عن فقه النفس والسلوك: فقه الضحك

نشرت في 14/11/2013

على هامش فقه النفس وتطبيقاته: ما علاقة الضحك والسخرية بـ الخلاف الاختلاف ؟!

سؤال: كيف وصلنا إلى هذا الدرك من قبول السب الشتم السخرية البذاءة في الاختلاف ؟!

جواب: إذا فقهنا النفس، فلا عجب !

بداية، من المفيد أن نعلم أن من طبيعة النفس أنها إذا تعرضت إلى أي تهديد أو عارض من عوارض النقص أو الافتقار إلى حاجة من حاجاتها، فإن النفس تسعى مباشرة لتلبية تلك الحاجة وتعويض ذلك النقص، سعيا منها إلى الاستقرار.

فإذا ما تعلق اﻷمر بـ الجسد، فإن نقص الماء أو الغذاء أو أي حاجة من حاجات الجسد يسبب التوتر الذي يظهر في صورة العطش أو الجوع أو البرد أو الحر أو غير ذلك من استجابة جسدية. وهنا تسعى النفس لتلبية الحاجة وتعويض النقص: الماء الغذاء الدفء الهواء.

هنا، يبدو اﻷمر سهلا واضحا، فماذا عن الروح ؟!

حاجات الروح تتجاوز تلك الحاجات البدائية لـ الجسد، فـ الروح تبحث عن اﻷمن الحب الاحترام وغيرها من حاجات تدور في فلك الشعور بـ الذات أو اﻷنا.

فـ النفس تحاول أن تؤكد ذاتها بممارسات كثيرة، كلها تحاول النفس من خلالها أن تحافظ على اﻷنا من أي تهديد أو توجس أو خوف أو توتر أو اضطراب.

ومحاوﻻت النفس التي تسعى فيها للتقليل من التوتر أو الاضطراب يعرفها أهل التخصص باسم: الحيل الدفاعية أو الحيل النفسية. ولعل من أبرز من تحدث عنها في العصر الحديث: فرويد.

ﻻفتة: نقرأ في القرآن مفردات مختلفة ومتنوعة تشير إلى هذه الحيل الدفاعية، مثل: المخادعة الكذب السخرية الاستهزاء الإنكار، وغيرها.

ومع أن هذه الحيل الدفاعية هي حيل روحية إﻻ إن أسبابها أو آثارها يترجمها الجسد بما يظهر عليه أو بما يفرزه من مواد نعرفها باسم الهرمونات، وهرمونات معينة بالذات، لعل أهمها وأبرزها في موضوعنا هنا هو هرمون إندورفين.

هذا الهرمون إندورفين هو ما يعرف بـ المورفين الطبيعي، وهو (أكثر من غيره) يرتبط عند اﻹنسان بالشعور بـ الاستقرار أو الراحة = الطمأنينة السعادة الرضى.

ﻻفتة: مما يسبب إفراز اﻹندورفين أيضا: التفكير الهادئ التأمل الرياضة

ولعل من أبرز هذه الحيل الدفاعية: الصمت اﻹغماض اﻹعراض اﻹنكار …

ومن أهمها وأبرزها هنا الضحك الذي جعله الله في اﻹنسان بطبيعته دون تكلف أو اجتهاد، وسيلة طبيعية مجانية لتفريغ النفس ما فيها من شحنات.

قال الله (وأنه هو أضحك وأبكى) [القرآن: سورة النجم: اﻵية 43].

ﻻفتة: لعل من المفيد أيضا أن نعلم أن الضحك هو من أشهر الحيل الدفاعية النفسية، بعد الصمت و اﻹعراض عن سبب التوتر.

وهذه الحيلة هي حيلة نفسية، بمعنى أنها ليست مختصة بجنس دون جنس وﻻ عرق دون عرق وﻻ طائفة دون طائفة. الضحك لغة كونية.

والسؤال هنا: ما الذي يجعلنا نضحك ؟!

سأبدأ باعتبار أن الضحك وما يسببه أو يتعلق به أمر مفطور عليه اﻹنسان و النفس البشرية، ولعل اﻵية التي أوردناها قبل سطور قليلة (وأنه هو أضحك وأبكى) تدل على هذا، حيث نسب الله سبحانه تعالى الضحك و البكاء إليه جل في علاه.

ومن هنا، فإنني أعتقد أن الضحك هو أمر في طبيعة اﻹنسان و النفس، وأن النفس السويّة ﻻ يمكن لها إلا أن تكون في حالة من حالات الضحك بمستوياته المختلفة، من الهدوء ومرورا بـ الابتسامة وانتهاء بـ الضحك.

ﻻفتة: الابتسام والمرح والضحك والبشاشة والفكاهة والمزاح والدعابة والهزل والكوميديا، كلها تدور في فلك ألضحك.

ولقد تكلم في أسباب الضحك كثيرون، وبحث فيه أكثر، ولعل خلاصة ما بلغه علمي حتى لحظة كتابة هذه الكلمات أننا نضحك إذا ما أردنا أن نبلغ بـ النفس إلى الطمأنينة السعادة الرضا.

كيف ذلك ؟!

خطة سير النفس = صورة أو فكرة + شعور + سلوك.

و الضحك إما أن يكون فكرة أو شعور أو سلوك.

أما الصورة أو الفكرة، فإن مجرد الضحك أمامنا أو حولنا قد يسبب الضحك، ربما بسبب التقليد و المحاكاة أو ربما بسبب استدعاء صورة في مستودع الدماغ لدينا تشبه ما رأينا أو سمعنا، أو ربما ﻷننا نريد أن نضحك فنغفل عن ذلك فيذكرنا الضحك بحاجتنا له، أو غير ذلك ! ويندرج هنا الضحك عند رؤية ما يستدعي الشعور بـ الراحة أو الأمن أو الاستقرار، ومن ذلك أي مشهد من مشاهد الرحمة أو الجمال أو الخير.

وأما الشعور فأمثلته كثيرة، تصب في معظمها في لجوء النفس إلى الضحك سعيا إلى الراحة أو هربا من شعور سالب معين.

نحن نضحك إذا ما أردنا استدعاء الشعور بـ الراحة.

ونحن نضحك إذا ما تعرضنا لموقف فيه شيء من الشعور بـ التوجس الخوف الخجل.

فنحن نضحك إذا ما رأينا شيئا جديدا (مجهولا)، و المجهول يرتبط لدينا بشيء من التوجس الخوف، وللهروب من الخوف فإننا نلجأ إلى الضحك، الذي يأخذ بنا إلى الاستقرار.

وقريب من هذا عندما نضحك إذا رأينا ما نستغربه، وهو قريب من المجهول، ومن هذا: الضحك إذا ما فاجأنا طفل بحركة ﻻ نتوقعها، أو إذا فاجأنا أحدهم بحركة غير متوقعة (مثل الكاميرا الخفية)، وغيرها.

ونحن نضحك إذا ذكر أحدهم شيئا خاصا مما يسبب الخجل، فنلجأ إلى الضحك أيضا. ومن هذا مثلا: الكلمات المتعلقة بممارساتنا في الخلاء، أو الحمام، أو غرفة النوم، أو غير ذلك.

وربما يكون قريبا من هذا الضحك إذا ما تعرضنا لملامسة (غير اعتيادية) في أماكن (غير اعتيادية)، وهو ما نعرفه باسم: الدغدغة أو الكركرة. ويكون الضحك هنا بهدف الدفاع عن هذه الخصوصية أيضا.

ونحن نضحك إذا سمعنا نكتة فيها ما ﻻ نرضاه عادة، لكننا نتغلب على شعورنا بـ الذنب باللجوء، أيضا، إلى الضحك.

ونحن نضحك إذا أردنا أن نقنع أنفسنا بأننا على ما يرام، ومن هذا: الضحك إذا ما شعرنا بأننا على وشك الخسارة في حوار أو نقاش، أو الضحك إذا كنا في حالة من الوحدة المخيفة، أو الضحك على وشك مخاطبة شخص نتوقع أن نسمع منه ما قد ﻻ يسرّنا (مثل المريض الذي يضحك وهو يستعد لسماع نتائج الفحص من الطبيب المتخصص)، وغيرها من أمثلة.

وأما السلوك، فإن كل ما سبق من صور الضحك إنما هو سلوك.

إذن الضحك = حيلة دفاعية تبحث من خلاله النفس عما يطمئنها ويريحها.

وصور أسباب الضحك المختلفة والمتنوعة في الحياة أكثر من أن نحصيها، ولكنها كلها (والله أعلم) تدور في فلك ما ذكرته هنا.

والسؤال هنا: ما علاقة الضحك بممارسات أخرى مثل السب الشتم السخرية الاستهزاء وغيرها من ممارسات ؟!

ذكرت سابقا أن النفس تبحث عما يحافظ على اﻷنا، ومن هذا: سعي النفس لتأمين ذاتها وإحاطتها بكل ما يمنحها الشعور بمكانتها ومقامها، ويكون في مفاهيم نعرفها بأسماء مختلفة: الحب و الاحترام و التقدير وغيرها من مفاهيم نفسية.

ومن هنا، فإن النفس تجتهد في إعداد ذاتها بكل ما يهيئ لها أسباب الاستقرار، ومن مظاهر اجتهاد النفس في الدفاع عن ذاتها: ما أسميه الجعبة الدفاعية أو الحقيبة الدفاعية، حيث تسعى النفس لتجمع أكثر من حيلة دفاعية في معا في ممارسة واحدة، فنرى النفس تلجأ إلى الضحك وتضيف إليه ما يشعرها بقيمة اﻷنا ولو على حساب اﻵخرين، فتمارس حيل دفاعية أخرى هنا، مثل السب و الشتم و السخرية، فنجد أن النفس تميل إلى الضحك + السب + الشتم + السخرية في آن واحد، وهكذا.

ﻻفتة: إذا علمنا أن من أسباب الضحك العضوية، والتي أعتبرها أسبابا صناعية لحظية وهمية، اﻷفيون ومشتقاته من المخدرات وما يشابهها، ظهر لنا أثر اجتماع ما سبق من حيل دفاعية مع هذه المخدرات ! وما أكثر مظاهر اجتماعها في أيامنا ؟!

من هنا، لنا أن نقرأ المشهد اليومي في الحوار و الخلاف و الاختلاف، سواء في مجالس الحياة اليومية في البيت أو الشارع أو السوق أو الجامعة أو الشركة المطعم أو المقهى أو غيرها، وكذلكم مجالس التلفزيون أو اﻹنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك أو تويتر أو غيرها.

يبقى السؤال هنا: هل هذا يعني أن الضحك مذموم، بالرغم من أنه أمر طبيعي ؟!

قلنا أن الضحك هو أحد أبرز الحيل الدفاعية، وهو أمر طبيعي، ولكن كون الشيء طبيعي ﻻ يعني بالضرورة أنه مقبول في كل حالاته. فـ النفس قد ترتكب كثيرا من اﻷخطاء و الذنوب سعيا إلى ما ترى أنه طبيعي !!!

وهنا تظهر أهمية المرد الذي ينبغي أن نعود إليه ليوجهنا في حياتنا إلى ما هو خير لـ النفس و المجتمع و اﻷمة.

وكما نكرر دائما: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فإن الضحك شأنه شأن أي سلوك آخر. نسأل: هل العطش يعني أن أشرب من كأس غيري دون إذنهم ؟! وهل الجوع يعني أن أمد يدي إلى طبق اﻵخرين رغما عنهم ؟! كذلكم الضحك، له ضوابطه التي ينبغي أن ينضبط بها.

وأسباب الضحك ودوافعه الطبيعية و المشروعة أكثر من أن نحصيها، وفيما سبق من أمثلة ﻷسباب الضحك (التعامل مع المجهول و الخوف و السعي إلى الطمأنينة وغيرها) ما يكفي، المهم هنا أن نحدد: لماذا أضحك ؟! وأن نحذر أشد الحذر أن يكون دافع الضحك هو شيء من الكبر أو اﻷنا السالبة، أو الانتقام بصوره المختلفة.

أما إذا كان الضحك لغير ذلك من أسباب طبيعية منضبطة بعدم الضرر واﻹضرار، فلا حرج، وقد وردت آيات في القرآن تشير إلى الضحك المشروع، بل والمحمود:

قال الله في [القرآن: سورة هود: اﻵيات 69-71]: ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا: سلاما، قال: سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا: لا تخف، إنا أرسلنا إلى قوم لوط، وامرأته قائمة، فضحكت، فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾.

وقال الله في [القرآن: سورة النمل: اﻵيات 17-19]: ﴿وورث سليمان داوود، وقال: يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء، إن هذا لهو الفضل المبين، وحشر لسليمان جنوده من الجن واﻹنس والطير فهو يوزعون، حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم، ﻻ يحطمنكم سليمان وجنوده وهم ﻻ يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها وقال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾.

وقال الله في [القرآن: سورة عبس: اﻵيتان 38-39]: ﴿وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة﴾.

كما ورد في السنة النبوية عدد من اﻵثار التي جاء فيها ذكر الضحك في معرض المدح أو الندب أو القبول:

فقد عرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إشراق وجهه بـ الابتسامة و الضحك، حتى في لحظات الغضب، فكان يعرف الصحابة فيه ما يسمونه: ابتسامة المغضب.

نقرأ في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، عندما تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، موقفين له مع رسول الله، أما الموقف اﻷول فيكون فيه رسول الله في لحظة غذب أو عتب على كعب بسبب تخلفه دون عذر مقبول، ومع هذا، يقول كعب: (حتى جئت، فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب، وقال: تعال)، وأما الموقف الثاني فيكون فيه رسول الله في لحظة سعادة بنزول توبة الله على كعب وصاحبيه، يقول كعب: (فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يبرق وجهه من السرور …) ثم يقول كعب: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه).

وقد روي في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وجاء في أكثر من أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه (ضحك حتى بدت نواجذه).

وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه أنه قال: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، وﻻ رآني إﻻ ضحك) وفي رواية (وﻻ رآني إﻻ تبسم).

واﻵثار كثيرة في مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، لكنه مزاح منضبط، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله، إنك تداعبنا !)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، غير أني ﻻ أقول إﻻ حقا).

أما عن الضحك المذموم، فلنقرأ ماذا قال الله في القرآن عن صور الضحك المذمومة:

قال الله في [القرآن: سورة التوبة: اﻵيتان 81-82]: ﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا: ﻻ تنفروا في الحر، قل: نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون﴾.

وقال الله في [القرآن: سورة المؤمنون: اﻵيات 108-111]: ﴿قال: اخسؤوا فيها وﻻ تلكمون، إنه كان فريق من عبادي يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين، فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون، إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون﴾.

وقال الله في [القرآن: سورة الزخرف: اﻵيات 46-48]: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال: إني رسول رب العالمين، فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون، وما نريهم من آية إﻻ هي أكبر من أختها، وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون﴾.

وقال الله في [القرآن: سورة النجم: اﻵيتان 59-60]: ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون ؟! وتضحكون وﻻ تبكون ؟!﴾.

وقال الله في [القرآن: سورة المطففين: اﻵيات 29-32]: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوهم قالوا: إن هؤﻻء لضالون﴾.

فاﻵيات هنا تشير إلى أن الضحك في مواضع الكبر أو الاستهزاء بـ الحق وأهله وغير ذلك مما يدنو بـ النفس إلى دركات الشقاء، كل هذا الضحك وما يشبهه أو يقترب منه فهو مذموم.

كما ورد في السنة النبوية ما فيه ذم لبعض صور الضحك وما يشبهه أو يقترب منه:

ومن هذا ما رواه أبو داوود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له).

ومنه ما رواه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ﻻ يأخذ أحدكم متاع صاحبه ﻻعبا أو جادا).

ومنه النهي عن كل صور الاستهزاء والسخرية والسب والشتم وما يشببها أو يقترب منها.

ومنه ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ﻻ تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب).

وهذا الحديث مما يثير تساؤﻻ عند بعض من ﻻ يفقهون طبيعة النفس وحاجاتها وضرورة فقه الوجود و الاستخلاف، فيظنون أن الإسلام ضد الضحك الذي هو من طبيعة اﻹنسان، وﻻ يدركون أن الحديث تناول اﻹسراف في الضحك، وهو الذي يحول اﻹنسان إلى شيء وإلى مادة ﻻ تعرف عن الرحمة أو الشفقة أو الخشية شيئا يذكر. كما ﻻ يدركون أن طبيعة العمل الجاد ﻻ تتفق مع كون الضحك هو الغالب في حياة اﻹنسان، فكيف إذا كان هذا العمل الجاد محوطا بهموم اﻷمة وآلام الناس ومعاناة المظلومين، بل وحتى طبيعة الدنيا الزائلة. ومن هنا أفهم ما روي عن كون رسول الله صلى الله عليه وسلم (طويل الصمت قليل الضحك)، كما أفهم ما روي عنه في صحيحي البخاري ومسلم: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا).

إذن، الضحك طبيعي ومطلوب، بل وهو دليل على الشخصية السويّة، ولكنه كغيره من الظواهر والحاجات النفسية الطبيعية، له ضوابط.

سيقفز هنا سؤال مهم: إذا اتفقنا مع هذا الطرح، فكيف بلغ بنا اﻷمر هذا الدرك في سلوكنا اليومي ؟!

أقول: إذا علمنا أن أجيالا نشأت على منهج غير منهج اﻹسلام الذي يدعو اﻹنسان إلى البحث عن من أنا لم أنا، والذي يدعو النفس أن تسعى في رحلة التزكية بمعرفة وجود الخالق وعبادته والالتزام بوظيفة المخلوق، وإذا علمنا أن هذه اﻷجيال تخرجت، وبتفوق، في مدارس خصوم اﻹسلام، وإذا علمنا أن هذه اﻷجيال نشأت مدمنة لمسرحيات وأفلام وسينما وتلفزيون، كلها نتجت من وزارات إعلام الطغاة، وكلها امتلأت بأعضاء مبرزين في الطابور السادس وخريجين لمدارس اﻹرساليات التغريبية والتبشيرية، أو على اﻷقل العلمانية !

وإذا تذكرنا كيف اعتاد الجمهور أن تكون السينما و التلفزيون جزءا رئيسا من الحياة اليومية، حتى إن تأثيث البيت ربما يبدأ أول ما يبدأ بـ التلفزيون !!!

وإذا وضعنا في الاعتبار كيف صار الظهور على صفحة السينما أو التفزيون علامة من علامات الشهرة النجومية الخير، حتى بلغ بنا اﻷمر أننا نرى الناس يقفزون من وراء المذيعين في الشوراع ليظهروا على الشاشة، بل بلغ بنا اﻷمر أن نرى ضحايا الكاميرا الخفية يكاد أحدهم يفتك بـ فريق العمل المهرج ثم ﻻ يلبث أن تهدأ ثورته بمجرد معرفته أنه سيظهر على شاشة التلفزيون !!!

وإذا استدعينا من ذاكرتنا كيف اعتاد الجمهور أن المشاهد في المسرحيات أو اﻷفلام ﻻ يكتمل فيها الضحك إلا إذا كان فيها تلميحا جنسيا أو انتقاصا من جهة أو استهزاء بشكل أو خلق أحدهم. بل إننا قبلنا أن يصعد كثير من (النجوم اﻷبطال) على أكتاف (كومبارس) ﻻ يتواجدون إﻻ ليكونوا هم (ضحايا الاستهزاء والسخرية).!!!

ﻻفتة: ﻻ كاد أحصي كم الصور التي خطرت على بالي وأنا أكتب هذه الكلمات، صور المشاهد التي مرت علي في حياتي من أعمال أهل الفن والتي فيها مسخ لكثير من القيم اﻹنسانية و الدينية.

إذا تصورنا ذلك كله، أصبح من السهل أن نفهم كيف بلغ بنا اﻷمر إلى هذا الدرك.

وإذا تصورنا ذلك، فهمنا، مثلا، المشهد اﻹعلامي في مصر طوال السنتين الماضيتين، كمّ ﻻ ناكد نحصيه من الضحك الممزوج بـ السب أو الشتم أو السخرية أو اﻹيحاءات الجنسية أو غيرها.

ببساطة: الجمهور اعتاد على ذلك، ﻷنه مغيّب بـ المورفين الطبيعي = إندورفين منذ عقود أو قرون من الزمان.

هذا الجمهور الذي يقبل هذا كله ويقبل أن تكون البذاءة جزءا مهما وأساسيا من (حواره اليومي) وأسباب الضحك، هذا الجمهور هو الذي ﻻ يتصور قيام نظام إسلامي يحكم الناس بـ الجد ويدعوهم إلى نبذ التهريج وضبط اللسان.

سؤال أخير: وماذا عن السخرية التي يمارسها بعض من يدعون الالتزام ؟!

جواب: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإذا كان الضحك سببه التناقضات المعروضة، فلا حرج، وإذا كان الضحك سببه انتقاص أو استهزاء فهذا غير مقبول. ولهذا، فأنا عندما أضع مادة مرئية (كوميدية) تعجبني فكرتها العامة، فإنني أنبه الجمهور إلى تخفظي على بعض ما فيها من (مخالفات).

ولعل من أبرز ما يدعو للضحك في تعامل أهل الدعوة مع غيرهم ما أسميه بـ (قسوة البلاء) الذي يعاني منه الكثيرون، مما يدفع (المشفقون) للضحك، لا سخرية من (أهل البلاء) ولكن لتخفيف حدة الشعور (بالألم) المصاحب للملاحظة والدعوة

خلاصة: استمتعوا بنعم الله: الحواس والجوارح، ولكن، اعقلوها = اضبطوا حواسكم وجوارحكم.

اللهم اهدني ﻷحسن اﻷخلاق، لا يهدي لأحسنها إﻻ أنت
واصرف عني سيئها، ﻻ يصرف عني سيئها إﻻ أنت

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي

نشرت في 14/11/2013