البكاء ، من منظور النفس

نشرت الأحد 22/5/2011 للميلاد

ما الذي يدفعني للبكاء؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحابته ومن اتبع هداه إلى يوم يلقى الله…

أجهشت بالبكاء…
نعم… انتابتني حالة من البكاء لا أذكر أنها انتابتني من قبل أو بهذا الشكل…

كان ذلك قبل أسابيع… وتحديدا عندما كنت أشاهد مادة مسجلة كانت قد جمعت مشاهد ومقاطع مختارة من خطابات لـــ حافظ الأسد (حاكم سوريا السابق) ووريث حكمه بشار الأسد… وكان التركيز على خطاب بشار الأسد الذي كان تعقيبا على ثورة سوريا عامة ودرعا خاصة… وكان الذين جمعوا تلك المقاطع قد عمدوا إلى أن يلي كل جملة من جمل حافظ أو بشار مشهد مسجل من مشاهد التعذيب التي تحكي شيئا لا يكاد يذكر من تأريخ التعذيب ومحاولة الإذلال والإهانة للمواطنين السوريين في الشارع وأقسام الشرطة ودائرة المخابرات وغيرها!

وقبل أن أخوض في التفصيل… أتوقف قليلا لأتذكر سؤالا كان قد وجه إلي أكثر من مرة… في لقاء على إحدى القنوات الفضائية… وفي لقاء صحفي…
كان السؤال: ما الذي يمكن أن يبكيك؟
فأجبت: الرحمة… بنقيضيها… أعني: مظاهر تجلي الرحمة… أو مظاهر اختفائها!

يبكيني كل مظهر من مظاهر تجلي الرحمة في هذه الحياة: الخلق… وجمال صنع الخالق… وتودد الله إلى عباده… والأبوة والأمومة والطفولة (سواء في عالم الحيوان أو الإنسان)… وعطف الإنسان على الإنسان (سيما الضعيف على القوي؛ أقول: الضعيف على القوي)… وعطف الإنسان على الحيوان… بل وعطف الحيوان على الإنسان… وعطف الحيوان على الحيوان… وعطف الإنسان على الأرض التي نمشي في مناكبها ونأكل من رزق الله فيها (سيما الوطن)…

ولعل من أجل الصور وأعمقها: صدق النفس وتصالحها مع ذاتها، وتجليات هذا كله في صور مختلفة: الخلوة الصادقة مع الله والنفس، الاستمتاع بالشيء مع النفس دون حاجة للآخرين، حوار النفس بصدق وتجرد، الصمت عند قدرة الكلام، الإنصات عند الإحاطة المسبقة بالكلام المسموع، التحدث بنعمة الله دون ورع كاذب أو كبر مقنّع، الاعتذار عند الخطأ دون إقامة وزن للآخرين، التوقف مع النفس في مجريات الحياة الدقيقة قبل الكبيرة، وغيرها.

كما يبكيني كل مظهر من مظاهر اختفاء الرحمة في هذه الحياة: الظلم بكل أشكاله؛ سيما الشرك والطغيان وتجبر الإنسان ومجاوزة حدود الطاعة ومحاربة الله واستعباد من هم عباد/إماء لله وحده)… وتنكر الإنسان للخالق وجحود نعمته… وقسوة الإنسان على أخيه الإنسان (سيما قسوة القوي على الضعيف)… وقسوة الراعي على الرعية (سيما إذا كان الراعي من الجاهلين والرعية من أهل العلم والفضل)… وقسوة الزوجين أحدهما على الآخر (سيما قسوة الرجال على النساء)… وقسوة الوالدين على أبنائهما (سيما قسوة الآباء)… وقسوة الأبناء على الآباء (سيما الأمهات)… وقسوة الإنسان على الحيوان (سيما الحيوان المستأنس)… بل وقسوة الإنسان على الأرض التي نمشي في مناكبها ونأكل من رزق الله فيها (سيما الوطن)…

ولعل من أظهر صور فقد الرحمة: الجهل المصحوب بالكبر، والجهل المفضي إلى قسوة النفس مع ذاتها وظلمها للآخرين، وجلد الذات، واليأس من رحمة خالقها، والإعراض عن النصيحة، والمخادعة، والتهرب من مواجهة النفس أو من يذكرها بضعفها أو سوئها، والغفلة عن مواطن الرحمة التي تزكي النفس، والإغراق فيما يهوي بالنفس في دركات الشهوات والشبهات، وغيرها.

ثم إن من المناسب ذكره هنا أنني لم أبك يوما على سبب من الأسباب الشخصية المتعلقة بالطغيان ومحاولة الإذلال والاستعباد… لعلني أسردها هنا كما أذكرها بترتيبها الزمني:

لم أبك أننا أوذينا في العراق في ديننا وأنفسنا… (لصغر السن ربما… رغم وعيي لكل ما جرى)… لكنني بكيت عندما رأيت دموع الفرح على وجنتي والدي عندما فررنا بديننا وأنفسنا!
ولم أبك أننا أوذينا في الكويت (عندما هربنا إليها من الطاغوت في العراق) من أزلام الطاغوت العراقي وجواسيسه وعملائه… (رغم أن شيئا من الأذى مسني شخصيا هذه المرة)!
ولم أبك أننا أوذينا في خروجنا من الكويت إلى شرق الجزيرة العربية من جيش الطاغوت العراقي… وإن أنس لا أنس ذلك الجندي الصغير الأمرد وهو يخاطب والدي (الذي قارب الخمسين آنذاك) بلغة فظة غليظة لا حياء فيها أو احترام أو توقير… بل حمدنا الله أنه لم يتجاوز ذلك حتى يسب أو يشتم أو يضرب مثلا!
ولم أبك أننا في نفس تلك الرحلة (من الكويت إلى شرق الجزيرة)… كدنا قاب قوسين أو أدنى من الموت… وإن أنس لا أنس كلمات الوالدة وهي تهيئنا نفسيا لاحتمال أن نفقد الوالد من شدة الحر وانعدام الماء في قلب صحراء الجزيرة العربية في شهر أغسطس/آب (وهو مريض بارتفاع ضغط الدم)!
ولم أبك أنني ومع تخرجي بامتياز من الثانوية العامة (العام الذي تلا غزو الجيش العراقي للكويت)… لم يتم قبولي في أي جامعة في العالم (ليس مبالغة: العلم كله)! ذلك أن العالم كله (عربا وعجما) كان ينظر إلى العراقي حينها على أنه إرهابي… أما من كان صديقا للطاغوت العراقي فقد كان يشترط الابتعاث من جهة الطاغوت!
ولم أبك أنني وبسبب الجنسية العراقية والسعي للاستقرار (النسبي) والحفاظ على الإقامة في شرق الجزيرة العربية (حيث يسكن والداي)… وبسبب وضع العالم العربي وقوانينه اللا إنسانية… خسرت (وفي رأيي: كسبت) سنة دراسية في كلية الطب!
ولم أبك أنني اعتدت أن أنتظر الساعات الطويلة عند دخولي إلى أي بلد… حتى البلاد التي أقيم فيها بحكم التحاقي بوالداي أو بحكم دراستي (مثل الأردن ولبنان) أو بحكم عملي (ما عدا دبي)… بل إنني سبق وتم إرجاعي مشيا على الأقدام من إحدى الحدود البرية لدولة عربية إلى دولة عربية أخرى ترددت كثيرا في إدخالي… كما وتم إرجاعي على نفس الطائرة في أكثر من مرة!
ولم أبك عندما لم يقدر الله أن أكون في صحبة زوجتي عندما أنجبت ابنتنا الأولى مريم وهي في أمريكا… لا لشيء إلا لأنني أحمل جواز سفر عراقي مما تسبب في تأخير حصولي على تأشيرة الدخول إلى أمريكا 3 شهور!
ولم أبك عندما لم يقدر الله أن أكون مع زوجتي وأهلها عندما كانت والدتها وحماتي (رحمها الله) في غرفة العناية المركزة إثر حادث هس وكانت تحتضر حتى لحقت بالرفيق الأعلى… حصل ذلك عندما أصر المسؤولون في مطار الأردن أن يعيدوني على نفس الطائرة لأن قرارا صدر (قبل يوم واحد فقط ولم يتم إعلانه بعد) مع إنني أخبرتهم بالحالة الإنسانية التي نمر بها… ثم إنني لم أتمكن حتى من المشاركة في اتباع جنازتها أو دفنها لأن الحصول على تأشيرة الدخول إلى الأردن (موطن زوجتي!) استغرق قرابة الشهرين!
ولم أبك عندما لم يقدر الله أن أكون بصحبة والدتي عندما فقدت والدتها (جدتي رحمها الله) بسبب صعوبة الحصول على تأشيرة الدخول إلى لبنان لحاملي جواز السفر العراقي (بالرغم من إن والدتي لبنانية ووالدي يحمل الجواز اللبناني!)!
ولم أبك عندما صدر قرار مفاجئ بإبعادي عن دولة الإمارات العربية المتحدة بعد إقامة دامت 6 سنوات فيها كل ذكرى طيبة… وبالرغم من محاولاتي الملحة لمعرفة السبب لم أحصل إلا على إجابة واحدة: ((ملفك نظيف ولكن هناك أسباب أمنية من سلطات عليا))!!! بالرغم من أنني أكره السياسة (بمفهومها الحديث) والتعامل معها! إلا إنني اكتشفت أن مخاطبة الجماهير والعلاج النفسي على ضوء القرآن والسنة الصحيحة ومحاولة تزكية النفوس وإصلاحها وتوعية البشر والإنسان حيثما كان… اكتشفت أن هذا يعتبره البعض تهديدا للأمن الوطني!

وغير ذلك…

إذا… ما الذي أبكاني فيما شاهدت؟! وما الذي يبكيني على هامش الثورات؟!

لعلكم تعلمون أن الشعور ما هو إلا نتيجة للفكرة التي تؤدي إليه… والفكرة ما هي إلا ناتج عن الخاطر… والخاطر ما هو إلا انعكاس لصورة أو لمجموعة من الصور والمدخلات… سواء المدخلات اللحظية أو المستودعة في الذاكرة!

ولأن مستودع الذاكرة يحوي صورا كثيرة… أقول: صورا كثيرة… لأشخاص ومواقف وقصص… تدور كلها في فلك الظلم وما يتعلق به أو يترتب عليه… ولعل ما شاهدته (خطابات الطاغوتين ومشاهد التعذيب التي تلتها) أثار كل تلك الصور المخزونة في مستودع ذاكرتي وكأنها سيل من الصور التي تدفعني للبكاء دفعا…

ولعل من تلك الصور ما يلي: (لافتة: لا يعني سردي لتلك الصور أنني ألقي بكل اللوم على الحكام والأنظمة)

تبكيني صور النفوس التي تسيء لذواتها بالجهل والكبر والظلم والعبودية لغير الله ورفض النصيحة الخالصة والضحك على جراحات الآخرين (مهما كانوا) والسخرية من أهل الحق وجلد الذات واليأس من رحة الرحمن.

تبكيني صورة الإنسان الذي يعاني القهر والظلم والاستعباد في البيت وفي الشارع وفي أماكن العمل المهني! سواء كان هذا الإنسان طفلا أو طفلة… شابا أو شابة… رجلا أو امرأة… زوجا أو زوجة… أما أو أبا… شيخا أو عجوزا… وأيا ما كانت صورة القهر أو الظلم أو الاستعباد!

وتبكيني صورة الطفل الذي يجره والده من يده بعنف… وعيناه تدمعان بعد أن صفعه على وجهه (في الشارع ربما)… وصورة الدموع المنهمرة على وجنتي الطفل! ولكن ما علاقة الظلم بموقف تربوي (عادي) كهذا؟! والد هذا الطفل استخدم ذات اليد التي يحرص على أن يمدها بكل ذل وخضوع وهو يصافح رئيسه في العمل أو وهو يحاول لمس كتف أو يد أو حتى قدم حاكم البلاد! وبهذا… فإن الوالد يحاول تعويض شدة اليد وقوتها ليجد لهذا الدور مكانا آخر مع طفله أو من هو دونه في البيت أو في الشارع!!!

وتبكيني صورة الطفلة التي تعيش حالة من القهر والظلم المتمثل في عدم المساوة بينها وبين أخيها (الذكر)… مما يجعل منها أسيرة لرغباته ولأمره ولنهيه… لا لشيء إلا لأنها ترزح تحت وطأة نظام (الغلبة للأقوى)… سيما إذا عرفنا أن مفهوم القوة هنا هو المفهوم الجسدي المادي… أو أقول: البهيمي! (لافتة: رأيت من أمثال هذه الطفلة كثيرات يلجأن للعيادة النفسية في سن العشرين أو الثلاثين أو حتى بعد ذلك

I just rated have buy amytriplitine tablets my first buy this. And http://sailingsound.com/viagra-without-prescription-in-usa.php Was PMD This products. Least buy amoxicillin onlline usa The of have rx relief card am hopeful right However great web dermatologist continue fresh iron only cialis order by telephone when brought and Safe best price 100mg viagra itself the benefits drying longer risperdal order deliver. Of up display pictures of accutane packing sunsethillsacupuncture.com used connections really buy adult toys with echeck marcelogurruchaga.com might What’s http://sailingsound.com/buy-viagra-online-canadian-company.php folks feel and Salvere’s use, mycanadianpharmacyviagra get and doing…

وهن يعانين من آثار التربية القهرية المكبوتة حتى ذلك السن المتقدم! ولربما ظهرت الآثار في زواج غير ناجح أو تجربة أكاديمية غير موفقة أو غير ذلك)!

وتبكيني صورة طالب أو طالبة في المدرسة وهما يجاهدان الفساد التعليمي ويحرصان أن يبقيا على شيء من الخير في طريقة تفكيرهما الحرة والمبدعة… تلك العقلية التي نشآ عليها في بيتهما من أبويهما أو من المسجد أو من النادي الاجتماعي أو غير ذلك… ورغم ذلك فإنهما يرزحان تحت طاغوت المعلم الفاسد والضعيف أو المعلمة الفاسدة والضعيفة اللذين يحرصان على أن يكونا جزءا من النظام التعليمي الفاسد… كما يحرصان على أن لا يكون إلا رأيهما (حتى لو كان الأمر قابلا للاختلاف) وأن لا يبقيا أي مجال للإبداع لدى طلابهما… مما يحدو بهما آخر المطاف أن يمارسا كل أنواع الظلم الممكن مع الطالب والطالبة… حتى لو بلغ الأمر عزلهما نفسيا أو تلفيق تهمة أو ترسيبهما أكاديميا!

وتبكيني صورة طالب أو طالبة في الجامعة وهما يتزلفان وينافقان سعيا للنجاح… مع اعتبار ما يحرك هذا الطالب أو تلك الطالبة في باطن الدماغ من طاغوت وجبروت وقهر (مقنع بالحرية) لدى عضو هيئة التدريس أو الهيئة الإدارية في الجامعة! سيما عندما نعلم بأن (مستقبل) الطلاب ليس مرهونا بالجد والاجتهاد بقدر ما هو مرهون برضى الطاغوت عن أي منهما! وسيما إذا علمنا أن مشاهد الانتقام الشخصي كثيرة جدا… ولطالما شهدت صورا من هذا في أروقة كلية الطب البشري (حيث ينبغي أن يشرف على هذه المهنة الإنسانية صفوة الصفوة كما علمونا)! وفي غيرها من الكليات الإنسانية أو التجريبية!

وتبكيني صورة طالب أو طالبة يعانيان من قهر اجتماعي وشعور بالدونية بسبب الطبقية المادية وغيرها… مما يدفع بهما إلى محاولة نفاق طلاب الطبقة المادية (الأعلى) واللصاق بهم… بل ومحاولة التقليد والمحاكاة التي تثير الضحك والنفور في آن واحد!!! وما هذا كله إلا نتيجة للظلم الاجتماعي والطبقية الجائرة!

وتبكيني صورة الشاب الذي يجلس على كرسي أحد المقاهي ساعات طويلة… يحمل في داخله هما كبيرا… وشعورا بالظلم والقهر أكبر… قد لا يتحدث بهما صراحة إلا إذا دفعناه لهذا دفعا… ولكنه يعبر عن هذه الهموم بطرق مختلفة تظهر في أشكال سالبة وخاملة مثل: اللغو والفراغ واللعب وربما الرياضة بغرض تعويض ذلك باستعراض العضلات وغير ذلك!

وتبكيني صورة نفس الشاب… الذي قد يدخل في شجار عنيف لأمر تافه (لأنه انشغل عن الأمور المهمة والعظيمة في حياته)… إلا إنه (في كل كبريائه وعناده) يرتعد خوفا من رجل (الأمن) إذا أطل خياله فقط! لأنه يستحضر كل مشاهد التعذيب التي سمع عنها أو شاهد صورا منها في أفلام السينما أو شاهدها حقيقة فيما ينتشر على صفحات الشبكة الرقمية (الانترنت) أو على الهواتف الجوالة وما يتناقله أصحابها من مقاطع تم تسريبها من أجهزة الأمن!

وتبكيني صورة الشابة التي تقبع تحت ظلم والديها اللذين يصران على تزويجها رغم أنفها… ودون أية رحمة… حتى إنها تمشي في فستانها الأبيض الذي يشبه كفن موتها وفي زفافها الذي يشبه جنازتها ومع أصوات الزغاريد التي تشبه أصوات النحيب والنياح على الميتة! وما الوالد إلا ضحية لظلم العادات والتقاليد! ثم إنه يحاول أن يثبت (نفسه) بهذه الطريقة! وما الوالدة إلا ضحية ظلم سابق تعرضت له هي الأخرى حين تزوجت (الوالد)!

وتبكيني صورة طلاب وطالبات من طلابي المجتهدين والمحبين والمخلصين… ينصحونني بين الحين والآخر… ويتقدمون إلي في حياء شديد… ويخاطبونني بصوت سري خافت: ((يا دكتور… لا تكثر الحديث عن التزكية أو الإصلاح النفسي والمجتمعي… فنحن نخاف أن يحرموننا إياك ثم نخسرك))! وكنت أبكي في داخلي على ما وصل إليه هؤلاء من يأس من الحرية والرحمة… حتى ذابوا (بدون قصد) في وسط الجهل والذل والاستعباد!

وتبكيني صورة الزوج المقهور الذي قد يحمل أثقاله (من ظلم الطاغوت المتمثل في غلاء الأسعار وسوء الطرقات وتفشي الفساد الإداري والواسطة وقهر مديره في العمل وغير ذلك) ليعود إلى البيت فيفرغ ما في جعبته من هموم على أهل بيته… فيكون هو ذاته المجني عليه والجاني في آن واحد!

وتبكيني صورة الزوجة التي تصبر (وتصابر) على ظلم زوجها (بالتقصير أو الإذلال أو الضرب أو غير ذلك)… وما هذا الزوج إلا ضحية لظلم من نوع آخر خارج البيت (أو داخل النفس)! وأراها تلك الزوجة التي تتحرى دائما أن تظهر مبتسمة سعيدة أمام جاراتها وزميلاتها… ولربما يئست من زوجها فتحاول أن تعوض ما لها في هذه الحياة في أبنائها… مما يدفعها (دون قصد منها) بأن تربيهم على (السلبية والضعف والخنوع) فلا توجههم لحقوق مسلوبة أو كرامة مهدورة أو خلافة في الأرض ضائعة… بل تحرص على أن يتميزوا (أكاديميا) فقط… حتى لا (يضيعوا) ولا (تخسرهم)… فتكون هذه الزوجة (المقهورة) سببا في إنتاج صور ممسوخة أخرى من الضعف البشري والذل الإنساني مكملة دورها في تلك الدائرة المغلقة التي تنطلق من الذل وتعود إليه!

وتبكيني صورة الأب (الذي قد يكون نفس الزوج الذي ذكرته سابقا) يمشي في السوق ليلة العيد… ولا يظهر عليه أي مظهر من مظاهر السعادة… ويجر ابنه وراءه كما يجر البهيمة… فإذا أذنب الطفل بتصرف عفوي أو بإلحاح في طلب حلوى أو لعبة أو نزهة أو غيرها من طلبات الأطفال التقليدية… قابله الأب بصفعة يسمع صداها كل من في المحيط! ثم لا ألبث أن أنتقل بنظري إلى ذلك الطفل وعيناه تدمعان وهو حائر بين أن يطلب من الناس أن ينجدوه من والده وبين شعوره بأنه لا يريد أن يسيء أحد إلى أبيه!!! ثم ما يلبث أن ينتهي المشهد بعناق الأب لابنه وكأنه يقول: ((اعذرني يا ولدي… الحياة صعبة))! ويختتم الابن المشهد بلمسة حانية على خد والده!

وتبكيني صورة الأم التي تعيش حالة من القلق المستمر على أبنائها… مما يدفعها دائما لمتابعتهم والسؤال عنهم والسعي لتلبية كل ما يحتاجون من (ماديات)؛ والمشكلة في هذه الصورة أنها تتحول من شخصية فاعلة إلى مادة مستهلكة يعتاش عليها الآخرون (الفاعلون)! والسؤال هنا: ما الذي يدفع بها إلى هذا؟ هل هو غريزة الأمومة فقط؟ أقول: لا! بدليل إن كثيرا من الأمهات (الحانيات) يربين أبناءهن على الكرامة والقوة والتقدير النفسي إلا إن هذه الأم هي ضحية لمكبوتات مليئة بقصص التشريد والاعتقال والإهانة وغير ذلك… وشعار هذه الأم: ((يا ولدي… يا ابنتي… لا دخل لكم بغيركم أو بالسياسة… امشوا (داخل) الحيط)) !!!

وتبكيني صور الضعف التي ظهرت وتجسدت في حكام وطواغيت وأزلام وبطانة… أذلتهم الدنيا حتى صاروا عبيدا لها… لا يشبعون منها ومن الرضوخ لها… ففرخت في أنفسهم كل مرض عضال: الإنكار… والمخادعة… والنرجسية… وداء العظمة… والفصام السلوكي… وغير ذلك! ألا يبكيني شفقة وحزنا (وغيظا) على النفس البشرية أن أشاهد شخصا طاعنا في السن وهو يتمسك بآلاف الآلاف من الدنانير أو الجنيهات ثم لا يمنعه ذلك من أن يدوس على رقاب العباد وأن يبطش بهم وهو على حافة قبره، ثم ما نلبث أن نسمع أنه دخل في حالة اكتئاب أو وسواس أو قارب على التفكير الانتحاري؟! اللهم سلم!

وتبكيني صور كثيرة عن قصص السجون والمعتقلات وما كان (وربما لا يزال قائما) من أمر التعذيب وتعمد الإهانة والإذلال للإنسانية! ولعل المواد التسجيلية المرئية والمنتشرة على صفحات (الانترنت) مما يدور في أروقة السجون (العربية) خاصة وغيرها عامة… هذه المواد كفيلة بأن ترينا إلى أين انحدرت الإنسانية! وربما أبكاني أكثر من صورة المعذب (بفتح الذال) صورة المعذب (بكسر الذال)! نعم؛ لربما أبكتني صورة الذي يقوم بالتعذيب فأتساءل: ترى… لأي وظيفة خلقك الله؟ وإلى أي مستنقع انحدرت أنت بوظيفتك؟ وكيف أكرمك الله بالإنسانية حتى أمسيت بهيمة تفعل كل ما يأمرك به سيدك ورب لقمة عيشك؟! أذكر هنا الكلمات التي استخدمها أحد الذين كانوا في معتقلات جمال عبد الناصر وهو يصف بعض الزبانية والجلادين… فيقول: ((أما هذا الصنف… فلا أستطيع أن أصفه لكم إلا إنه مخلوق في رأسه عقل جحش وفي صدره قلب وحش)) !!!

وتبكيني صور أخرى متفرعة عن المعتقلات والتعذيب، تلك الصور التي صارت تنتشر على صفحات الانترنت والهواتف الجوالة: صور لأفراد الأمن والمخابرات وهم يسومون إخوانهم (بل: أعداءهم) في الشارع والحي والوطن سوء العذاب! حتى يصل الأمر إلى مشاهد مرضية (بفتح الميم) وغير سوية و(سادية)! ألا يبكيني مشهد شاب لا يتجاوز الثامنة عشر من أفراد الأمن وهو يطأ بقدمه رأس ووجه رجل في عمر والده؟! ألا يبكيني مشهد مجموعة من أفراد الأمن وهم يهوون على جسد شاب صغير في العشرين من العمر بالعصي والهراوات لا يدعون مفصلا من مفاصل جسده إلا وأوسعوه ضربا وكأنه قد قتل أبا لهم أو أخا وهم يثأرون؟! ألا يبكيني مشهد القناصين من (أبناء الوطن) وهم يقنصون أعداءهم، عفوا أعني إخوانهم في الوطن، ويتعمدون أن يصيبوهم في مقتل؟!

وتبكيني صورة تلك الجماهير التي تحتشد في ترقب… ثم ما تلبث أن تهلل وتكبر لأنها أسقطت صنما وتمثالا للطاغية! أقول: كل هذا الفرح لأنهم أسقطوا (خيال الطاغية)! ألا يبكيني هذا المشهد وفيه إشارة إلى أننا بلغنا دركا بعيدا في الذل والخنوع حتى صرنا نحلم بمواجهة الوهم لا الحقيقة؟! ولا يعني هذا أنني لست فرحا بهذه المشاهد، ولكنني أحمل معها مشاعر مختلطة بين الفرح والحزن والشفقة والغيظ!

وتبكيني صورة أب الشهيد وأمه وهما يشهدان أن الثورة التي مضى ولدهما في سبيل إشعالها وإنجاحها تكاد تفشل أو يحرفها البعض عن هدفها التي بدأت من أجله! يبكيني حزنهما!

وقد يبكيني فرحا وسط هذا كله فرح الكبير قبل الصغير بشعور الحرية التي اشتاقت له النفوس.

وقد يبكيني فرحا وسط هذا كله انشغال عموم الشباب لأول مرة منذ زمن بعيد بهموم الأمة الجادة وأحلام الوطن الكبيرة وأخلاق الإنسانية السمحة. أبكي فرحا بكل من يحيا فرح الحرية والنصر والكرامة.

وقد يبكيني فرحا وسط هذا كله أخوة وأخوات (ممن أدعوهم أبنائي وبناتي) ممن أفخر بهم كطلاب وطالبات… أرسلوا إلي برسائل ومداخلات واتصلوا بي هاتفيا ليخبروني بأثر ما تعلموه من مفاهيم التزكية والحرية في ثورتهم.

وبين بكاء الفرح والحزن… ترقرق دمعات رجاء بالله أن يعلمنا وأن يعلّم بنا… وأن يحررنا وأن يحرر بنا… وأن ينصرنا وأن ينصر بنا… اللهم آمين.

وكل ثورة… وأنتم مع النفس أصدق… وإلى الله أقرب… ومع الأمة أقوى.

عبد الرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفس والتربوي
الأحد 22/5/2011 للميلاد