قبسات من هراء التنمية البشرية؛ لـ سعد لطفي

قبسات من هراء التنمية البشرية
سعد لطفي

إذا كانت هناك مهنة قد حقق العرب منها خاصية الاكتفاء الذاتي، فبالتأكيد ستكون هذه المهنة هي (مدرب تنمية بشرية)

كل ما عليك فعله فقط هو قراءة كتاب أو اثنين (من سلسلة الكتب الأكثر مبيعا) ثم مشاهدة مجموعة من الفيديوهات، وترتيب كلمات بنظام معين من أجل أن تصبح بائعا للكلمات الجيدة
أو بوصف آخر: من أجل أن تصبح مدربا في مجال التنمية البشرية

قبل أن تبدأ بالهجوم اللاذع، دعني أولا أوضح من خلال هذا المقال أنني على يقين تام أن هناك العديد من المهارات التي يمكن تعلمها في مختلف المجالات مثل تنمية مهارات التواصل، أو طرق العرض الفعال، أو التسويق الجيد، أو كيفية إدارة الأعمال
كل هذه أمور يمكن تعلمها على يد مدربين، لكن على ما يبدو أن الجميع يتجاهل ذكر كلمة (المتخصصين) ويكتفي بذكر كلمة (مدربين) !!!

إذا كنت تود معرفة المزيد عن التسويق، إذا عليك التعلم من خبير في هذا الأمر
إذا كنت تودّ دراسة التخطيط الجيد، فهناك العديد من مسؤولي التخطيط في أفضل الشركات يمكنك التعلم منهم

أما أن تتعلم كل شيء من أشخاص ليسوا بارعين، سوى في ارتداء البدل الأنيقة واستخدام الكلمات المرتبة، فهذا هو الهُراء بذاته

لن أخوض طويلا في التحدث عن التنمية البشرية
بل كل ما سأتحدث عنه هو المظاهر الغريبة التي تراها مجتمعة عند أغلب المدربين في الوطن العربي
والتي ليس لها أي دلالة مفهومة أو أي دليل يثبت صحتها

أولا) البدلات الأنيقة

حسنا، إذا كانت هذه الدورات المزعومة والكلمات المعسولة موجهة الى الشباب في أغلب الأحوال
فما الحاجة الى ارتداء البدل أثناء العرض ؟!
لم لا يصبح المدرب مثل الشباب ويرتدي (الكاجيوال) كمثال ؟!

بدلات أنيقة، وابتسامات مستفزة، ولغة جسد تشعرك كأنك في خضم عرض مسرحي المقصد الوحيد منه هو إحساس الجمهور بمدى تفاهة عقولهم

ثانيا) الشهادات المزيفة

من هذا العبقري الذي يستطيع جمع هذا العدد من الشهادات التي تراها في السير الذاتية لهؤلاء المدربين بالرغم من صغر أعمارهم ؟!
بالطبع هذا غير ممكن، إلا إذا كانت هذه الشهادات مزيفة

إذا لم تكن مقتنعا بهذا الأمر، فحاول البحث عن أصل هذه الشهادات
بالتأكيد لن تجد الوقت الكافي لذلك!

ولكن إذا كنت مصرا على هذا الأمر، فكل ما عليك فعله هو ارسال (إيميل) إلى الجامعات التي حصل منها صديقنا المدرب على شهاداته، وستقوم هذه الجامعات بدورها بالرد على كافة استفساراتك

أقول (عبدالرحمن): هذا إذا كانت الجامعات حقيقية ومعروفة وأكاديمية معترف بها أصلا، أما إذا كانت من الجامعات التي تمنح الشهادات من خلال تحويل مبلغ معين ثم إرسال الشهادة (أون لاين)، فهذه يمكن كشفها وأنت تجلس أمام الإنترنت.

ثالثا) صورة إبراهيم الفقي

هذا الأمر هو الأغرب على الإطلاق بين مدربي التنمية البشرية !!!
إذا كنت واثقا في نفسك وفي المحتوى الذى تقوم بتقديمه، إذن ما الحاجة لوضع صورة ابراهيم الفقي في خلفية (البوستر) الخاص بالدورة التي تقدمها ؟!

ربما نتفق أو نختلف حول شخصية ابراهيم الفقي، إلا أننا لا ننسى أنه بالفعل قد ترك أثر إيجابيا في العديد من الشباب
وهذا ما جعله واحدا من أفضل وأشهر المدربين على الإطلاق
إلا أن هذا أيضا ليس مبررا من أجل استخدام صورته في كل دورة يتم انتاجها في مجال التنمية البشرية!

كذلك الإدعاء بأنك كنت واحدا من (تلاميذ) أو مساعدي إبراهيم الفقي، لن يضيف الثقة إليك!
وحسب الإحصائيات غير الرسمية الأخيرة، فإن نسبة 83 % من مدربيّ التنمية البشرية كانوا معاونين ومساعدين ابراهيم الفقي في مرحلة ما من مراحل حياتهم !!!

لافتة: مصدر الإحصائية هو نفس مصدر الشهادات التي حصل عليها هؤلاء المدربون

أقول (عبدالرحمن): أضيف إلى هذا اعتناء هؤلاء بالشهادات الموقعة من قبل إبراهيم الفقي (رحمه الله وغفر له) مع أن الرجل مات !!! حتى لقد عقدت دورة تدريبية قبل شهور في عمان (2014) ووزعت شهادات عليها توقيع إبراهيم الفقي (رحمه الله وغفر له)

رابعا) الأسعار الباهضة

لم علىّ دفع أموال طائلة من أجل حضور محاضرة يخبرني بها شخصٌ ما أن عليّ أن أصبح أكثر تفاؤلًا و أن أركز على الأمور الجيدة في الحياة ؟!
هذه معلومة الكل يعلمها، لسنا في حاجة لدفع أموالٍ من أجل إعادتها مرارا وتكرارا!

إذا كنت تبحث عن التفاؤل والأمل فيمكنك تصفح صفحات الإنترنت والفيس بوك وستجد ملايين الأمثلة المجانية لعظماء واجهوا الإحباط والفشل إلا أنهم نجحوا في نهاية المطاف

كذلك من الأمور الغريبة هي كلمة (استثمار)!
إذا كان عليّ دفع الآلاف من الجنيهات من أجل سماع هذه الكلمات التي لا تمثل أي قيمة حقيقية والتي يمكن الحصول عليها مجانًا من الكتب وصفحات الإنترنت، فأين يكمن الاستثمار في هذا ؟!
الوصف الدقيق هو استخدام كلمة (النصب) بدلًا من كلمة استثمار
فالاستثمار الوحيد الذي سيحصل عليه الحاضرون هو التيقن الحقيقي من أن هذا الهراء وهذه الكلمات الشائعة لا تصنع قائدًا ناجحًا، ولا تمثل مصباحًا سحريًا سيكون سببًا في كسب الملايين

هذه بعض مظاهر الخداع التي يتمتع بها أغلب مدربي التنمية البشرية
إلا أن هذا لا يمنع من وجود قلة من المدربين الذين يسعون بكامل طاقتهم الى تطوير مهارات غيرهم دون أي مقابل
وهذا هو ما سيتم استكماله في الجزء الثاني من هذا المقال بعد سرد باقي مظاهر الكذب والخداع