هل الأصل في الإنسان السعادة أم الشقاء؟!

وردني سؤال هذا نصه: كيف نوفق بين كلامك الرائع الذي أقنعني أيما إقناع، بأن الأصل في المؤمن أن يحيا حياة طيبة مطمئنة (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى فلنحيينه حياة طيبة)، (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)، (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)؛ وبين من يجيبني بأن (خلق الإنسان في كبد)، (يبتلى المرء على قدر دينه) ؟!

أقول: هنا ما يعرفه بعض أهل التفسير بـ (عادات القرآن)؛ ومن هذا أننا عندما نقرأ القرآن، فإننا نرى أن لفظ (الإنسان) شيء ولفظ (المسلم) أو (المؤمن) المؤمن شيء آخر، فكل صفة وردت عن الإنسان إنما هي صفة خلقه في الأصل، ومنها ما هي موجب ومنها ما هو سالب؛ وهذا ما يحتاج إلى تهذيب وتزكية ومجاهدة حتى يبلغ الإنسان مرحلة الإيمان، فإذا ما بلغها، رأى كل ما يعرض له من ابتلاء أو مصائب أو ذنوب أو غيرها بمنظار الإيمان فيتعامل معها بحسن الظن (أو الإيجابية).

فنقرأ في القرآن عن صفات الإنسان ما يلي:

لافتة: أرجو أن نقرأ تفسير الآيات من كتب التفسير، ولا نترك أنفسنا تقاد بجهلها أو بجهالة آخرين.

  • (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم؛ والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما. يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفا) [النساء].
  • (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم، فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون، وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه، كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون) [يونس].
  • (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن: ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور) [هود]. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وعبد الله بن أبي أمية المخزومي.
  • (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار) [إبراهيم].
  • (خلق السماوات والأرض بالحق، تعالى عما يشركون، خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) [النحل].
  • (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا)؛ (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم، وكان الإنسان كفورا)؛ (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر كان يؤوسا، قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا)؛ (قل: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا) [الإسراء].
  • (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) [الكهف].
  • (خلق الإنسان من عجل، سأريكم آياتي فلا تستعجلون، ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) [الأنبياء].
  • (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، إن الله لطيف خبير. له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد. ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم. وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور) [الحج].
  • (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا) [الأحزاب].
  • (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) [يس]. قيل: نزلت في أبي بن خلف، والعاصي بن وائل، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة.
  • (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله، قل: تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار) قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة، وأبي جهل. (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال: إنما أوتيته على علم، بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون) [الزمر].
  • (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير، وإن مسه الشر فيؤوس قنوط، ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن: هذا لي، وما أظن الساعة قائمة، ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ، وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض) [فصلت]. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة. أما عن (ولئن رجعت إلى ربي)، فقيل: إنها نزلت في العاصي بن وائل.
  • (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا، إن عليك إلا البلاغ، وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور) [الشورى].
  • (وجعلوا له من عباده جزءا، إن الإنسان لكفور مبين) [الزخرف].
  • (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق].
  • (إن الإنسان خلق هلوعاـ إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين) [المعارج].
  • (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه)؛ (بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره) [القيامة].
  • (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) [الإنسان].
  • (قتل الإنسان ما أكفره) [عبس]. نزلت في المشركين المجادلين، ولكنها تصدق في الإنسان أيضا.
  • (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك) [الانفطار].
  • (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول: ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن)؛ (وجيء يومئذ بجهنم، يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي) [الفجر].
  • (لقد خلقنا الإنسان في كبد، أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) [البلد]. ومعنى (كبد): تعب ومشقة، منعة وحفظ. وقيل: نزلت في أبي الأشدّين (أسيد بن كلدة الجمحي)، وأبي جهل، والحارث بن عامر بن نوفل، وعمرو بن عبد ود.
  • (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) [التين].
  • (كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى) [العلق]. وهذه نزلت في أبي جهل، ولكن معنها يصدق في طبيعة الإنسان بشكل عام.
  • (إن الإنسان لربه لكنود، وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد) [العاديات]. والكنود: الذي يكفر النعمة، والبخيل، والعاصي. وجاء في الحديث: (الكنود: هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده) [حديث ضعيف]. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة.
  • (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). [العصر].

في كل ما سبق من أمثلة قرآنية (التي أدعو مرة أخرى لقراءة تفسيرها)، يظهر لنا أن لفظ (الإنسان) كلما ورد (مجردا في السياق عن صفة الإسلام أو الإسلام) فإنما يرد في موضع (الخلقة الأولى) أو (الطبع) أو (الجبلّة)؛ وكما ذكرت سابقا، فإن من طبيعته ما هو موجب وما هو سالب؛ وهنا تكمن (التزكية) = تهذيب الطبع الإنساني على هدى من الله ونور.

ومن سنة الله في خلقه، أن هذا التهذيب وهذه التزكية تحصل بأمور، لعل من أهمها وأظهرها وأشدها: الابتلاء؛ وهو ما يدور حوله السؤال هنا.

ولأن العبودية هي الأصل في وجود الإنسان (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [القرآن/الذاريات]؛ ولأن العبودية لا تكون إلا بالانقياد للمعبود، ولأن شرد هذا الانقياد هو (التوجه والمحبة) من العبد للإله الخالق المعبود، ولأن هناك طبيعة إنسانية تتجه بالحب إلى مخلوقات أخرى تمثلها (الغريزة)، ولأن كل ما في باطن الإنسان ومن حوله يتوجه نحو تغذية هذه الغريزة وتذكيتها؛ لكل هذه الأسباب (ولغيرها مما قد يغيب عني الآن) = صار الابتلاء أصلا في التهذيب والتزكية، لأنه يعمل على امتحان توجه الإنسان إلى خالقه رغبة ورهبة، وذلك من خلال أمرين: المنع والعطاء، وكلاهما ابتلاء، ولعل العطاء أشد على النفس من المنع لأنه يعزز من التوجه (الطبعي) = الغريزة.

فنقرأ في القرآن:

  • (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [155] الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [156] أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وأولئك هُمُ الْمُهْتَدُونَ[157]) [البقرة].
  •  (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّـهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّـهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة].
  • (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّـهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّـهِ قَرِيبٌ [214]) [البقرة].
  • (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّـهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران]. فيظهر الابتلاء هنا للتمحيص والتزكية.
  • (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين [142]) [آل عمران].
  • (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً، وَاللَّـهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [16]) [التوبة].
  • (الم [1] أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّـهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [3] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [4] مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّـهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّـهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [5] وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [6]) [العنكبوت].
  • (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد].
  • (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) [الإنسان].

ويظهر لنا فيما سبق من أمثلة قرآنية، أن الابتلاء لا يكون عقابا أو انتقاما (حاشا الإله الرحمن الرحيم)، بل قد يكون فتنة أو تمحيصا أو رفعة أو تهذيبا أو غير ذلك مما يصب في صالح الإنسان إذا كان الاهتداء بهدى الخالق هو الصراط.

بل إننا نقرأ من القرآن ما يشهد بخلاف ما يفهمه عامة الناس من أن الأصل في الإنسان الشقاء في هذه الحياة:

  • (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل]. وقد ذكر المفسرون أن الحياة الطيبة هنا تكون في الدنيا قبل الآخرة.
  • (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) [طه]. وكأن المعنى: أنزلنا عليك القرآن لتسعد.
  • (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى) [طه]. ويظهر هنا أن المعيشة الضنك تكون في الدنيا قبل الآخرة، بقرينة التعقيب بأن يحشر في الآخرة أعمى، فدل أن ما مضى من (معيشة ضنك) كانت في الدنيا. كما إن الأسلوب الشرطي في الآية يدل على أن (المعيشة الضنك) مرتبطة بالإعراض عن ذكر الله.

ومما روي عن أحمد بن حنبل رحمه الله:

ليس العجب فيمن هلك كيف هلك، إنما العجب فيمن نجا كيف نجا !!!

وهكذا أفهم كلمات ابن الجوزي في كتابه [صيد الخاطر]:

إنه ليس العجب ممن يتبع هواه، ويبتغي اللذة، سواء أكانت في الحلال أم في الحرام، بل العجب ممن يخالف نفسه وهواه ويتبع رضا الله.

وقال أيضا:

جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة، ثم هي من داخل، وذكرُ أمر الآخرة خارج عن الطبع، ثم هو من خارج. وربما ظنَّ مَن لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع من الوعيد في القرآن، وليس كذلك؛ لأنَّ مثل الطبع في ميله إلى الدنيا كالماء الجاري، فإنَّه يطلب الهبوط، وإنَّما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف. ولهذا جاء الشرع بالترغيب والترهيب، يقوِّي جند العقل، فأمَّا الطبع فجواذبه كثيرة، وليس العجب أن يغلب، إنما العجب أن يغلب.

يقول توماس هوبز: أن الإنسان بطبيعته مجرد فرد أناني لا يتحرك إلا من أجل ذاته أو نحو ذاته؟!
ويقول سبينوزا: هو كائن يبحث عن ديمومة نفسه ويبدأ بها.

هذا هو الأصل

  • (خلق الإنسان ضعيفا)
  • (وكان الإنسان ظلوما جهولا)
  • (وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما)

ولكن هذا الأصل يمكن توجيه زخمه في اتجاه أخلاقي محمود يلتقي فيه مع صالح المجتمع.

وهنا تأتي بوصلة القرآن:

  • (من عمل صالحاً فلنفسه)
  • (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)

فيحصل الجميع على حقه، وتعم المصلحة

ولعل الخلاصة هي ما نقرأه في القرآن/سورة الإنسان: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا).

اللهم أحينا حياة طيبة واحشرنا في زمرة السعداء