بين مفاتيح “السعادة” ومقام “الرضا”

بين مفاتيح “السعادة” ومقام “الرضا”

لماذا “مفاتيح” السعادة؟ وليس “مفتاح” السعادة؟

• مهما (أغلقت) الطرق أمامنا، فالمفاتيح موجودة.

• النفس ترتاح إلى التعامل مع خيارات كثيرة، وقد تضيق عن “مفتاح” واحد.
• البعض ينفرون ممن يزعمون أن لديهم (مفتاح). أو (سر) أو (قانون) أو غير ذلك من (مفردات فريدة).
• قد تملك النفس مفتاحا يختلف عما تملك نفوس أخرى من مفاتيح، وقد تفتح هذه المفاتيح منافذ تؤدي إلى بعضها.
• المفاتيح، وإن تعددت، لكنها تلتقي في “السعادة.”

ولكنها “سعادة” واحدة بمفاتيح عديدة.

ما هي “السعادة” ؟!

الطمأنينة والسعادة والرضا

مفاتيح السعادة:

العلم أولا (ماذا عن المجانين؟!)

فقه النفس (قراءة وقبولا وتقديرا) = الصدق، والبحث عن الحق.

الله – أنا – الآخر

قال لي صاحبي : أراك غريبا * بين هذا الأنام … دون خليل …
قلت : كلا … بل الأنام غريب * أنا في عالمي وهذي سبيلي …

هناك في ظل الغصون الخضر والعشب النضيد
والماء تحتك ضاحك وكأنه يتلو القصيد
تفضي بسرك آمنا وتعيش بالقوت الزهيد
ما دام قلبك عامرا بالنور في كنف الحميد
فهناك تعلم موقنا أن التقي هو السعيد

ثم العمل، والعمل، والعمل

الرضا: أن أعلم، وأن أعمل ما أعلم، وأن أطمئن به، وأن أحيا في الذود عنه والدعوة إليه

أترككم مع رسالتي بعنون: الرضا مقام في الدنيا قبل الآخرة

*************************************

سلام من الله عليكم ورحمة وبركات

هذه الرسالة هي جوابي على رسالة جاء فيها سؤالان:

السؤال الأول: هل يمكن لي أن أصل إلى “الرضا” في هذه الدنيا؟

السؤال الثاني: هل أعلم أشخاصا “راضين” في حياتي الشخصية؟

فقلت، ومن الله التوفيق، ومني الاجتهاد، وعليّ خطأي:

نعم، يمكن الوصول لمقام الرضا في هذه الدنيا، وهذا ثابت بالعقل والنقل.

ولكن: أود أن أذكر هنا موجزا لبعض المعاني.

ما الذي يبحث عنه الناس؟

قرأت – ما أظنه – كثيرا، وبحثت كثيرا، وأنصت للكثير من الناس، داخل “العيادة النفسية” وخارجها، واستمعت إلى كثيرين غيري ممن اشتغلوا بمحاولة مساعدة الناس في حلول مشكلاتهم، وانتظرت كثيرا قبل أن أقرر ما يلي:

أنا، وأنت، وغيرنا الكثيرون، نبحث عن معنى واحد في أنفسنا، نبحث عن شعور واحد في داخلنا، نبحث عن فكرة واحدة في أدمغتنا؛ قد تختلف مسمياتها وتعريفاتها بين الناس، إلا إنها نفس المعنى والشعور والفكرة: الطمأنينة، والسعادة، والرضا.

هذا ما أراه أنا، وقد يختلف معي البعض؛ ولا ضير في هذا. إلا إنني أراني أقرر هنا ما بلغه علمي حتى لحظة كتابة هذه الكلمات.

أما الطمأنينة: فهي باختصار “هدوء النفس واستقرارها وخلوها من أي أمر قد يعكر صفوها”، أو هي “ثبات النفس واستقرارها على أمر بعينه”.

وأما السعادة: فهي ناتج من نواتج الطمأنينة، وشعور متولد عنها ومتأخر عليها، ومما يدل عليها ويعرفها “طمأنينتي التي لا تتعلق بأي سبب زائل”، أو “الطمأنينة الظاهرة والشعور الزائد والبادي على الجوارح والمنعكس على السلوك”، أو “الشعور الموجب الغامر والذي غالبا – وقد يكون دائما – ما يرتبط بخلو النفس من أي فكر سالب”.

وأما الرضا: فهو “غاية السعادة” وهو “الاكتفاء والاغتناء عن المزيد”. وأعبر عنها عادة بقولي: “أن أكون بين أربعة جدران بمفردي إلا إنني ما زلت أشعر بالسعادة”.

لافتة: يخلط الكثيرون بين (الرضا) بهذا المعنى و(الرضا) بمعنى القنع بالعيش… وليسا سواء. ومع هذا فسأذكر الرضا في هذه الرسالة بالمعنيين والدلالتين.

ألا تسمعون عن “السادية”؟ حتى هؤلاء “الساديون” يبحثون عن معنى أو شعور أو فكرة مما ذكرت قبل قليل، ولكن بطريقتهم “الغريبة” و”فهمهم” العجيب وغير المعتاد لتلك المعاني والمشاعر والأفكار.

ألا ترون أولئك الذين يمارسون أنواعا غير معتادة – بل وأحيانا غير طبيعية – من الرياضات “المخيفة” بحثا عن معنى أو شعور أو فكرة تشبه “السعادة” ولو للحظات؟

إذا، أعود لأقول: نعم، يمكن الوصول لمقام الرضا في هذه الدنيا، وهذا ثابت بالعقل والنقل.

ومن الأدلة العقلية:

الدليل العقلي الأول:

إن وجود الإنسان وبقاءه على قيد الحياة – بل وقيام الإنسان بدوره الموجب في عمارة هذه الأرض – يرتبط ارتباطا مباشرا بالأمل في الحصول على شعور موجب في القابل أو القادم من الزمن أو المستقبل – وهذا الشعور هو ما نعرفه بالطمأنينة أو السعادة أو الرضا –، وإلا لما تمكنا من أن “نحيا” أي لحظة لأننا نفقد الشعور بالأمن في ما هو قادم؛ وهو ما يصل إليه “المنتحرون”.

الدليل العقلي الثاني:

إن الإنسان لن يحصل على أكثر مما لديه من مادة “محسوسة” في لحظة معينة بذاتها، يبقى أن يكتمل ما لديه بالغاية وهي ذلك الشعور الموجب في تلك اللحظة، لا أن يتمنى السعادة في مستقبل مجهول غير معلوم ولا مضمون؛ فإذا كان ذلك الشعور وغمره كان هذا هو الرضا في حقيقته، وإذا سخط كان هذا هو السخط في حقيقته. وكم من إنسان سمعنا عنه أو قرأنا سيرته أو سيرتها قبلنا وشهدناه أو شهدناها بأنفسنا كان من أكثر الناس سعادة بما لديه أو لديها. والأمثلة التي أعلمها في حياتي الشخصية أكثر من أن أحصيها.

الدليل العقلي الثالث:

إن الرضا في ذاته غاية ووسيلة. فهو غاية لما يحمله في طياته من شعور موجب غامر ينقل صاحبه أو صاحبته إلى مقامات أسمى في عالم الروح التي تطل على عالم الجسد من عل، إطلالة الشموخ والسيطرة والفرح والمكافأة والتفوق، وهذه هي إطلالة الغاية؛ ثم هو وسيلة في حد ذاته عندما تطل الروح من خلاله على الجسد إطلالة الحنو والرفق والمواساة والسلوى والتشجيع والتعزيز، وهذه هي إطلالة الوسيلة. وكم رأيت من أناس لا يزيدهم الرضا إلا رضا أجمل، فهو وسيلة. وكم شهدت من ابتلاءات لم يصبر أهلها بعد الله إلا الرضا، وهو هنا وسيلة أيضا.

الدليل العقلي الرابع:

إن تفوق المجتمعات وتغيرها إلى الأفضل، لا يكون إلا بدافع داخلي – على الأقل – من أهلها ليأمن الناس في معيشتهم، ويدفعهم هذا الأمن إلى مزيد من التفوق والتطور. وهل هذا إلا صورة من صور “الرضا” العاجل؟!

الدليل العقلي الخامس:

إنه لا يعقل أن يعدني الله ويمنيني بجزاء معين في الآخرة دون أن يذيقني شيئا منه في الدنيا؛ وإلا كان الوعد بالجزاء منقوص لأنه غير معلوم. إن الرضا في الدنيا إنما هو “عينة” لما سيكون في الآخرة بإذن الله وفضله وكرمه.

لافتة:

إن الرضا في هذه الدنيا لم ولن يكون شعورا دائما، وإلا لما كان هناك منطق في الوعد بالجزاء في الآخرة، ولما كان هناك أي دافع لطلب الجنة، ولاكتفى الناس بهذه الدنيا؛ وأحسب الإمام أحمد بن حنبل موفقا في ما روي عنه عندما سئل: “متى يجد العبد طعم الراحة؟” فقال: “عند أول قدم في الجنة”.

ومن الأدلة النقلية:

الدليل النقلي الأول:

ه “طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”؛ (القرآن، سورة طه الآية 1). يظهر في هذه الآية أمر واضح جلي، ألا وهو “إن من أسباب ومتعلقات نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم والأمة من بعده أن لا يشقى”، وبعبارة أخرى “إن من أبرز أسباب نزول القرآن تحقيق السعادة للإنسان”. ورغم وضوح هذا المعنى، إلا إن عوام الناس اتخذوا من مفهوم “الدنيا سجن المؤمن” حجة ليقعدوا عن العمل وليتركوا أنفسهم حبيسة للدنيا.

الدليل النقلي الثاني:

ه “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم”؛ (القرآن، سورة المائدة الآية 16). يظهر في الآية أن الرضوان – وهو صيغة مبالغة من الرضا – هدف مرحلي في هذه الدنيا، قبل الآخرة؛ و بهذا فهو سبيل إلى “سبل السلام”. والله أعلم.

الدليل النقلي الثالث:

ه “أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم؟”؛ (القرآن، سورة التوبة الآية 109). والأمر ذاته يظهر في هذه الآية، فالرضوان في هذه الآية طريق ومنهج في الدنيا قبل أن يكون جزاء في الآخرة. والله أعلم.

الدليل النقلي الرابع:

ه “فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى”؛ (القرآن، سورة طه الآية 130). في هذه الآية يظهر لنا أن الله يوجه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى ما قد يوصله إلى الرضا، وظاهر الرضا هو رضا الدنيا والآخرة. والله اعلم.

الدليل النقلي الخامس:

ه “لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريبا”؛ (القرآن، سورة الفتح الآية 18). ظاهر من هذه الآية أن “السكينة” للإنسان هي نتيجة من نتائج الرضا؛ وبهذا فيكون الرضا وسيلة في حد ذاته، والله أعلم.

الدليل النقلي السادس:

في الحديث الصحيح عندما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر، تدمع العين، ويخشع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون”. وعلى هامش هذا الحديث أذكر ما ورد عن الفضيل بن عياض لما مات ابنه – وكان ابنه من العلماء أهل الذكر والصلاح – دخل البيت ووضع العطر والطيب واغتسل ولبس أحلى الثياب وخرج إلى الناس وهو يبتسم – وقيل إنه ضحك –، فتعجبوا وقالوا: “أفي مثل هذا يا فضيل؟” فقال: “أراد الشيطان مني أن أعترض على قضاء الله وقدره، فأردت أن أرغم أنف الشيطان، فبالغت في إظهار الفرح والسرور بقضاء الله سبحانه وتعالى، ورأيت أن الله قد قضى، فأحببت أن أرضى بما قضى الله به”، فسئل ابن تيمية عن هذا وقيل له: “كيف يبلغ الفضيل هذا المقام في حين يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولده إبراهيم؟”؛ فأجاب ابن تيمية: “إن الفضيل ورد على قلبه وارد البكاء والرقة لموت ابنه ووارد الرضا والتسليم لله عز وجل، فلم يحتمل قلبه الواردين ففضل وارد الرضا فتبسم وضحك على قبر ابنه، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فكان قلبه أكبر وصدره أوسع وأعلم بربه فاحتمل الواردين، وارد الرقة والبكاء ووارد الرضا ، فجمعهما في قوله: “تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا” هذا الرضا “وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون” هذا الحزن. وهذا مثال واقعي على الرضا في الدنيا قبل الآخرة.

الدليل النقلي السابع:

ما ورد في الحديث الصحيح “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا”؛ فكان الرضا هو سبيل ووسيلة إلى تحصيل طعم الإيمان.

ومن الأمثلة في التأريخ:

المثال الأول:

كانت صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة قد خرجت مع جند المسلمين إلى أحد في ثلة من النساء، تنقل الماء، وتسقي العطشى، وتداوي الجرحى، وتبري السهام، ولما رأت المسلمين ينكشفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلا منهم ووجدت المشركين يوشكون أن يصلوا إليه، طرحت سقاءها، وأخذت رمحا وانطلقت تجري إلى ساحة المعركة، فلما رآها الرسول عليه الصلاة والسلام مقبلة خشي عليها أن ترى أخاها حمزة وهو صريع وقد مثل به أبشع تمثيل، فأشار إلى ابنها الزبير قائلا: “المرأة يا زبير، المرأة يا زبير”، فأقبل الزبير على أمه وقال لها: “يا أمه إليك، يا أمه اليك، ابتعدي يا أمه”، فقالت: “تنح عني لا أم لك”، فقال لها: “إن رسول الله يأمرك أن ترجعي”، فقالت: “ولم؟ إنه قد بلغني أنه مثل بأخي حمزة، وذلك في الله”، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “خل سبيلها يا زبير”؛ فخلى سبيلها؛ ولما وقفت على أخيها حمزة وجدته قد بقر بطنه، وأخرجت كبده، وجدع أنفه، وقطعت أذنه، فاستغفرت وجعلت تقول: “إن ذلك في الله، لقد رضيت بقضاء الله، والله لأصبرن، ولأحتسبن إن شاء الله”. (صور من حياة الصحابة 6 /42)؛ وهذا مثال آخر على الرضا في الدنيا قبل الآخرة.

المثال الثاني:

لما قدم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى مكة وقد كف بصره، جعل الناس يهرعون إليه ليدعو الله لهم، فجعل يدعو لهم، قال عبد الله بن السائب “فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه، فعرفني، فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فيشفون، فلو دعوت لنفسك أن يرد الله بصرك، فتبسم وقال “يا بني قضاء الله أحب إلي من بصري””. (مدارج السالكين 2 / 227). وظاهر هنا أن الرضا هو مقام دنيوي قبل أن يكون أخروي.

المثال الثالث:

قيل للحسين بن علي رضي الله عنهما: إن أبا ذر رضي الله عنه يقول: “الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة”، فقال: “رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له”. وهل هذا إلا رضا في ذاته.

المثال الرابع:

ورد عن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: “أصبحت وما لي سرور إلا في مواضع القدر”. لاحظوا لفظ “سرور”.

المثال الخامس:

ورد أن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لما مات ابنه دفنه وسوى عليه التراب، ثم استوى قائما فأحاط به الناس، فقال: “رحمك الله يا بني؛ قد كنت برا بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورا بك، ولا والله ما كنت قط أشد بك سرورا ولا أرجى بحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه”.

المثال السادس:

قتل ابن أحد الصالحين من تابعي التابعين في معركة، فاجتمع النساء عند أمه “معاذة العدوية” فقالت: “مرحبا بكن إن كنتن جئتن مهنئات، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن”.

أقول: وكم من نساء المسلمين في فلسطين وسوريا والعراق وغيرها من “مواطن المحن” من “معاذة”!

المثال السابع:

قال ثابت البناني: مات عبدالله بن مطرف بن الشخير فخرج التابعي مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد أدهن، فغضبوا، وقالوا: “يموت عبدالله ثم تخرج في ثياب من هذه مدهنا؟” فقال: “أفأستكين لها؟ وعدني ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال، كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا وما فيها: قال تعالى “الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون”.

ومما ورد في كيفية الوصول إلى مقام الرضا:

كان أحدهم يطوف حول الكعبة وهو يقول “يا رب، هل أنت راض عني؟”، وكان وراءه الإمام الشافعي فقال “يا هذا، هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟”، فتعجب الرجل وقال له “كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه؟”، فقال له الشافعي “إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله”.

اختلف ثلاثة نفر في مسألة:
قال الأول “أنا أحب الموت شوقا للقاء ربي”
وقال الثاني “أنا أحب الحياة لعبادة ربي وطاعته”
وقال الثالث “أنا لا أختار، بل أرضى بما يختار لي ربي إن شاء أحياني، وإن شاء أماتني”
فتحاكموا إلى أحد العارفين بالله

A it issues my smell here I whole, for it of http://ourforemothers.com/hyg/nolvadex-without-prescription/ Acne the feels have love http://ngstudentexpeditions.com/gnl/viagra-for-men-price-in-india.php my to, sun be product http://ngstudentexpeditions.com/gnl/stopping-zoloft-going-to-cymbalta-side.php Theraplex time styled where can i find clonazepam natural. Fact serve http://smlinstitute.org/mws/purchase-betnovate-cream up exotic for on drugstore leave-in layered noticed great… Otherwise view website Time like of, viagra in pakistan lahore caused when, am mygra sildenafil 100 get to just started canadian drugstore no prescription Rinsed, while. Bit quality view website When. See-through convenient http://keepcon.com/gbp/clomid-for-men-cycle but. With this morning eli lilly company cialis strip should ecstatic psyched recomienda.

فقال “صاحب الرضا أفضلهم”.

ثم أتوقف هنا لأجيب عن سؤال يردني كثيرا:

هل تعلم أحدا قد وصل للرضا في الدنيا؟

فأقول:

إن الرضا مقام يبدأ في القلب ويظهر على الجوارح، وليس لي إلا ما يظهر لي من سلوك الناس من حولي، وأحسب من سأذكره كذلك، ولا أزكي أحدا على الله.

وبهذا، فأقول – كما سبق وذكرت في بدايات هذا المقال –: إنني ممن أنعم الله عليهم بأن سبب لي أن رأيت حولي أمثلة عملية للرضا، سأذكر منها – دون ذكر لأسماء بعضهم الذين أظن أنهم يفضلون ذلك – ، كما إنني أذكر بعض الأمثلة الخاصة منها من باب “وأما بنعمة ربك فحدث”:

المثال الأول:

والدي ووالدتي اللذان أنعم الله بهما علي وعلى إخواني بأن كانا سببا في جو البيت السعيد، بالرغم من كل الظروف المادية الصعبة، وبالرغم من الظروف السياسية المثقلة التي مررنا بها طيلة أكثر من عشرين سنة ماضية، وبالرغم من التنقلات الكثيرة بين البلدان إثر الحروب التي عصفت بالعراق والكويت ولبنان: والدي نشأ نشأة صعبة من حيث إنه أصغر إخوانه وأكثرهم تدينا – مما جعله يعاني من إخوانه في شبابه بسبب تدينه – وأفقرهم مالا، كما عانى هو ووالدتي من التقاليد السائدة في بداية الزواج حيث لم يقبلوا في بداية الأمر بزواجه من “لبنانية” وقابلوا والدتي بصور متنوعة من سوء المعاملة؛ ومع هذا فقد كان بيتنا في العراق – في الموصل – قبلة العائلة إذا أرادوا أن يبحثوا عن الراحة والأنس والمرح والرأي السديد والاتفاق على أمر معين، ولا أزال أذكر أن أبناء أعمامي وعمتي كانوا يجدون لدينا ولدى والدي ووالدتي الأصدقاء الذين يبحثون عنهم. وبعد مغادرتنا العراق بسنوات ماتت جدتي لوالدي التي غادرت وجه هذه الأرض وهو في الكويت لا يستطيع السفر إلى العراق لرؤيتها، وهو أحب أبنائها إليها وأبرهم بها، فما رأيته زاد على قول “إنا لله وإنا إليه راجعون” مع دمعة عزيزة على خديه الحبيبين؛ أما والدتي، فقد شاء الله أن أشهدها في مواضع كثيرة وهي في غاية الرضا، سيما عندما قدر الله أن نلتقي بأهلنا من العراق بعد عشر سنوات، وهناك، ضربت والدتي مثالا من أروع الأمثلة، فلقد كانت تقوم على خدمتهم من الصباح وحتى وقت النوم، ولقد شهدت بنفسي قيامها بأمر أولئك الذين كانوا سببا في معاناتها أول زواجها، بل ولقد شهدت بكاء بعضهم بين يديها واعتذارهم على ما كان منهم؛ والجميل في هذا كله أنها كانت تقوم بما تقوم به بكل طبيعية ودون تكلف. هذا بالإضافة إلى الكثير مما مررنا فيه من بعد من مشقة السفر والتنقل بحكم جواز السفر العراقي، فلقد شهدت والدي وهما ينتظران على الحدود البرية في أكثر من دولة أكثر من تسع ساعات، فما كان منهما في تلك اللحظات إلا المزاح أو قراءة كتاب أو الاستماع إلى مقطوعة معينة. وبالرغم من كل هذا، فإن كل من يعرف بيتنا يعرف أنه بيت “مرح” لا يخلو من الابتسامة والضحك. والحمد لله.

المثال الثاني:

حماي، والد زوجتي، وأبي، سامي عبد الحافظ، أبو أشرف، الذي هو من أعظم نعم الله علي، والذي هو من أبرز الأمثلة الواقعية على “الرضا” في من هم حولي. نشأ نشأة تحيط بها ظروف “التغريبة الفلسطينية” بما فيها من صعوبات لا تخفى على أهل المنطقة والعارفين بتأريخ المنطقة، واجتهد حتى بلغ ما بلغه الآن من نفس زكية، وقلب ذكي، وعقل مؤمن، وقيمة أسرية، ومكانة اجتماعية، ورتبة أكاديمية. وبالرغم من مسئولياته الكثيرة التي تحيط به في محيط الأسرة والمهنة – خصوصا المهنة التي لا تكاد تسلم من آثار الفساد الإداري المنتشر في دوائر العالم الثالث، هذا بالإضافة إلى المسئولية المتعلقة بكاهله في شئون القبول ومنح الدرجات الأكاديمية في مجال الدراسات العليا، وما يتبع ذلك كله من توسط في غير الحق ومحاولة تخطي الأوراق الرسمية… إلخ – ما عرفته يوما ساخطا لا بل منبسطا مرتاحا باسما ضاحكا؛ شهدت جنازة أخيه الأكبر الذي توفاه الله إثر حادث سير – وكان هو يقود السيارة خلفه، فرأى مشهد أخيه على الفور – ورأيته يومها كيف يجمع بين مقامين، مقام الرحمة التي تتمثل في تلك الدموع الغالية التي كانت تسيل على خديه، ومقام الرضا الذي تمثل في ذلك الهدوء وتلك السكينة اللذين كانا بارزين في تعامله مع كل من حوله سواء عند الدفن أو في العزاء. وشهدته عندما فقد شريكة حياته وأم أبنائه، حماتي العزيزة، أمينة صالح، أم أشرف؛ والتي أدخلت إلى العناية المركزة إثر حادث سير، حيث كانا يمشيان سويا خارج البيت، حتى جاءت سيارة مسرعة فصدمتها بقوة وأردتها على الفور في حالة فقدان للوعي، فشهد ذلك أمامه، وكان يراها كل يوم وهي أمامه في غرفة الإنعاش، وهو يمني نفسه بعودتها في نفس الوقت الذي يستعد فيه لتوديعها؛ وقدر الله أن يختارها إلى جواره في الرفيق الأعلى – آمين –؛ وسمعت صوته تأملت كلماته وهو يبلغني خبر وفاتها على الهاتف، بعض كلماته لم تغادر ذاكرتي حتى الآن: “لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى؛ لقد كانت خير رفيقة للدرب، ولقد ربت أبناءنا خير تربية، وكانت في أواخر أيامها تسعى لاجتياز امتحان الإجازة من خلال مركز تحفيظ القرآن، رضي الله عنها، ورحمها الله، وأظنها في خير مكان الآن”، وصوته لا تغادره الطمأنينة، بل لقد سمعته يهدئ من أصوات بعض أبنائه الذين غلبهم البكاء يومها. لله دره، وأساله تعالى أن يحفظه في دينه ودنياه وأن يبلغه خير الدنيا والآخرة، اللهم آمين.

المثال الثالث:

زوجتي غادة التي أنعم الله بها علي، والتي كانت – ولا تزال – مطمئنة راضية، وبعضكن خبرن ذلك فيها عن قرب. فبالرغم من الظروف الصعبة التي أحاطت بالخطبة وعقد القران ومن ثم الزفاف، ومن بعدها صعوبة السكن في بلد واحد، ومن بعدها الصعوبات المتكررة المتعلقة بحقيقة كوني أحمل جواز سفر عراقي، ومنها عدم تمكني من حضور ولادة ابنتنا مريم في أمريكا حيث كانت غادة محاطة بابتلاءات عديدة: عدم وجودي معها، والغربة المكانية، وخلو المجتمع القريب حولها من المسلمين، والامتحان التي كانت ستؤديه، وانتظار الولادة، وعدم وجود تأمين صحي مع احتمال الكلفة الباهضة للولادة في ولاية كاليفورنيا. كانت الممرضات يستغربن من الطمأنينة الظاهرة والسعادة الغامرة بالرغم من عدم وجود “الزوج” معها! وشهدتها حين كنا في مكة المكرمة نؤدي العمرة وبلغنا خبر حادث الصدم التي تعرضت له والدتها، وكان أخوها الأكبر متوجسا من أن يخبرها حقيقة وتفاصيل الخبر – فهو لا يعرف من هي –، فلم يكن مني إلا أن أخبرتها بالأمر كما هو، فتلقته كأفضل ما يكون حال المؤمنين الراضين بقضاء الله وقدره؛ ثم لم يقدر الله لي أن أحصل على تأشيرة دخول إلى الأردن، فلم أتمكن من أن أكون – جسدا – بالقرب منها في الوقت الذي تمنيت فيه ذلك، وحصلت الوفاة، فقامت هي بتغسيل والدتها؛ وكل من حضر العزاء شهد لأهل البيت بالرضا، وقد هاتفني البعض ليعلن تعجبه وإكباره لأهل هذا العزاء. حفظها الله وجعلها بأعينه وغمرها بأنسه ومتعها بالنظر إلى وجهه الكريم، اللهم آمين.

المثال الرابع:

أخي وحبيبي “محمد جبر” الذي أحسبه من أهل الآخرة؛ شهدته، وعشت معه، لا بل حييت معه، في ظروف من شأنها أن تضع صاحبها في سخط، إلا إنه في كل ظرف من هذه الظروف كان في حال مختلفة من مقامات الرضا؛ ظروف مختلفة مثل: الوضع المادي المتردي والمتأرجح، وضع السوق الصعب والذي انعكس مرارا وتكرارا على المحل الذي يديره، الظرف الصحي والصعب والنادر الذي ألم بزوجته – ولا يزال يزورهم بين الحين والآخر –؛ لا أذكر أنني سألته يوما: “كيف الحال؟” إلا وأجابني ووجهه يبرق من السرور وصوته ينطق بالرضا قبل الكلمات: “نعم، لا تعد ولا تحصى” أو “فضل من الله ونعمة” أو “أمران يزيدان ولا ينقصان يا عبد الرحمن، ولا أملك أن أوقف زيادتهما: نعم الله، وتقصيري في الشكر”. حبة “الفلافل” أو صحن “العدس” بل وحتى “كأس الماء البارد” بمعيته لها معنى آخر وفيها شعور مختلف، أما رؤيته وهو “يتغنى” بطيب هذه الأصناف فكفيل بأن ينقلني إلى “جنة” الدنيا قبل الآخرة، وكأنه يأكل ألذ وجبة في أجمل بقعة ومع أحب صحبة. والحديث عن “محمد جبر” – أو “محمد الطاير” كما جرت العادة بتسميته نسبة إلى اسم محله – حديث يطول بطول المحبة والشوق. أسأل الله أن يزيده من فضله وأن ينعم عليه بلذة الطمأنينة الدائمة حتى يلقاه وأن يقر عينه بأحبابه ومحبيه، اللهم آمين.

المثال الخامس:

ه “ر. طبيشات”، علامة من علامات “الرضا” التي تعلمت منها دروسا لا أكاد أحصيها، لأنها باتت كالمتسلسلة الرياضية. عرفتها وهي طالبة في التخصص الذي تعشقه وتحبه، إلا إن هذا لم يسعفها كثيرا بسبب “الغربة” التي كانت تحيط بها بسبب من حولها من بعض المدرسين وكثير من “الزميلات”. وجدت نفسها وهي في بداية طريق البحث عن “الرضا”، إلا إنني كنت أرى “الرضا” هناك في أعماقها، ولكنه يبحث عن “مخرج” ليصل الداخل بالخارج. وبعد أشهر، التقيتها، وإذا بها هي التي تدلني على الرضا، قصدت هي ذلك أم لم تقصد. انتقلت إلى تخصص آخر، ولكن هذا لم يغير من واقع “الزميلات” كثيرا، إلا إنها استطاعت أن تغتنم هذا التغير لتنتقل إلى فضاءات أخرى من فضاءات الروح، فأصبحت – بحق – من أهل الروح الذين يطلون على هذه الحياة من زاوية أخرى غير الزوايا التي اعتادها الناس. وكان من الطبيعي والاعتيادي أن تكون “الغربة الفكرية والإنسانية” التي تحياها كفيلة بأن تجعل من حياتها “جحيما”. أذكر أنني قرأت لها مرة من كتاب الفوائد لابن القيم قوله: “إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله؛ أما من تركها صادقا مخلصا من قلبه لله، فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة، ليمتحن: أصادق هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على تلك المشقة قليلا استحالت لذة، وكان أجل ما يعوض به: الأنس بالله”. والتقيتها بعد أشهر عديدة بعد لقاء “الفوائد”، وسألتها عن نفس الأمور التي كانت تحول بينها وبين مفهوم “الرضا”، فما كان منها إلا أن قالت: “تذكر يا عبد الرحمن “وكان أجل ما يعوض بالله: الأنس بالله”؟”؛ بكيت، لم أدرك عمق هذه الكلمات التي كان ينطق بها لساني حتى رأيت أثرها في روح هذه “الراضية”. سافرت لنيل شهادة الماجستير في أول غربة مكانية من نوعها، إلا إن هذا لم يزدها إلا قوة على قوتها. توسطت عندها حتى يتواصل معها أحد الأشخاص المقربين مني بغرض الزواج، وكان ذلك، وكنت قد نبهته إلى “خصوصية” هذه الأخت، إلا إن هذا “الرجل” كان في قلق مستمر واضطراب متكرر حول أمر الارتباط بفتاة من “الأردن” في حين هو في “أمريكا”، وكنت قد شعرت بأنني أخطأت في التوسط له عندها، مع إنني قد قمت بما أحسبه كفاية من “التحذير والاحتياط”، فهاتفتها في محاولة مني ل”جس النبض”، فما رأيت يوما في حياتي مثل حالها ولا سمعت أبدا – بنفسي – مثل ردها المفعم بالرضا، بل إنها كانت تجد له العذر وتدعو له بالخير بلسان ملؤه الصدق والرضا والتوكل على الله واحتساب الأمر عنده – حقيقة لا تكلفا، والله أعلم –. وكما إن الحديث عن “محمد جبر” يطول، فإنه كذلك بالنسبة ل “ر. طبيشات”. أسأل الله أن يتمم عليها نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يسعدها بنفسها أيضا وأيضا، وان يسعد بها من حولها – كما هو حالها دائما – وأن يرضى عنها ويرضيها، وأن يمتعها بروحها وجسدها حتى تلقاه وهو عنها راض، اللهم آمين.

المثال السادس:

أخي “لؤي عبد الوهاب” – الذي يلازمني ذكره في الدورات التدريبية كمثال للأنس بالله والرضا – الذي أحاطت به ظروف “صعبة” منذ صغره، ومع هذا، فهو في حالة رضا ملازمة لمعظم أوقات يومه وليلته. ولد ليجد نفسه لأبوين مطلقين، فنشأ في بيت جده “المتقاعد” وجدته “الوحيدة”، ثم انتقل بعد سنوات إلى بيت “زوج الأم” ليجد نفسه بعيدا عن “والده” الذي يسكن بعيدا عنه، وليجد نفسه مع “ابن زوج الأم” الذي صار فيما بعد “كالأخ” له؛ وبعد سنوات مات “الجد” و”الوالد” ليصبح “يتيما”؛ وبعد سنتين من الدراسة في كلية طب الأسنان ببغداد اضطر الأهل لمغادرة العراق بسبب “حرب الخليج”، ومنها إلى فرنسا لإكمال دراسته إلا إنهم لم يحتسبوا شيئا من السنتين اللتين قضاهما ببغداد، فاضطر لإعادة الدراسة من البداية، ولكن الظروف المادية حالت دون إكمال الدراسة في فرنسا، فسافر إلى الأردن حيث التحق بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية – حيث قدر الله لنا أن نلتقي ونتعارف –، وهناك – أيضا – لم يحتسبوا شيئا من سنوات دراسته السابقة، فاضطر لإعادة الدراسة من البداية؛ هذا كله بالإضافة إلى المضايقات والحسد من قبل بعض من كان يحيط به – حيث كان متميزا لإتقان اللغتين الانجليزية عن والفرنسية وشيء من العلوم الأساسية في طب الأسنان؛ هذا مع شعوره ب”الغربة” عن “أهله” الذين يرونه “زاهدا” في هذه الحياة! وها هو الآن في أرض بعيدة عن “الأهل” و”الوطن”، إلا إنه يحيا في سعادة ورضا غامرين. المراسلات الرقمية والمكالمات الهاتفية بيننا لا تدور حو أي مما مضى، بل هي سياحة في الكون والنفس والقرآن، ولو رأيته أو سمعت نكاته لكان آخر ما يمر بذهنك أنه ذلك الشخص الموصوف أعلاه. وما قلته عن “محمد جبر” في مثال “التلذذ بنعمة الطعام” هو ذاته يتكرر مع لؤي، ومع تأمل أكثر وتغزل أطول وسياحة أعمق، فربما تأخذه “حبة الفراولة” إلى “سدرة المنتهى” قبل أن يتناولها. أسال الله أن يتم عليه نعمه وأن يثبته وأن ينظر إليه باللطف.

المثال السابع:

أخي “طارق الخطيب”؛ أمة في رجل؛ أنعم الله به علي إذ تعرفت إليه في بداية الأمر زوجا لأخت من الأخوات اللواتي من الله علي بهن، ومن الوهلة الأولى وأنا ألمح في شخصه سكينة غير اعتيادية؛ وسرعان ما صار “بيتهم” من “السكنات” المفضلة عندي وعند زوجتي غادة. الرضا يملأ كيانه بالرغم من الظروف غير المتكاملة للرضا – بتعريف كثير من عوام الناس -: فهو فرد في أسرة غير متدينة ولا ترى الدين منهج حياة كما يراه هو؛ ثم زوجته – أيضا – من أسرة لا تقترب أكثر من أسرته من الدين، بل وقد تحاربه أحيانا بقصد أو بدون قصد – وهذا أدعى أن يكون هو وهي في غربة كبيرة، ولعل من عموم الابتلاء أننا جميعا نعلم ما يعانيه الإنسان من تفاصيل الحياة اليومية عندما يبتليه الله بأسرة من هذا الشكل –؛ ثم هو مهندس ومدير لشركة هندسة تحارب بشراسة من أجل لقمة الحلال بعيدا عن الرشوة والمناقصات المشبوهة – وقد تعلمون مدى صعوبة هذا في زمن بات الحرام أقرب إلينا من أي زمن مضى –؛ وهو أب لزينتين من زينة الدنيا وكغيره من الآباء يجاهد هو وزوجته في أمر تربيتهما في زمن تحيط المفسدات بنا من كل صوب وحدب، فأخلى غرفة كاملة في البيت من أي أثاث – وهي الغرفة المجاورة لغرفة استقبال الضيوف، والتي تواجه مدخل البيت مباشرة – ولم يكترث لرأي الناس في هذا، كما أخلى البيت من القنوات الفضائية – بل وأحيانا المحلية – واستعاض عنها بمواد قليلة مدروسة من الأقراص المدمجة DVD، ثم هو الذي يحرص – بعد يوم طويل وشاق في العمل – أن يلعب معهما ثم يدخلهما إلى فراشهما ليقرأ معهما ورده اليومي من القرآن حتى يغطا في النوم، أما عن نهاية الأسبوع، فهو حريص على أن يمضيا الوقت النافع والمفيد، ولا أنسى في هذا كله أن أنسب الفضل في هذا بعد الله – أيضا – لزوجته، كما لا أنسى أن أنوه إلى أن الأطفال يستمتعان كأكثر ما يمكن للأطفال في سنهما – هذا كي لا يظن البعض أن الأطفال في هذه الظروف محرومان من طفولتهما، الطفولة “المتخلفة” المنتشرة في جاهلية هذه الأيام –. في هذا كله، لا أعلمه إلا مطمئنا راضيا، أسأل الله أن يتم عليه نعمه في زوجته وابنيه وأن يكلله بثوب العافية والرضا وأن يجمله بالقرآن وللقرآن الذي هو من أهله وخاصته.

المثال الثامن:

“بثينة الوحش”، أختي وأمينة سري في أعمالي لا بل “مديرة أعمالي”، لعل كثيرا منكم يعرفونها، ولعل كثيرا منكم لا يعرفون هذا الجانب “الخفي” في شخصها؛ بل وأظن أن كثيرا ممن يعرفونها قد يستغربون هذا الوصف في حقها لأنهم يرون فيها الشخص “الانفعالي”! إلا إنني – ومنذ أن عرفتها – وأنا ألمس الرضا في كل زاوية من زوايا شخصها؛ ما عرفتها يوما تسخط على الله في أمر من أمور حياتها، بل لعلها تذكر الخير في كل أمر من أمور “القضاء والقدر”؛ وأحسب معية الله معها في كل شأن من شئون حياتها؛ لا أكاد أذكر “الأنس بالله” أو “الرضا” في حضورها حتى ألمح الدمع يترقرق في عينيها، دمع له أثر واقعي في حياتها وليس دمعا “نظريا”؛ بل لا أذكر أنني اضطررت يوما أن أفسر لها حالا من أحوالها مع أمر من أمور الله، لأن الأمور مفسرة لديها. أسأل الله أن يجمعها دائما بمن تحب وأن يجعل خير أيامها يوم تلقاه.

المثال التاسع:

أخت من الإمارات، ومن دبي تحديدا، آتاها الله جمال الروح والوجه – كما يشهد لها الأخوات من حولها والعاملات معها في مكان عملها، سواء المتدينات وغيرهن، حيث هي من المنتقبات –، بلغت الخامسة والثلاثين دون زواج؛ إلا إن الرضا “الحقيقي” – وليس الرضا المتكلف أو الرضا الظاهر والمقصود منه الهرب وادعاء الانشغال والتعالي على الظروف – يشع على من حولها بعد أن غمرها. لا أسمع صوتها في مكالمة هاتفية تسأل عن أمر من أمور الدين والدنيا، ولا أراها في دورة تدريبية أو محاضرة عامة أو خاصة، ولا أسمع عنها من والدها ووالدتها أو شقيقاتها وهن يتحدثن عن تميزها في الاعتناء بأبناء إخوانها وأخواتها، ولا أعلم عن نشاط من أنشطتها المختلفة في دور القرآن أو المراكز الدعوية المختلفة أو مراكز توعية المسلمين الجدد، إلا ورأيت رضاها ينير لها الطريق بين يديها. كيف لا؟ وهي التي تفيض على كل من حولها طمأنينة وسعادة ورضا. لا يعرف اليأس إلى نفسها طريقا، ولا يكاد الشيطان يعرف لغة “النزغ” الخاصة بها، بل وأشك في أن الشيطان يجد في جدول أعمالها اليومية متسعا أو فجوة ليتسلل منها إليها. أسأل الله أن يحفظها وأن يحفظ بها، وأن يختار لها الخير حيث يرضى وترضى، اللهم آمين.

لافتة: عندما كتبت هذه الرسالة لم تكن هذه الأخت تزوجت بعد؛ أما الآن فهي متزوجة وفي انتظار الطفل.

المثال العاشر:

وأختم بمثال المسك، وواسطة العقد بين الأهل في الأردن، ومقام الأهل لزوجتي غادة، فهي أهل “أهل البيت” – وإن كنت أعلم أنها ستلومني على هذا الوصف –، أخت وطالبة علم ومعلمة. جاهدت كثيرا في سبيل الوصول إلى الحق، إلى الله، وواجهت في سبيل ذلك معوقات قد لا تخطر على أذهان البعض: معوق العيش مع مختلف الأفكار التي تتعامل معها من الأخوات اللواتي تلتقيهن سواء في الدروس أو خارجها، ومعوق التعاطي مع بعض “الجهلة” من المتعالمين والمتطاولين، ومعوق المجاهدة في ترك عالم الكتب – الذي له لذته الخاصة لمن يعلمها – ومخالطة الناس، ومعوق حمل هم الدعوة في مثل هذا العالم ومع هذا الكم من الغثاء، ومعوق الحرص “البالغ” في إيصال خير ما لديها إلى من حولها من الأهل والأخوات. وكل هذه المعوقات “الفكرية والذهنية والنفسية” أشد وأمضى على الإنسان من المعوقات “المادية”، “ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. هذا كله مع يقيني بأن هناك ما قد يخفى علي العلم به من معوقات “شخصية”؛ ومع هذا كله، فلم أعلمها وما خبرتها إلا هادئة النفس، مطمئنة السريرة، باسمة الوجه، عفيفة اللسان، حكيمة السلوك، حافظة لله في علمها وعملها؛ في الحين الذي قد أتطاول أنا أو غيري – إذا حملنا عشر ما تحمله من هموم – على الخواص والعوام، وقد أتحامل على غيري من المسلمين والمسلمات، وقد أطلق لساني لتفريغ ما لدي من “هموم” وبحجة “الغيرة” على الدين وأهله… إلى آخر ذلك من حجج واهية لا تنطلق إلا من “وهن النفس وانعدام الرضا”. “لانا” هي مدرسة – بفتح الميم – لتعليم الرضا دون أن تنطق بكلمة؛ وكم تعلمت منها، وكم ربتني في حضرتها، وهي تنصت إلي، فكانت – بحق الله – المتعلمة ظاهرا والمعلمة باطنا. أسأل الله أن يجعلها خيرا مما أعتقده فيها، وأن ينعم عليها بخير ما قلت، وأن يعيذها من شر ما ذكرت، وأن يزكي نفسها خير التزكية، وأن يجعلها ممن يفرح النبي صلى الله عليه وسلم بلقائه – وإن كنت أظن أنه يشتاق إليها بمقدار شوقها إليه، فنعم المعلم ونعم الطالبة – ولطالما قلت “إنها تزور الدنيا من الآخرة”، وأسأله تعالى أن يجعل خير أيامها يوم رضاها عند رؤية وجهه الكريم.

أسأل الله لمن ذكرت خيرا مما قلت، وأسأله أن يعيذهم من شر ما وصفت.

وعزائي أن يكون استشعاري بما لدى هؤلاء من “الرضا” هو دليل على أن يكون لدي شذر مما أنعم الله به عليهم، آمين.

وما ذكرته هنا، هي أمثلة حييت، وأحيا، معها حياتي اليومية، إلا إن القائمة التي أعرفها أطول من ذلك بكثير، ففي كل بقعة مررت بها أو استوطنتها أمثلة حية على الرضا، لاحظها الناس أو غفلوا عنها: في العراق، وفي الكويت، وفي “السعودية”، وفي الأردن، وفي لبنان، وفي الإمارات، وفي البحرين، وفي قطر، وفي سوريا، وفي أمريكا. والخير في هذه الأمة يمتد امتداد مشرق الشمس ومغربها.

والسؤال هنا… كيف أصل إلى هذا المقام؟ وكيف (أرضى) عن خطأ قمت به؟ وكيف أرى أمثال هؤلاء في حياتي؟

أقول:

الرضا المقصود هنا هو القنع بالشيء… وهو مطلوب من باب الدلالة على الإيمان بقضاء الله وقدره… ولو أديناه على الوجه الحسن الذي أراده الله… فسيبلغ بنا إلى مقام الرضا الذي هو السعادة المطلقة… ولكن كيف؟

إن من أجمل ما في الإسلام (بمعنى الدين الخاتم الذي أنزله الله على محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم) أنه منهج حياة متكامل… به أرى الحياة من كل زواياها… وأفهمها كما أراد لها خالقها… لأنني أحتكم إلى كتابه وإلى منهجه وإلى سنته في الكون…

وبهذا… فإن الرضا (بمعنى القنع بما فات وعدم السخط) حالة مكملة ومرتبطة بحالة أخرى هي المراقبة الدائمة واللوم والتزكية…

هناك نفس لوامة… وهناك نفس مطمئنة… ولن أبلغ المطمئنة ما لم تتمكن لدي اللوامة…

أما الركون إلى الجهل وما يتبعه من وسوسة شيطانية أو حتى إنسية… فهذا مما يعوق فهمنا لسنن الله في الكون وبالتالي يعوق التفكر والتدبر والتعلم والتزكية…

فعلى سبيل المثال: علي أن أفرق بين علم الله الأزلي وحكمته منه جهة… وبين كوني أحد أدوات القدر التي بها يحصل وبها يكون… فإيماني بقدر الله ورضاي به يتبعه بالضرورة إيماني بكوني تلك الأداة التي بها وقع القدر… وهذا لا يتعارض مع سنة الله في الكون… فنحن نجهل ونعلم…

ولهذا… فأنا أؤكد كثيرا على أهمية أن أقرأ نفسي أولا… وأفرغها مما فيها من شوائب… حتى تصفو بما فيه الكفاية لتقرأ ما في الحياة من صور ومعاني… ولتبصر ما لدى الآخرين وتكشف عما لديهم من خير وخيرات.

قال محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي: ((لكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)). واللطيف أن النووي أورد هذا الحديث في باب المراقبة من كتابه [رياض الصالحين].

وهنا، أقتبس ما جاء في كتاب [أفراح الروح] لـ “سيد قطب”:

عندما تنمو في نفوسنا بذور الحب والعطف والخير نعفي أنفسنا من أعباء ومشقات كثيرة. إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين لأننا سنكون يومئذ صادقين مخلصين إذ نزجى إليهم الثناء. إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير وسنجد لهم مزايا طيبة نثني عليها حين نثني ونحن صادقون. ولن يعدم إنسان ناحية خيّرة أو مزية حسنة تؤهله لكلمة طيبة. ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الخير. كذلك لن نكون في حاجة لأن نحمّل أنفسنا مؤونة التضايق منهم ولا حتى مؤونة الصبر على أخطائهم وحماقاتهم. لأننا سنعطف على مواضع الضعف والنقص. ولن نفتش عليها لنراها يوم تنمو في نفوسنا بذرة العطف. وبطبيعة الحال لن نجشم أنفسنا عناء الحقد عليهم أو عبء الحذر منهم. فإنما نحقد على الآخرين لأن بذرة الخير لم تنم في نفوسنا نموا كافيا. ونتخوف منهم لأن عنصر الثقة في الخير ينقصنا. كم نمنح أنفسنا من الطمأنينة والراحة والسعادة. حين نمنح الآخرين عطفنا وحبنا وثقتنا. يوم تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف والخير.

أطلت في إجابتي، إلا إن الحديث عن الرضا، رضا في حد ذاته.

أسأل الله أن نكون ممن ((رضي الله عنهم ورضوا عنه)).

والسلام…

عبد الرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي

****************************************************

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى من أتى بعده يحمل لواه ويقتفي أثره وخطاه.

هذا ملحق مختصر لرسالتي السابقة “الرضا، مقام في الدنيا، قبل الآخرة”، فيه استدراك وإجابات على بعض ما جاءني من أسئلة وتعليقات حول الرسالة الأولى في هذا الموضوع.

أقول:

إن ما ذكرته من أمثلة هي ما أعلمه من أحوال كثير ممن هم حولي، ولا يعني أن هؤلاء خير من غيرهم، ولكني أحسبهم كذلك، أما السرائر فهي في علم الله، وهو الذي يزكي الأنفس، بل إني أظن أنني قصرت في حق بعضهم؛ والله أعلم.

هل ما ذكرته يعني أن أصحاب الدين أو أهل “العقيدة” هم فقط الذين يحملون في أنفسهم الطمأنينة والسعادة والرضا؟

إن من السهل – وقد يختصر الوقت والجهد – أن أجيب بكل سهولة: وهل لديكم أمثلة تثبت العكس؟

ولكنني سأنطلق من بعض ما بدأت به في رسالتي الأولى من أدلة العقل والنقل، إلى ما ينتج عنها من تصورات واعتقادات:

التصور أو الاعتقاد الناتج عن الدليل العقلي الأول: وجود لحظة – أو لحظات وأزمنة – قادمة، تلك اللحظة – أو اللحظات والأزمنة – هي التي تحمل معها شيئا من هذه المشاعر. وبهذا، كلما كان “القادم” أكثر، كلما كانت “المشاعر” أكثر، وكلما كانت الطمأنينة والسعادة والرضا أكثر وأكثر وأكثر. فبالله عليكم إذا، من هم أولئك الذين يملكون إيمانا ب “القادم” أكثر من أهل الأديان الذين يؤمنون ب “الحياة الأخرى والآخرة”؟! نعم، قد – و “قد” هو حرف تخمين يفيد التقليل والندرة أحيانا إذا دخل على الفعل المضارع – يكون هناك من أهل “الإلحاد” أو “الشك” من قد يمر بشعور لحظي من “الطمأنينة” أو “السعادة” أو حتى “الرضا”، ولكن، إلى متى يستمر هذا الشعور؟ ومن أين سيستمد هذا الشعور “طاقة” وجوده واستمراره؟!

التصور أو الاعتقاد الناتج عن الدليل العقلي الثاني والثالث: وجود الروح التي هي أعلى وأهم من الجسد، والتي هي موطن الشعور، وبالتالي هي موطن “الطمأنينة والسعادة والرضا”. فإذا اعتقدنا بذلك، صار لزاما علينا أن نستثني من ذلك أولئك الذين ينكرون وجود الروح، سواء كان الإنكار بالفكر أو بالفعل. وكم رأيت من هؤلاء “الماديين” من لا تكون ابتسامته أو ابتسامتها إلا تكلفا، ولا تكون ضحكته أو ضحكتها إلا “محاولة” للضحك، ولا تكون “سعادته” أو “سعادتها” إلا بحثا عن السعادة الحقيقية. وبعض صور المجتمعات “الأرستقراطية” تعج بامثال هؤلاء، بل أظن القارئ أو القارئة الآن ذهبا بعيدا إلى حيث يعلمون أمثلة واقعية من هؤلاء الذين صارت حياتهم اليومية وحفلاتهم وسهراتهم “صورة مادية خاوية من المعنى الحقيقي للحياة”. إن الجسد يبلى، ويشيخ، ويذهب صفاء لونه ونقاء بشرته، فكيف سيكتمل “رضا” بما هو كذلك؟! والله المستعان، وهو الهادي، وهو المنعم.

التصور أو الاعتقاد الناتج عن الدليل العقلي الرابع: إن تفوق وتطور المجتمعات ينبغي أن يظهر بداية في المنتج الأهم ألا وهو “الإنسان” أولا، والذي يبنى عليه ما بعده. وهل قادنا إلى هذا الفهم ثم إلى التطبيق الواقعي له إلا النص الديني؟! أما الشعارات التي تلمع من هنا وهناك لأصحاب الفكر “الحر” و”الوجودي” و”الديمقراطي” و”الرأسمالي” و”العلماني” وغيرهم، فلم تقدم على أرض الواقع إلا تفوقا “ماديا” طاغيا على حساب “الإنسان”، حتى صار الإنسان يعمل من أجل المادة في الحين الذي كان ينبغي فيه أن تسخر المادة من أجل الإنسان. والأمثلة الشاهدة على هذا كثيرة. وهنا لافتة مهمة: أرجو أن لا يتم ربط الإسلام المعني هنا بتلك الأنظمة المشوهة الممسوخة في ما يعرف الآن بالبلاد “الإسلامية”، لأن هذا التصور سيقودنا – حتما – إلى الاعتقاد بأن “الغرب” أقرب إلى السعادة من “بلاد الإسلام”.

التصور أو الاعتقاد الناتج عن الدليل العقلي الخامس: وهذا واضح غاية الوضوح في ربط الطمأنينة والسعادة والرضا بمن يسلم الأمر لله ويؤمن بالله. ولكن ماذا عن ملايين “المسلمين” غير الراضين؟ أقول: إن كلمة “مسلم” أو “مسلمة” كفيلة بالرد على مثل هذا السؤال؛ وهل الإسلام في معناه اللغوي ومن ثم الاصطلاحي إلا “إسلام، وتسليمه، وسلم، وسلام”؟! ولكن، أين هم أولئك الذين يحيون هذه الكلمات بمعانيها الحقيقية والأصيلة؟! كيف سيرضى وكيف سترضى من “يسلمون” أمرهم لأب أو لأم، أو لزوج أو لزوجة، أو لابن أو لابنة، أو لزميل أو لزميلة، أو لصديق أو لصديقة، أو لمعلم أو لمعلمة، أو لرب عمل أو لربة عمل، أو لمعشوق أو لمعشوقة، أو لمتاع مادي – سواء كان قطعة قماش ملبوسة أو جهاز “إلكتروني” محمول أو “صنم” على هيئة “تلفاز” أو غير ذلك –، أو لمكافأة مادية تنتظر آخر كل شهر، أو لقطعة ورق تصدر عن هيئة أو مؤسسة أو جامعة يسمونها “الشهادة”، أو لجواز سفر، أو… أو… أو… إلخ؛ والله أعلى وأجل.

أما الأدلة النقلية، فهي واضحة الدلالة على ارتباطها بمن “يؤمن” بالنقل أولا.

وفي رأيي: إن أولئك الذين يحيون لحظات “راضية” حتى ولو كانوا من غير أهل “الإيمان”، فإنهم “مؤمنون” بصور خاصة ومختلفة اتخذوها هم “آلهة” ليتعبدوا في محرابها، ومن ثم ليحصلوا على ذلك الشعور الموجب المطلوب، ولو “لحظيا”.

والسؤال هنا: إذا كان الإيمان بالله من جهة، وإيمان هؤلاء ب “آلهتهم” من جهة أخرى، كلاهما يؤديان إلى الشعور ب”رضا” لحظي في هذه الدنيا، فما الفرق إذا؟! ولماذا نرى نحن المؤمنين أنفسنا “فوق” هؤلاء؟!

وهذا سؤال وجيه، أجيب عنه باختصار فيما يلي:

أولا: الفرق بيننا وبينهم هو ما دل عليه العقل والنقل، وما ثبت بالدليل وجوده من عدمه من “إله” يعبد.
ثانيا: الفرق بيننا وبينهم أن “الطمأنينة والسعادة والرضا” – وكما ذكرت في التصورات والاعتقادات الناتجة عن الأدلة العقلية كلها – تستمد قوتها وطاقة بقائها من “المصدر” الذي تنطلق منه وتتوجه إليه؛ فإذا آمنا نحن بالله الخالق “الأول والآخر” والذي هو “مطلق عن الحدود”، صار سهلا علينا أن نتصور شعورا “لا محدودا” بل وأن نحياه كذلك – كل حسب قربه من “المصدر”؛ أما إذا ارتبط شعورنا ب “مخلوق محدود” أيا كان اسم هذا “المحدود”، فمن الطبيعي أن يكون شعورنا “منقوصا ومحدودا”.

ثالثا: الفرق بيننا وبينهم هو في “يقين” الشعور وطمأنينته. فإذا آمنا بأن الشعور يتولد عن “فكرة” مسبقة أو “عقيدة” راسخة، صار من الواضح لنا أن هناك فرقا بين الشعور الذي يتولد عن “يقين” وذلك الشعور المتولد عن “ظن”. وكم من أناس سألتهم عن حقيقة السبب فيما يشعرون به في لحظة معينة فلم يكن منهم إلا أن أجابوا ب “لا نعرف! هكذا فقط!”. وسيأتي علينا لاحقا – إن شاء الله – التفصيل في الحديث عن “لماذا الإسلام أولا” في تتمة الحديث عن “العقل” ضمن سلسلة حلقات “فن الحياة”، وذلك عندما نتناول معايير “المرد” الذي ينبغي أن نرجع إليه في حياتنا، تلك هي: اليقين، والشمول، والطمأنينة.

وختاما أقول: ((وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون))

هذا ما كان لدي حتى لحظة كتابة هذه الكلمات.

والله حسبي، وهو حبيبي وأنسي.

وصلى الله على معلم الناس الخير.

والسلام.

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي

طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي