكم بأنني أقبل أحيانا دعوات (مجانية) من جامعات (بعيدة)، مثل الجامعة الهاشمية أو التطبيقية أو مؤتة أو التكنولوجيا، لتقديم فقرة قد لا تتجاوز نصف الساعة فقط، مع كون الذهاب والعودة يأخذان نهارا بأكمله.

أما الجهات الخيرية والشرعية ومن لا مموّل لها، فالأمر معها (حسب خصوصية كل حالة) بين الهبة والتطوع والمبلغ الرمزي.

ثم يأتي بعد هذا كله من يقول: ((لم نكننتصور أن تكونوا كغيركم وأنتم حملة هذا الفكر الراقي والباني)) !!!

على أي حال، أرجو أن أكون أسقطت عن نفسي الحجة، وأعذرتها إلى الجميع، ودفعت الشبهة عنها.

نفع الله بنا وبكم

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا
اللهم لا تشغلنا بما تكفلت لنا به

والسلام
أخوكم
عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي

***

بعد هذه الرسالة، أقول:

لعلي أفاجئكم إذا قلت لكم إن بعض مشاهير الفضائيات (الذين ستصعقون لو قلت لكم من هم) لا (يتنازلون) للسفر إلى بلد من البلدان إلا بشرط (فندق خمس نجوم + تذكرة سفر درجة أولى + ما يقارب 2000 دينارا أردنيا في اليوم) !!!

ومع كل محاولات إحسان الظن بالبعض منهم، وتفهم ما يفكرون فيه أو يقولونه: الشعور بحق النفس وتقديرها، ومهارات التسويق، ولغة السوق الجديدة، وتغلية السلعة لجذب الجمهور، ومنافسة أهل السوق من أهل البضائع الفكرية الأخرى، وغير ذلك؛ مع كل هذا، إلا إنني لا أجد لهؤلاء عذرا في الشروط المادية التي يضعونها عند دعوتهم لمحاضرة أو دورة تدريبية.

بعضهم يشترط تذكرة طيران (خاصة)، وفندق 5 نجوم (وربما كان اسما بعينه)، وأجرا ماليا (كبيرا جدا) لا يتناسب لا مع حجم المعلومات ولا مع حجم الاستفادة ولا حتى مع قدرة عوام الناس في الأنشطة الجماهيرية المفتوحة.

أتساءل: ما الذي يقدمه هذا أو ذاك ليستحق ما يقارب 20 ألف دولار أمريكي في يوم أو يومين؟! فضلا عن تذكرة السفر والإقامة 5 نجوم !!!

أفهم أن يتم طلب شيء (قريب من هذا) عندما تكون الجهات الداعية من ذوي القدرة المادية أو الجهات الحكومية (النفطية) أو حتى أفراد من الناس ممن هم من طبقة مادية ميسورة الحال، أما أن يكون هذا مع (عوام الجمهور) ومنهم من يملكون حاجة حقيقية لمثل هذه الأنشطة، ولكنهم يفتقرون افتقارا (حقيقيا) للمادة (ولا أعني هنا أولئك الذين يبخلون على العلم ولكنهم يبذلون الغالي والنفيس من أجل هاتف جوال لا حاجة لهم به).

هنا، أفهم جيدا كيف يمكن لأحدهم أن يتحدث عن (شيمة المرأة الخليجية في التسوق وضرورة فهم زوجها لحاجاتها)!
كما أفهم حديث آخر عن ضرورة التعايش مع العلمانيين تحت حكم (آل سعود) !!!

لافتة: تجنبا للظلم، فأنا لا أعني الأخ الداعية عمرو خالد هنا، أقول هذا لارتباط اسمه بمفردة التعايش!

كما أفهم أن يكون جل ما تستدعيه أخرى من أمثلة زواجية هو من مقاهي (النخبة) ومجالس (الأرستقراطية)!

وأفهم لماذا لا تقضي دورات ذلك (المدرب) على ظواهر الجهل والكبر عند جمهوره!

وغير ذلك من أمثلة.

في مقابل هؤلاء، رضي الله عن أولئك الذين أعرفهم شخصيا، يطالبون الجهات الداعية أن لا ينفقوا كثيرا في التنقل والسكن، بل ويصرون عليهم أن يبتعدوا عن فنادق (العولمة) التي ننفق فيها أموالنا في حين نعقد دورات ومؤتمرات للتحذير من (أفكارها وفلسفة مالكيها) !!!

أمثال هؤلاء يصفهم البعض بأنهم (طيبون = سذّج)! وأمثال هؤلاء هم من يستغلهم بعض (الملتزمين) أسوأ استغلال فيركبون على أخلاقهم ويبخسون بضاعتهم (العلمية) فلا يقيمون لهم أي وزن (مادي) في حين (يلهثون) خلف أولئك (التجار) !!!

سبحانك اللهم

اللهم انفعنا وانفع بنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا

اللهم آمين