إجابات مختلفة للمقبلين على الثانوية العامة والجامعة: وهم النجاح والأكاديميا

نشرت في 14/11/2013

بلغني أكثر من سؤال عن الدراسة والامتحانات المدرسية (أو الجامعية)؛ وما يتعلق بهذا من مخاوف أو وساوس أو قلق أو توتر أو تشتت أو تفكير بالتخصص أو تسويف أو غيرها من أعراض:

أقول:

مفردات (طلب العلم والدراسة والتخصص) وما يتعلق بها ويتفرع عنها من مفاهيم وتطبيقات هي مفردات مهمة، ولكنها مجهولة ومبهمة ومزيفة ضمن كثير من المفردات التي زيفتها مادية الإنسان وحضارة العولمة.

ومن هنا، علينا أن نفهم أمر (طلب العلم والدراسة والتخصص) فهما وسطيا معتدلا سليما، دون إفراط أو تفريط. وهذا كله لا يكون إلا في ظل فقه الوجود والاستخلاف أو فهم وظيفة الإنسان في هذا الوجود. ومن هنا أنطلق في تركيزي على ضرورة التوقف والسعي لإجابة السؤالين (من أنا ولم أنا).

وهنا أنصح بهذه المادة أولا:

لماذا خلقني الله؟! حلقة من (ألف باء الحياة): فقه الوجود والخلافة والاستخلاف

ثم أنصح بقراءة هذه القصة:

اعتدت أن أجيب عن سؤال من (أين أبدأ) بقصة حدثت معي في دبي في العيادة النفسية (مع أنها تكررت بعدها، إلا إن هذه القصة استوقفتني أكثر من غيرها لتميزها في أكثر من جانب).

بدأت القصة حين اتصلت بي إحدى الأخوات لتخبرني أنها تود أن تزورني في العيادة النفسية؛ وكانت قد حضرت لي إحدى الدورات التدريبية التي عقدت في (أبو ظبي) في مكتب حرم رئيس الدولة. لم أكن أعلم حتى اتصالها أنها من العائلة الحاكمة. عندما اتصلت بالعيادة أخبرتني أنها تريد أن تحضر من (أبو ظبي) برفقة شقيقها الأصغر الذي تود مني أن أجلس معه (جلسة نفسية تربوية).

سألتها عن السبب أو الأسباب (أو الأعراض) التي دعتها للتفكير في استشارتي بشأنه، فأخبرتني أنه أنهى الثانوية العامة للتو، ولكنه عازف عن الدراسة ومتابعة الحياة الأكاديمية، بل هو عازف عن أي أمر جاد في الحياة. كما أخبرتني أنه يسهر الليل في محادثات على الإنترنت وتحميل الأفلام الأجنبية ومشاهدتها، ويبقى على هذه الحالة حتى قبيل صلاة الفجر ثم ينام إلى ما قبل صلاة العصر، وهكذا دواليك. كما أكدت لي على مدى حساسية الأمر لما يمثله هذا الشاب في (العائلة الحاكمة) ولما يمكن أن يكون عليه يوما ما.

لافتة: لعل هذا الوصف يحق في حال كثير من الجيل الناشئ، ولولا طبيعة المواعيد المدرسية والجامعية، بل والمهنية، لما استيقظ منهم أحد لا لصلاة فجر ولا حتى لصلاة ظهر، بل ولا لأي أمر ذي بال !!!

وفي الموعد، حضرت هي وشقيقها إلى العيادة في دبي. وكعادتي، وكما هي مهمة أي طبيب في ملاحظة مراجعيه، وخصوصا الطبيب النفسي أو المعالج النفسي، فلقد لاحظت سيارته (الفارهة، التي علمت منه فيما بعد أنه قد وضع لها أغطية إطارات من بلاتين = ذهب أبيض!!!) وساعته (الثمينة) وهاتفه الجوال (المصنوع يدويا والذي تبلغ قيمته قيمة سيارة جيدة الصنع). كان هذا كفيلا (مع شيء من الخبرة والتجربة والعلم) ليطلعني على أي نفس من النفوس أتعامل معها؛ كما كان كافيا لأعلم أي نوع من العبودية يرزح تحتها مثل هذا الشاب (الذي يراه كثيرون غيره منعما حرا) !!!

لافتة: هذا الشاب وأمثاله (كثيرون منثورون في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وأسواقنا وشوارعنا ونوادينا) مستعبدون بأقنعة أحرار.

دخل الشاب إلى العيادة، وانتظرته أخته في غرفة الانتظار؛ وكان من المتوقع أن تستمر الجلسة (كما هو معتاد) قرابة الساعة أو يزيد. ولكنه خرج بعد أقل من ربع ساعة. فاستغربت الأخت سرعة الجلسة، وسألتني إن كنت قد طلبت منه أن يجيب عن أسئلة ثم يعود، أو ربما أكون قد طلبت منه أن يخرج ليؤدي أمرا معينا قبل العودة واستكمال ما بدأناه! فأخبرتها بأن الجلسة انتهت !!!

في صبيحة اليوم التالي، اتصلت بي الأخت لتخبرني أن شقيقها فاجأهم باستيقاظه باكرا والبدء بالبحث عن (الجامعات) عن طريق الإنترنت! وسألتني (مستغربة): ما الذي حصل في الجلسة التي لم تستغرق ربع الساعة ؟!!!

وبعد معاتبتي إياها لأنها لم تستفد في التعامل معه بما تعلمته مني، أخبرتها بالقصة التي أود أن أخبركم بها هنا:

بعد دخوله إلى العيادة، وبعد التحية والسلام، وبعد التعارف التقليدي والأسئلة (المهنية)، بادرته بسؤاله: لم أنت موجود على هذه الأرض؟! (والسؤال باللهجة المحلية: ليش انت عايش؟!).

ولقد اعتدت على إجابات (محفوظة وتقليدية وسطحية) من أبناء الجيل وبناته، إجابات مثل: (كي أعبد الله)، (لأنني خليفة الله في الأرض)، (كي أرضي الله عني) !!! فإذا ناقشته/ناقشتها في معنى (عبادة الله) أو (الخلافة) أو (رضا الله) انكشف القناع وبان الزيف وظهر أنها كلمات (فقط) لا تعدو أن تكون شيئا يذكر في عالم الحياة الفاعلة والعملية.

كما إنني اعتدت أن أتلقى إجابات مثل: (هكذا فقط)، (لأن الله خلقني)، (حتى أعيش) !!! وغيرها من إجابات ظاهرة (الجهل والسطحية).

ولعل هذا مما يجعل من قصة هذا الشاب قصة مميزة؛ وهو ما جرى بعد السؤال:

صمت الشاب للحظات (وكأنه ينتظر مني أن أستدرك أو أن أجيب أو أن أعلق)، ولكني فاجأته بصمتي أيضا، فما كان منه إلا أن تحول صمته إلى ابتسامة (بلهاء)، ومن الابتسامة البلهاء إلى الضحك بصوت عال!

سألته: لماذا تضحك ؟!
أجابني: صدق أو لا تصدق يا دكتور؛ هذه هي المرة الأولى التي أفكر فيها في هذا السؤال (لماذا أنا موجود على هذه الأرض) !!!
قلت له: لا بأس، فكر، وأجب.
فقال: لا أعرف !!!
قلت: أسألك السؤال ذاته بطريقة أخرى: ما الفرق بينك وبين القطة التي في الشارع ؟!
فوجئ بالسؤال وعلق تعليقا يظهر منه أنه اعبر السؤال (مهينا)؛ فقال (ما معناه): هون عليك يا دكتور؛ أنا لست سيئا إلى هذه الدرجة.
قلت: لا بأس، جارني في هذا وأجبني عن السؤال: ما الفرق بينك وبين القطة التي في الشارع ؟!
قال: طبعا هناك فرق، بل فروق.
قلت: أعطني واحدا أو اثنين.
قال: أنا أفكر.
قلت: وهي تفكر أيضا. ألا تراها تتوقف لتبحث عن الطعام لها ولأبنائها، وتتوقف أيضا قبل عبور الشارع خشية السيارات والدهس، وكذلك إذا تمت تربيتها في البيت طورت مهارات مختلفة ومتنوعة ؟!
قال: أنا عندي مخ.
قلت: وهي كذلك. ألا ترى ذلك الشيء داخل جمجمتها؟! ذلك هو الدماغ الذي يحتوي المخ أيضا. ربما يختلف قليلا عن تركيب الدماغ لديك، ولكنه دماغ أيضا، وفيه مخ أيضا.
قال: أنا إنسان وهي حيوان.
قلت: وأنا كذلك إنسان، وغيري كثيرون من هذا (النوع)، لكننا ربما عرفنا الفرق بعيدا عن ظاهر الفرق في الاسم والنوع فقط !!!

وبقينا لثواني ودقائق، يجيب، فأجادله، ويحاول، فأناوره؛ ممارسا معه دور (المدافع-المهاجم) في آن واحد.

عندها، تحولت الابتسامة والضحك إلى إبلاس ووجوم وصورة قريبة من العبوس.

ثم قال: لا أعرف! الظاهر أنه لا فرق بيننا (أنا والقطة)!
قلت: بل هناك فرق.

وهنا، سرعان ما عادت الابتسامة التي فارقت وجهه للتو، وشعر بأنه (جاء الفرج).

قلت: الفرق بينكما أنها خلقت لهدف، وهي تسعى لتحقيقه، أما أنت، فإنك خلقت لهدف لا أعرف إن كنت تعرفه أو تسعى إليه !!!

وهنا، غادرت وجهه الابتسامة مرة أخرى، وحل مكانها شعور بالصدمة مصحوب بشيء من (الخذلان)، ثم لمعت تلك الدمعة في عينه.

قال: ولكن ما الهدف من وجودي إذا، وما الفرق بيني وبين هذه القطة أو غيرها، أو حتى أي إنسان ؟!
قلت: هذا سؤال ينبغي عليك أنت أن تسعى للبحث عن إجابته، وليس عملي هنا أن أطعمك الإجابة لقمة سائغة، بل ربما يكون الهدف الذي في خاطري يختلف عما ستجده لو بدأت بحثك الخاص بك. عليك أنت أن تعيد النظر في عمرك على هذه الأرض لتسأل نفسك: من أنا ؟! ولم أنا ؟!

لافتة: سيعترض البعض هنا بقولهم: كيف لك أن تعرض عن طلبه في لحظة سانحة لدعوته والتأثير فيه !!!
فأجيب: هذا ما أسميه بـ فقه الدعوة وتغلية السلعة؛ فكم من مواعظ وتعليمات وإشارات ذهبت سدى لأنها قدّمت في غير حلتها وأهديت في غير موضعها؟! كما إن من طبيعة النفس البشرية أنه يستثيرها المجهول ويحفزها الفضول.

قال: ولكني أريد منك أنت أن تجيبني عن هذين السؤالين. أريدك أن تخبرني بالهدف من وجودي وحياتي.
قلت: أعتذر، ليس هذا شأني، إنما عملي أن أدلك على الطريق فقط، ومن ثم فإنها لك، تسير بها كما ترسم لنفسك.
قال: ولكني لن أغادر اليوم حتى تجيبني!
قلت: أنت وشأنك.
قال: أيرضيك أن أخرج من هنا (مكسور الخاطر) ؟! أيرضيك أن أبيت الليلة سهران قلقا يجفوني النوم وأنا أفكر في هذين السؤالين ؟!
قلت: وما الجديد ؟! ألست أدمنت السهر حتى قبيل صلاة الفجر في محادثات (مشبوهة) وتحميل أفلام ومشاهدتها ؟! ما عليك أن تجعل الليلة لأمر يتوقف عليه أمر نفسك ومستقبلها ؟!
قال: لن يكون هذا، ولكن أخرج من هنا حتى تخبرني بما (أحتاج).
قلت: تحتاج ؟! إذن أنت الآن (تحتاج) هذه الإجابة ؟!
قال: نعم، أحتاجها كثيرا، ولم أشعر بهذه الحاجة من قبل.

استوقفني هنا دمعة لمعت في عينه، وصدق ظهر في صوته، ومفردة قالها بعفوية: أحتاج. فقررت أن أتراجع عن (عنادي الظاهر) لأستجيب لـ (رغبته) وألبي له (حاجته).

تنهدت معلنا (استسلامي)، وبدأت بالكلام؛ فإذا به يقفز من كرسيه ليسحب ورقة وقلما ليدون ما سأقول !!!

في هذه اللحظة بالذات، تمالكت نفسي من البكاء لشدة ما رأيت من صدق نفسه وحماستها، ولشدة شفقتي عليه وعلى أجيالنا التي أضاعتها حكوماتنا وعولمة هذا العصر. ويعلم الله أنني أسررت في نفسي أن لهذا الشاب شأنا قادما.

وهنا، جمعت كلمات كنت أرددها بيني وبين نفسي، كما كنت أكررها في اللقاءات الجمهورية والدورات التدريبية؛ وهي جمع متصرف لنصوص قرآنية ونبوية صغتها بشكل يبلغ المتلقي/المتلقية رسالة واضحة في الإجابة عن (من أنا ولم أنا):

قلت: كان الله، ولم يكن قبله شيء، ولم يكن معه شيء، ثم خلق السماوات والأرض، وقال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، وقال: إني جاعل في الأرض خليفة، وأنزل لهذا (الخليفة) كتابا إرشاديا يهتدي به إلى طريق السعادة، فقال: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وها هو الآن ينظر إليّ من فوق سبع سماوات ليباهي بي ملائكته فيقول: يا ملائكتي، هذا عبدي فلان/ أمتي فلانة … (أكمل الفراغ) !!!

ثم سألته: كيف ستكمل الفراغ ؟! وبأي جملة من هذه الجمل ستكمل الجملة لتكون الجملة (خبرا للمبتدأ) ؟!: (لا يعرف من هو ولم خلقته) ؟! (هائم على وجهه خسر الدنيا والآخرة) ؟! (يضيع العمر فيما لا ينفع من القول والعمل) ؟! (يتسكع في الشوارع والنوادي والمقاهي والأسواق لساعات وأعمار) ؟! (يسهر الليل في محادثات مشبوهة) ؟! (ينطلق في عيشه مما بين فخذيه وليس مما في صدره ورأسه) ؟! (يعرف عن الحديد وسوائل السيارة أكثر مما يعرف عن الجسد والروح) ؟! (يعرف عن أبطال كرة القدم وعالم السينما وهوليود أكثر مما يعرف عن أمر السماء) ؟! (عاق لوالديه) ؟! (ماكينة صرف نقدي) ؟! (كائن متطفل على من حوله) ؟!

هنا، وجدت تلك الدمعة المترقرقة في العين مكانها على خده؛ وكأنها غسلت في لحظات كل خطايا الماضي.

نظر إليّ نظرة اختلط فيها الشكر بالعتب، وكأنني قرأت في نظرته: أين كنت من قبل ؟! ولم تركتني كل هذا العمر ؟! ألم يكن الأولى ألا تحوجني إلى هذه (العملية الجراحية المؤلمة) ؟!

ثم رتب ورقته (التي دون فيها ما قلته) ووضعها في جيب ثوبه (بعناية)، وغادر العيادة. كانت آخر كلماته التي قالها بابتسامة رطبة بالدمع: أبشر يا دكتور.

وهكذا، وبعد ساعات في صبيحة اليوم التالي، جاءني ذلك الاتصال من شقيقته تخبرني فيها بأنه (وجد الطريق).

وبقينا على اتصال منذ ذلك اليوم.

لافتة: هذا الشاب، اختار أن يسافر ليتعلم ويتخرج من الجامعة الإسلامية في ماليزيا (وليس من غيرها من الجامعات التي اعتاد أهل العوائل الحاكمة والمالكة والغنية في بلداننا إرسال أبنائها إليها)؛ وها هو الآن يبدأ في رسالة الماجستير.

********************

انتهت القصة هنا، ويبقى السؤال: ما علاقة القصة بالإجابة عن (من أين أبدأ في البحث عن الحرية) ؟!

والجواب: إن هذا الشاب كان مثالا يراه كثير غيره على أنه يعيش (الحلم) في هذه الدنيا، صحة وفراغ ومال وجاه وسلطة؛ لكنه مع هذا كله لم يكن حرا! بل كان عبدا !!! عبدا لكل شيء إلا المعبود الواجب العبادة له: الله.

كم من شبابنا (من الجنسين) اليوم عبيد (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) ؟!

وربما اعترض البعض بقولهم: أنا لست مثل هذ الشاب، ولا تنطبق عليّ قصتك هذه، فأنا متفوق في (مدرستي/جامعتي)، وعندي مهنة (محترمة)، وأحيا !!! حياة كريمة !!!

أختصر الإجابة بأن الأمر لا يتعلق بأهداف (دنيا) أو وسائل (مرحلية)، فربما كان كل هذا (التفوق والاحترام والكرم) صورة (مستحدثة) من صور (العبودية) في هذا القرن!

وأعود إلى الشاهد الذي من أجله أوردنا هذه القصة: من أين أبدأ ؟!

فأجيب: إن من طبيعتي كإنسان أنني إذا استيقظت فوجدت نفسي (تائها) أو (ضائعا) أو شعرت بـ (الجهل) فإن أول رد فعل (أو انفعال) لي هو محاولة البحث عن أقرب نقطة (معلومة) أتذكرها لأبدأ منها سيري وسعيي لمعرفة (أين أنا)؛ وبعبارة أخرى، أن أعود لأرى أين أنا من نقطة البدء، حتى أنطلق منها إلى حيث أعرف (من أنا ولم أنا).

ولأنني رأيت كثيرا من المحاولات تضيع في غير طائل وتذهب سدى، لا لشيء إلا لأنها كانت منطلقة من نقطة (المجهول أو غير المعلوم) أو على الأقل (غير النافع) وربما (الضار)؛ لهذا فإنني أعتقد أننا ينبغي أن نعود لنقطة البدء التي بدأ منها كل ما في هذا الكون، إن هذا من شأنه أن يجعلنا ننظر للأمور نظرة أوسع وأشمل وأكثر موضوعية، لهذا الكون، ولكل جزء فيه، ولحياتي كإنسان، ولإجابة السؤالين (من أنا ولم أنا).

إن النظريات المختلفة إنما هي نتاج لوجهات نظر مختلفة تعكس شخصيات مختلفة، وكلها مجتمعة تقودني إلى محصلة واحدة لا يختلف عليها اثنان، ألا وهي: الإنسان محدود الفكر، نعم: إن لي الحق كإنسان في أن أقبل فكرة ما أو أن أرفضها، ولكن مع مثل هذا الاختلاف غير المحدود بين بني البشر، نجد أنفسنا في حاجة ملحة لأن نلتقي عند نقطة وسط نجتمع كلنا عندها. وربما أطلقنا على هذه النقطة مسميات مختلفة: الحق، الحقيقة، العلم، الخير، وغيرها.

لافتة: الفرق بين الحق والحقيقة: أن الحقيقة هي مطابقة الأمر للواقع أو الأصل للفرع أو الظاهر للباطن؛ في حين الحق هو الحقيقة الحسنة أو الخيرة. وقد يختلف الناس في الحقيقة ولا يختلفون في الحق. والحق عندنا = الله وكتابه.

أقول: أجدني أقف عند النقطة التي أعتقد يقينا أنها نقطة البدء:

قال الله: (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولكم يكن له كفوا أحد).
وقال رسول الله: (كان الله، ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض).

نعم، من هنا كانت نقطة البدء.

عندما أعلم بهذه البداية، أعلم أنني أنتمي لحياة أزلية ورسالة عتيقة.
عندما أعلم بهذه البداية، أعلم أنني أنتمي لدين الإله، الواحد، الأول، والآخر.
عندما أعلم بهذه البداية، أعلم أنني أنتمي لدين الإله الذي هو رب كل ما سواه، رب العالمين.
عندما أعلم بهذه البداية، أطمئن إلى أن الأمر كله عائد إلى الله وحكمته وقدره.

قال الله: (الله الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الأنهار”. وقال تعالى: “وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).

عندما أعلم بهذا التسخير، أعلم أن لدي ما أحتاج وأجدني مدفوعا إلى العمل دون عذر لي في الخمول أو الكسل عن أداء وظيفتي.

وهنا أتذكر قول القائل: الضعفاء يخافون قدر الله، والأقوياء يظنون أنهم (هم) قدر الله.

وهنا، كانت بدايتي أنا، بعد أن أعد الله لي ميدان عملي وإقامتي (المؤقتة).

لماذا خلقني الله إذن ؟!

قال الله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
وقال الله: (وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة).

لافتة: قد يعترض البعض باعتراضات وشبهات من قبيل: ولماذا يريدنا الله أن نعبده؟ وهل هو في حاجة لعبادتنا؟ وما الحكمة من كون الإنسان خليفة والله يقدر على أن يتم أمره دون خليفة؟ وعير ذلك من شبهات، فأقول لهؤلاء: عليكم بالعلم بأسماء الله وصفاته والعمل بمقتضاها وعدم الانشغال بعد هذا بوسواس النفس والشيطان؛ وليس المقام هنا لتفصيل القول في هذا.

وعودة إلى وجودي، فأقول: نعم، هنا كانت بدايتي، وهذه كانت وظيفتي في هذا الكون: عبد لله، خليفة في الأرض؛ وأعلم إذن أن القصة بدأت منذ أمد سحيق، حين شاء الله لحكمة لديه أن يجعلني خليفة في الأرض بمقتضى أوامره ونواهيه.

وهل يعقل أن يخلق الحكيم هذا الكون ليجعل فيه خليفة دون تعليمات واضحة ؟!

نحن نؤمن، كمسلمين، أن الله جل في علاه لم يذر خلقه دون هدى.

ولكن، أين يمكن لي أن أجد ذلك الهدى وتلك التعليمات ؟!

إنها في الكتيب الإرشادي الكوني، المصدر، القرآن الكريم: المصدر الوحيد الذي أجد فيه الإجابات الصحيحة الشافية، المصدر الوحيد الذي يمنحني الطمأنينة والقوة، المصدر الوحيد الذي أشعر معه بالأمان، ذلك أنه لن يضيعني، المصدر الوحيد الذي يهدي إلى “الحق”.

في هذا المصدر، حيث التعليمات واضحة للخليفة، أعلم من أنا ولم أنا، أعلم هويتي، ووظيفتي، وهدفي: أنا، النفس البشرية المكونة من جسد وروح؛ أنا، النفس البشرية في أي قالب كنت، وعلى أية هيئة وجدت، وفي أي شكل ظهرت؛ أنا: الابن أو البنت، الشقيق أو الشقيقة، الطالب أو الطالبة، العامل أو العاملة (في طب أو هندسة أو تجارة أو بناء أو بحث علمي أو تربية وتعليم، إلخ)، الزوج أو الزوجة، الأب أو الأم، الجد أو الجدة؛ في عمق كل قالب من هذه القوالب، هناك نفس بشرية تنتظر أن تعمل بتعليمات خالقها.

ماذا تعني الحياة لي؟ ماذا لدي لأحيا؟ وما الفرق بين (العيش) و(الحياة)؟ كيف أتعلم؟ وكيف أفكر؟ وكيف أعقل؟ وكيف أسلك؟ وماذا تعني لي النفس؟ وماذا أعرف عن نفسي؟ وماذا أعرف عن حقها علي؟ وماذا أعرف عن مكنوناتها؟ وماذا أعرف عن كيفية التعبير عنها؟ وماذا أعرف عن مكانة الآخرين في حياتي؟ وما حدود علاقتي بهم؟

كل هذا وغيره إنما هو فرع نتحصل عليه إذا عرفنا أن البداية كانت هناك: كان الله ولم يكن قبله شيء ولم يكن معه شيء، ثم خلق السماوات والأرض، ثم خلقني عبدا له وخليفة في الأرض.

********************

أقول: إن فهم كل ما سبق ضرورة لا بد منها قبل الخوض في أمر طلب العلم والدراسة والتخصص، حتى يكون السير على هدى وعلم، وإلا ضاع العمر والجهد والمال.

فإذا ما تم العلم بهذا، صار لا بد من فقه النفس: قراءتها وقبولها وتقديرها.

وقد يسأل البعض: ما أهمية (فقه النفس) في موضوع (طلب العلم والدراسة والتخصص) ؟!

فأقول: إذا لم أعلم من أنا ولم أنا، وظروف نشأتي، وخبايا شخصيتي، وقدراتي، ومواطن قوتي وضعفي، ورغباتي، وأهدافي، وهواياتي، وشهواتي، والمعوقات التي قد تعوقني في بيئتي وظروفي المحيطة؛ إذا لم أعلم هذا كله، فكيف لي أن أعرف أي علم أطلب وأي دراسة أقصد وأي تخصص أسعى له ؟!

وللتفصيل في (فقه النفس) أنصح بهذه المواد:

مادة (فقه النفس)، المادة التي أنصح بها الجميع، دون استثناء، سوءا كانت الاستشارة عن مخاوف أو قلق أو ضيق أو اكتئاب أو خطة مستقبلية أو مشروع قادم أو مرحلة جديدة أو حالة حب أو ارتباط وخطبة وزواج أو تربية أو تعليم، أو غير ذلك. وهي ورقات موجزة فقط من الكتاب الذي أعمل على إصداره قريبا إن شاء الله.

ولأن البعض ربما استصعبها أو وجدوها طويلة، فهنا مواد مرئية لاختصار المادة المكتوبة، وهي كالتالي:

مادة (النفس والسرداب)؛ وهي مادة تختصر مقدمة مادة (فقه النفس) المكتوبة، وتتناول الظروف المختلفة التي أوصلت النفس إلى ما وصلت إليه من غربة عن الذات وجهل بها وبما تحتاج أو تريد. وفيها معالجة لموضوع تردد النفس عن اختيارات كثيرة نافعة في حياتها لمجرد جهلها بذاتها. وهي على هذه الروابط: (نفس المادة، ولكنها متكررة ومتنوعة في أكثر من قناة فضائية)

فن الحياة، قناة بغداد | ألف باء الحياة | النهار ده | دنيا يا دنيا، قناة رؤيا

ثم مادة (أنا والآخر) وهي مادة مكملة لمادة (النفس والسرداب)، أتناول فيها مشكلة انشغال النفس بالآخرين وإهمالها ذاتها وكيفية العلاج. ولها ارتباط مباشر بموضوع (طلب العلم والدراسة والاختصاص)، حيث إن كثيرا من المشكلات المتعلقة بهذه الموضوعات تتأثر بشكل أو بآخر بالآخرين وآرائهم ونقدهم والانشغال بهم. وهي على هذه الروابط:
فن الحياة الحلقة 67 | فن الحياة الحلقة 68 | ألف باء الحياة

ويلي هذا مادة (قبول النفس وتقديرها)، التي نتناول فيها كيفية معالجة النفس لشعورها بالنقص أو القصور أو التأخر عما تريده أو عن الآخرين؛ ثم نتناول كيفية معالجة النفس لما فيها من شوائب ومن ثم تخليتها وتفريغها. وأهمية الحديث عن قبول النفس هنا تكمن في أن عددا من الحالات التي تعاني من قلق الامتحانات تشترك في أن أصحابها (من طلاب وطالبات) يعانون مما أسميه وسواس النقص/القصور من جهة وطلب الكمال/التمام من جهة أخرى؛ وهذا (في صورة من صوره) عرض من أعراض رفض النفس وعدم قبولها أو انتقاصها والنظر إليها بدونية أو الانشغال بمقارنتها مع غيرها. وهذا كله مما نعالجه في مادة (قبول النفس). وهنا رابط لحلقة عن الموضوع من (ألف باء الحياة).

وكمثال لـ (قبول النفس وتقديرها)، هنا حلقة تربوية بعنوان (قد أتأخر فأسبق الجميع) وهي في شرح ما يزيد على 300 فائدة نفسية وتربوية من حديث المخلفين الثلاثة (الذين تخلفوا عن غزوة تبوك). لافتة: قدمت هذه الحلقة في أمريكا (للجالية المسلمة هناك، وكان معظم الجمهور من الجالية المصرية).

وبعد قبول النفس، يحين دور (التخلية والتفريغ)، حيث نتناول كيفية التخلص من مكبوتات الماضي على اختلاف صورها وأشكالها. وربما استغرب البعض ضرورة هذه المادة هنا، فأقول: إن كثيرا من (إن لم يكن كل) الحالات التي مرت عليّ لطلاب وطالبات ممن يشتكون من تشتت الفكر والنسيان وصعوبة التذكر وشرود الذهن وتوتر النفس (عموما أو في وقت الدراسة خصوصا) كانت حالات تعاني من الانشغال بمخلفات الماضي أو مكبوتات النفس أو متعلقات بالآخرين مما ينبغي التخلص منه أولا. وهذا ما أعبر عنه عادة بـ (المستودع المزدحم) وأعني به (الدماغ في حالته المضطربة وملفاته غير المرتبة والمنظمة)؛ وهو ما يلزمه (تخلية وتفريغ) قبل الانتقال إلى أي مرحلة أخرى (وهي مرحلة التحلية). وهنا مادة مكتوبة عن كيفية (التخلية والتفريغ).

ثم يحين دور التحلية، حيث تسعى النفس لملء الفراغ الناتج عن التخلية وشحن الذات بما ينفعها في رحلة الحياة.

وأول ما نبدأ به هو (تسديد الهدف)؛ وهو تابع لـ التخطيط ومتعلق به، وهنا مواد مرئية عن الموضوع:

حلقة من (ألف باء الحياة): ألف باء الفلاح وتسديد الهدف.

حلقة بنفس العنوان (تسديد الهدف) على قناة النهار المصرية (مختصرة أيضا).

الحلقات 78، 79، 80، 81 من (فن الحياة)؛ وهي حلقات تفصيلية في (تسديد الهدف).

ويلي هذا بعض ما يتعلق مباشرة بـ قلق الامتحانات:

مواد (فيديو) حول (قلق الامتحانات):

للدكتور محمد الثويني

للدكتور طارق الحبيب

http://www.youtube.com/watch_popup?v=AbLO5fbB4xM
http://www.youtube.com/watch_popup?v=pYYg4UCBgLQ
http://www.youtube.com/watch_popup?v=5sr_FiIs1ew

للدكتورة هدى طاهر (فيها طرح مختلف حول الأسباب).

ومن الموضوعات المهمة التي أنصح الشباب من الجنسين أن يتنبهوا له، وهو موضوع (الطابور السادس)؛ وهنا رابط الحلقة التلفزيونية عن الموضوع.

إذا وصلت هنا، صار لا بد لي من وضوح الآتي:

أولا) فقه الوجود والاستخلاف، والإجابة عن (من أنا ولم أنا).
ثانيا) فقه النفس: قراءتها وقبولها وتقديرها.
ثالثا) تسديد الهدف بشروطه المذكورة في المواد السابقة، ويلي ذلك التخطيط والاستعداد النفسي وبعض مهارات الدراسة والتلخيص والفهم والمذاكرة الوارد في المواد المنقولة لأهل الاختصاص.

باختصار: استحضار فقه الوجود، وفقه النفس، وتفريغ المستودع وترتيب الأوراق، وإسقاط الآخرين من حساب النفس في تقديرها لذاتها، وعدم الانشغال بأي مشتتات، وتسديد الهدف والتخطيط السليم، وعدم تحميل النفس فوق ما تطيق، والترويح عن النفس باقتصاد.

********************

والآن، وبعد فقه الوجود والاستخلاف، وفقه النفس (قراءة وقبولا وتقديرا)، وتسديد الهدف، يبقى بعض اللافتات حول موضوع (طلب العلم والدراسة والتخصص) على سبيل الخصوص.

إذا بلغت هذه المرحلة، عليّ أن أكون قد تخلصت من كل ما يمكن أن يعوقني من معوقات، وأهمها وأشدها وأخطرها: الآخر وأثره عليّ وعلى قراراتي.

لافتة: ما سيلي من كلمات لا يعني بحال من الأحوال إسقاط مقام العلم والتعليم وضرورته، ولكنه طرح من منظور نفسي-واقعي.

فمما ينبغي فهمه ومعالجته: فخ أمراض المجتمع المختلفة التي ربما أعطت للتعليم والأكاديميا أكثر مما تستحق، والتي ربما اختزلت الشخصية السوية بأوراق وأرقام !!!

وكم رأيت في عيادتي النفسية وخارجها من (متعلمين) يجهلون (من أنا ولم أنا) !!!
وكم رأيت في عيادتي النفسية وخارجها من (مثقفين) يعانون (الأمّية المركّبة) رغم (أكاديميتهم) !!!
وكم رأيت في عيادتي النفسية وخارجها من نفوس لا تحسن حتى اختيار شريك/شريكة الحياة !!!
وكم رأيت في عيادتي النفسية وخارجها من (أمراض) مقنّعة بشهادات أكاديمية وتخصصات عليا !!!
وكم رأيت في عيادتي النفسية وخارجها من (طاقات ضائعة) بعد إنفاقها الأموال الطائلة في غير موضعها !!!
وكم رأيت في عيادتي النفسية وخارجها من أصحاب تخصصات لم يضيفوا لأنفسهم وأوطانهم إلا (الفساد) !!!
وكم رأيت في عيادتي النفسية وخارجها من ربات بيوت لم يفدن شيئا من الجامعة سوى (العادات والتقاليد) !!!
وكم رأيت في عيادتي النفسية وخارجها من شباب من الجنسين لا يمتهنون ما قضوا سنوات الدراسة المدرسية والجامعية وهم يدرسونه !!!

والأمثلة كثيرة على أمثال هذه الصور المختلفة والمتنوعة والمنتشرة في حياتنا؛ وتجتمع كلها في أنها تصف حالة موجودة وعامة في مجتمعاتنا المحلية والعالمية، في بلاد الشرق والغرب، في المجتمعات النامية والمتقدمة؛ كلها تلتقي عند حقيقة واحدة: أن المدارس أولا والجامعات ثانيا ليست البداية، وليست النهاية؛ وأننا ينبغي أن نعيد النظر في نظرتنا لأنفسنا وتقييمها وتقديرها وسعيها لما تريده في هذه الحياة.

وكثيرا ما رأيت شبابا من الجنسين ربما كلفوا أهلهم فوق ما يطيقون من مادة ليدخلوا جامعة بعينها أو تخصصا بعينه، ثم سرعان ما اكتشفوا أنهم لم يكونوا في حاجة إلى معظم ما تعلموه، وربما كفاهم ذلك (معهد) أو (كلية) أو غيرها من مؤسسات (تعليمية وأكاديمية).

ولا أقول هذا وأنا غافل عن الحياة اليومية أو أتوهم شيئا ليس من الواقع في شيء، بل إنني أضع نصب عيني سعادة النفس، وحاجة الأسرة، ولغة الاقتصاد، وحاجة السوق، والبطالة المقنعة، وهجرة (العقول) التي ربما هجرت تخصصاتها في (الغربة) لتمتهن أي مهنة في سبيل (لقمة العيش)، وغير ذلك من عوامل تؤكد في رأيي حقيقة حاجتنا لمراجعة فهمنا للمفردات التي بدأنا بالحديث عنها: طلب العلم، والدراسة، والتخصص.

وأذكر هنا قول الشاعر:

قال لي صاحبي: أراك غريبا * بين هذا الأنام دون خليل
قلت كلا، بل الأنام غريب * أنا في عالمي، وهذي سبيلي

********************

وهنا رسالة كنت كتبتها عند تخرجي من كلية الطب:

ثم أصبحت طبيبا، ولكن !!!

الحمد لله الذي أنزل لكل داء دواء وأمرنا بالسعي له
والصلاة والسلام على القائل: (من تطبب ولا يعلم منه طب فهو ضامن)

الزملاء والزميلات

سلام من السلام عليكم ورحمة وبركات

لن أكذب على أحد بقولي إن هذا كان (حلم الطفولة)، بل لقد كانت أحلامي لا تتجاوز اليوم والليلة، كنت أهتم بأن أفيد وأستفيد قدر الإمكان من كل لحظة: في البيت، في المسجد، في المدرسة، مع الأصحاب، في ملعب الحي، أمام التلفاز … إلخ.

ولكني تعلمت من هذا كله أن شعار: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح) يعني أن أغتنم الوقت الذي قد أندم عليه يوما ما. وكذلك ذلك الأثر: (من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن لم يكن إلى زيادة فهو إلى نقصان، ومن كان إلى نقصان فالموت أولى به).

وإذا استطعت فعل ذلك، فسأكون متفوقا دائما، على اعتبار أن التفوق هو الاستفادة القصوى من المعطيات الحالية للوصول إلى أفضل النتائج.

أما إذا أصررتم على سؤالي عن حلمي (الطفولي)، فلقد كان حلمي منذ (المرحلة الإعدادية) أن أكون (خريج الأزهر، قسم اللغة العربية)، وذلك لشدة حبي للغة العربية وقواعدها وبلاغتها؛ ولكن هذا كان جنبا إلى جنب مع حبي لمادة (النفس) و(الإنسان).

ولما بلغت السادسة عشر من العمر، فكرت لأول مرة بشكل جاد في أن أكون طبيبا، وطبيبا نفسيا. وكان للوالد (رضي الله عنه) أثر كبير في هذا الاختيار، بعد حوار طويل وقناعة حرة.

لماذا الطب ؟!

لأنني أحببت فيه المنهجية في الطرح (العلمي الأكاديمي)، فالتعريفات أولا، ثم الأسباب وشرح طبيعة الأشياء في الجسم البشري، ثم التحليل والتشخيص للعرض المرضي، ثم البحث في الحلول والعلاجات.

وهنا سيقول البعض: ولكن الدراسات الفلسفية تنهج المنهجية ذاتها!

أقول: نعم، ولكنني أحببت فيه التفسير المنطقي للأشياء، فلا مجال لذكر أمر غير معقول، ولا ذكر لأمر لا دليل عليه، فالملاحظة والتجريب والتقييم هي القيم الأهم في علم الطب، وهذا ما تفتقر إليه الدراسات الفلسفية (الأدبية والإنسانية).

وهنا سيستدرك البعض بالقول: ولكن الهندسة (مثلا) فيها ذات الأمر!

وأقول: نعم، ولكنني أحببت في الطب الجانب الإنساني البحت في التعامل مع (المراجعين) الذي يعانون المرض (العضوي) أو (الروحي = النفسي)؛ وهذا ما لم أجده في مجالات التقانات الحديثة كـــ (الهندسة) مثلا.

وهنا، استوقفت أنا نفسي لأتساءل: هل الطب الذي رأيته وأراه وعايشته وأعيشه ومارسته وأمارسه يحمل في طياته ذلك الجانب الإنساني البحت ؟!

نعم، هو مسطور هنا وهناك في كتب الطب بفروعها المتعددة، على الورق، في محاضرات أخلاقيات الطب، في بعض المؤتمرات، ولكن، على أرض الواقع !!!

(إلا ما رحم ربك)

ترددت لحظات في اختيار هذا المسلك في حياتي، لأنني رأيت أمامي أمثلة غير مشجعة، لا تمثل أسوة حسنة: رأيت عقد شعور النقص تجاه لقب (دكتور) وحرف الدال (د.)! رأيت بعض طلاب الطب الذين يحبون (بل ويطلبون) من الناس أن ينادونهم بلقب (دكتور) وهم لا يتجاوزون السنة الأولى في كلية الطب! رأيت أطباء يقتتلون على ملء قائمة المراجعين لأن (قسط البيت والسيارة) لا ينتظر! رأيت دسائس بين أطباء بهدف التسلق! رأيت تنافسا (غير شريف)! رأيت شخصيات اجتماعية قاصرة، أفقها محصور في توافه الأمور، مشكلاتها داخل البيوت أكثر من أن تحصى! وغيرها كثير.

(إلا ما رحم ربك)

كانت نصيحة والدي عندما ناقشنا أمر اختيار مهنة الطب البشري: يا عبد الرحمن، سيأتيك المراجعون وهم أضعف ما يكونون، مهما كانت مكاناتهم المرموقة خارج المشفى أو العيادة أو غرفة العمليات، فسيأتون كأضعف مخلوق باحثين عن العلاج (بعد الله) لديك، فاتق الله في نفسك وفي مهنتك وفي مراجعيك، واعلم أنك مستخلف في هذا المكان، تدعو إلى الله من خلال مهنتك.

ولقد رأيت من هذا ما أحمد الله عليه؛ فلقد رأيت من القدوات (رغم قلتها وعدم ظهورها) ما أعاد لي ما ذكره والدي في نصيحته.

تذكرني كلمات والدي باللقب الذي كان يطلق قديما (وحتى الآن في بعض البلاد العربية) على الطبيب، وهو لقب (الحكيم)، ما يجعلني أبتسم ابتسامة تهكم على حالة الطب في أيامنا!

هل نحن حكماء ؟! هل نعقل ما نقوم به ؟! أم إننا أجهزة حاسوب بشرية لديها خزين كبير من المعلومات ؟!
هل نحن حكماء ؟! ندرك حساسية مهنتنا ؟! أم تجار نسعى لنرتقي ونغنى على حساب الآخرين ؟!
هل نحن حكماء ؟! نشعر بما يشعر به المراجعون ؟! أم معدات وآلات مادية خالية من (الأحاسيس) ؟!

الأسئلة كثيرة، والواقع يجيبنا بالكثير!

ومن هنا جاء عنوان المقال: ثم أصبحت طبيبا، ولكن!

أقول: وددت، ولا زلت أود، أن أكون: حكيما.

فالناس ينتظرون حكيما، لا غير.

وما هذا المقال إلا رسالة تذكير لي ولكم زملائي وزميلاتي، لنرقى بأنفسنا إلى ذلك المجتمع الذي نكون فيه يومها (حكماء) و(حكيمات)، نقوم بدورنا في المجتمع كما أراده الله لنا، خلفاء في الأرض التي تنتظر أن نعمرها، فتشهد لنا أمام الله يوم نلقاه.

نفع الله بي وبكم

وصلى الله على معلمنا الخير كله

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

والسلام

أخوكم
عبد الرحمن ذاكر حامد الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي

********************

وهذه سطور من منشور كتبته على هامش بدء العام الدراسي:

انتظار بدء العام الدراسي من أجل تحصيل العلم هو مظهر من مظاهر الجهل بالعلم وحقيقته وقيمته واتساع أفقه وعدم سجنه بين جدران المباني الوزارية أو التجارية.

بل إن من الجهل أن يظن البعض أن العلم هو ما تتناوله هذه المؤسسات المسماة ظلما وزورا بــ (المدارس/الجامعات).

إن تنشئة جيل يعرف كيف يتعامل مع الآلة في حين يجهل كيف يتعامل مع النفس والمجتمع هو خيانة عظمى.

اللهم نسألك تحرير التربية والتعليم.

********************

سؤال: لماذا يسخر الطلاب من المدرسة أو المتفوقين ؟!

جواب:

لا غرابة إذا علمنا أن الكثرة تسخر من أي أمر جاد يذكرها بهزلها وكسلها وتراجعها.

يسخر الناس من أي أمر فيه شيء من الجهد والصواب لأن الإنسان يميل إلى الدعة والراحة.

ويزيد الطين بلة اجتماع هذا إلى أشخاص من المتفوقين أكاديميا فقط مع درجة تفوّق في الغباء الاجتماعي والبله الحياتي، فيعطون أهل السخرية عذرا في ذلك !!!

على أي حال، هذا لا يمنع حقيقة أن التخلف داخل أسوار المدرسة وخارجها هو مظهر من مظاهر القصور البشري.

اللهم علمنا ما ينفعنا

********************

وهذه كلمات نقلتها عن صفحة الشيخ أحمد سالم (أبو فهر):


أنا سيء الظن والرأي في المدارس جدا. هناك أشياء تزرع فيك هناك تبقى تشكل شخصيتك طوال عمرك، أشياء ربما تظنها أخلاقاً ذاتية فيك، بينما هي لم تزرع سوى هناك.
تصحى بدري في ميعاد مفيهوش أي مصلحة.
طابور.
صفا، انتباه.
زي مدرسي.
شرطة مدرسية.
إذاعة مدرسية.
عقوبات تربوية لا تفرق بين المخطئ والمصيب.
الطالب المثالي هو اللي هناك ده، اللي لا بيهش ولا بينش، لا يُحق حقاً ولا يبطل باطلا.
وما تنساش: هيختاروك تقف على الفصل وتبلغ عن اللي بيعمل حاجة غلط.

توقيت دخولك (مكنة البسطرمة) أقدم مما تتخيل.

********************

سؤال (متكرر) يردني على موقع الأسئلة: ابني لا يهتم بالدراسة ولا يقوم إلا بالأمر والنهي والصراخ، ماذا أفعل ؟!

جواب:

أولا) الدراسة ليست هي المشكلة الرئيسة، والوقت ثمين، نعم، ولكن قيمة ثمنه هو في الشخصية (السويّة) التي ستنتج وليس في (السنة الدراسية) التي ينبغي أن تتم بـ (نجاح) فقط.
ثانيا) الإصرار على (عقلية الدرجات والشهادة الأكاديمية) هو ما أنتج لنا جيلا قد ينجح (ماديا) لكنه جيل (مريض) بمستويات مختلفة من المرض.
ثالثا) هذا لم ينتج في يوم وليلة، ربما كانت التربية (مفسدة) ودفعته إلى هذا النمط (المتكاسل الاعتمادي)، وربما حصل الانقلاب (اللحظي) بسبب صحبة سيئة أو إعلام أو غيرها، وربما كان (رد فعل) أو (انفعال متعمد) للفت نظر الأهل إلى أمر معين، وغير ذلك.
رابعا) الأولوية الآن: الحفاظ على العلاقة (السويّة) + دفع الابن/ الابنة للتفكير في (من أنا ولم أنا) + تعويدهم المواجهة والمراجعة والتقويم والتقييم وتحمل والنتائج.
خامسا) أنصح بالصمت عن موضوع الدراسة، والتأكيد على فكرة (المهم أن تعرف / تعرفي ما تريد/ تريدين ثم السعي لما يجعلك سعيدا/ سعيدة بحق، ونحن هنا مستعدون للمساعدة والتوجيه).
سادسا) التذكير بكلمة أو بكلمتين، فقط، ثم تركه/ تركها. وأؤكد: تركه/ تركها. أعلم أن هذا صعب، خصوصا على ذلك النوع من الآباء وتلك النوعية من الأمهات، الذين لا يستطيعون أن يحيوا حياة (مطمئنة) دون (قلق) على الآخرين، وأبنائهم بالذات.
سابعا) أقول للأهل: كفوا عن أبنائكم وبناتكم، وانشغلوا بأنفسكم، واتركوا لهم الخيار لحياة (جادة حقيقية) بعيدة عن (الوهم والكسل والاعتمادية).

اللهم اجعل أنس أبنائنا وبناتنا بك أولا، ولا تجعل وحشتهم إلا بالبعد عنك. اللهم وجههم لما فيه حبك ورضاك، وحبهم ورضاهم، وسعادتهم.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا به، وأعذنا من شر أنفسنا.
اللهم انصرنا بدينك، وانصر بنا دينك.

********************

وهنا رسالة كنت كتبتها، لها صلة بموضوع (تقدير النفس)، وهي بعنوان: نفوس كومبارس

عندما تطلبني جهة معينة (مؤسسة أكاديمية أو مركز تدريب أو حتى جمعية خيرية) للمشاركة في مؤتمر أو حلقة نقاشية أو تدريبية أو اجتماع أو غيرها = أجتهد في محاولة التعرف على ماهية الجهة الطالبة وفكرها وما ترمي إليه في النشاط المعني؛ وكما أسعى أن أسهم بما لدي من علم فإنني أخشى وأحذر أن أكون جزءا من كيان لا يتفق مع ما أحمله من هوية أو وظيفة أو هدف.

وبعبارة أخرى: أحب أن أكون فردا فاعلا ومؤثرا وصاحب بصمة، لي محل من الإعراب؛ ولا أحب أن أكون (كومبارس) لا محل له من الإعراب!

والكومبارس في أصل تسميته (الإيطالية) يعني: الزائد.

ويطلق (الكومبارس) على مجموعة من الناس تؤدي دورا معينا في فعالية يديرها آخرون؛ فجاءت (كومبارس) في التاريخ لتصف جمهور الناس الذين يصفقون ويرقصون ويطبلون في مسيرات (كرنفالات) يديرها بعض الرهبان والبابوات، كما اشتهر (كومبارس) كوصف (سينمائي) لمجموعة من الممثلين (الزائدين) الذين يتم توظيفهم (بأجر) لأداء أدوار ثانوية لا تؤثر في المشهد العام ولا في نهايته (كالذين يمشون في الطرقات أو الشوارع أو يجلسون في مطعم حول الشخصيات الرئيسية).

باختصار: (كومبارس) = (ممثل) (زائد)!!!

والسؤال هنا: كم من النفوس من يقبلون أن يكونوا (كومبارس) في (مشهد الحياة) أو حتى في لقطة من لقطات هذا المشهد؟!

كم من أولئك الذين يخرجون في مظاهرات أو يشتركون في أنشطة أو يدعون إلى مهرجانات أو يضافون في مجالس ودواوين أو على الفضائيات أو في وظائف الدولة أو … إلخ، كم منهم (كومبارس) دون أن يعلموا أو يدركوا ذلك؟!

والأجر ربما كان (مادة) محضة، وربما اكتفى هؤلاء بالأجر (النفسي) = الشعور بـ الأنا كما يفهمونه! وربما كان مفهوم الأنا لديهم مفهوما (غريزيا بهيميا) !!!

في مقابل هذا الواقع المثير للشفقة، أتذكر كيف ربى محمدا صلى الله عليه وسلم نفوسا لا تقبل إلا أن تكون رقما صعبا في هذه الحياة، أينما وحيثما وكيفما كانت أدوارهم، لا يقولون أو يفعلون إلا ما (يعتقدون).

والسيرة غنية بالأمثلة؛ ولعلي أترككم مع مثال من أبرز الأمثلة، وهو موقف كل من ربعي بن عامر وحذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة في معركة القادسية (مع أنهم من عامة الشعب).

اللهم اجعلنا مسلمين لك، لك وحدك.

اقرؤوا النص (جمعته من أكثر من مرجع، ورتبته على شكل سيناريو):

عرض سعد بن أبي وقاص على المسلمين أن تذهب منهم طائفة إلى رستم، يبسطون له دعوتهم ويحددون لهم هدفهم، وتقدم ربعي بن عامر.

ربعي لسعد: (إن الأعاجم لهم آراء وآداب، ومتى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم، فلا تزدهم على رجل).

فوافقه الجمع، وأمره سعد بأن يذهب إلى رستم.

كانت فرسه (حصانه) قصيرة بالية المظهر، وسيف مرهف مغمور في لفافة من ثوب خلق، ورمح غمده من أديم بال وترسه من أديم البقر، ودرعه وعمامته مما يجلل به فرسه عند امتطائه.
فلما وصل إلى الجسر حبسه حراسه حتى يستأذنوا له، وأرسلوا إلى قائدهم، وعرف من أمره أنه رجل واحد، ولكنه جمع له مجلسه ليستشيرهم في لقاء العربي البادي، فأشاروا عليه بأن يهيئ له من المظهر ما يهابه. فلما وصل إلى أدنى البسط:

أعوان رستم: (انزل عن فرسك).

فهمز فرسه فسارت على البسط الوثيرة حتى استوت عليها، ثم نزل عنها وربطها بوسادتين من وسائد الحرير المنسوج بالذهب، عمد إليهما فشقهما ثم أدخل الحبل فيهما.

أعوان رستم: (ضع سلاحك).
ربعي: (إني لم آتيكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد وإلا رجعت).

فأخبروا رستم بمقالة ربعي.

رستم: (ائذنوا له، هل هو إلا رجل واحد؟).
فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، فلما دنا من رستم تعلق به الحراس، فجلس على الأرض وركز رمحه بالبسط.

أعوان رستم: (ما حملك على هذا؟).
ربعي: (إنا لا نحب القعود على زينتكم هذه).
رستم لربعي: (ما جاء بكم؟).
ربعي: (الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نقضي إلى موعود الله).
رستم: (وما موعود الله؟).
ربعي: (الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي).
رستم: (قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟).
ربعي: (نعم، كم أحب إليكم، أيوما أو يومين؟).
رستم: (لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا).ربعي: (إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أئمتنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزية فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه وإن كنت إليه محتاجا منعناك، أو المنابذة في اليوم الرابع، ولسنا نبدأك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، وأنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى من قومي)،
رستم: (أسيدهم أنت؟).
ربعي: (لا، ولكن المسلمين كالجسد لبعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم).

رستم لأعوانه: (ما ترون؟ هل رأيتم كلاما قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟).
أعوان رستم: (معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى دين هذا الأعرابي الجائع، أما ترى إلى ثيابه؟!).
رستم لأعوانه: (ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب تستخف باللباس والمآكل ويصونون الأحساب، وهم ليسوا مثلكم في اللباس ولا يرون فيه ما ترون).
فتقدموا إلى ربعي وتناولوا سلاحه وهم يزهدونه فيه.

ربعي لأعوان رستم: (هل لكم إلى أن تروني فأريكم).

ثم أخرج سيفه من خرقه كأنه شعلة نار.

أعوان رستم: (أغمده).

فغمده، ثم رمى ترسا لهم فخرقه، ورموا هم وقايته من الأديم فسلمت.

ربعي لأعوان رستم: (يا أهل فارس إنكم عظمتم الطعام واللباس والشراب، وإنا صغرناهن).

فلما كان من الغد بعثوا أن: (ابعثوا إلينا ذلك الرجل)، فبعث إليهم سعد بن أبي وقاص حذيفة بن محصن.
فحصل معه ما حصل مع صاحبه حرفا بحرف.
فلما وقف على رستم:

رستم: (ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟).
حذيفة: (إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء، فهذه نوبتي).
رستم: (ما جاء بكم؟).

فما زاد ولا نقص عن قول ربعي.

رستم: (قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟).
حذيفة: (لكم ثلاثة أيام من أمس).

فلما لم يجد رستم عند حذيفة إلا ذلك رده، وأقبل على أصحابه.

رستم لأعوانه: (ويحكم ألا ترون إلى ما أرى؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم، وأقام فرسه على ما نحفل به غالي الحرير وربطه به، وقد ذهب إلى قومه في يمن الطائر مع فضل عقله، وجاءنا هذا اليوم فما رأينا منه إلا ما رأينا من صاحب الأمس، ثم رجع كما رجع أخوه).

فلما كان من الغد أرسل أن: (ابعثوا إلينا رجلا آخر منكم)، فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة، فعملوا له مثل ما عملوا لصاحبيه، وعمل هو معهم مثل ما عمل صاحباه.

ثم زاد أن جلس على سرير رستم واتكأ على وسادته، فوثبوا عليه وأنزلوه، وحقروا فعله وشأنه، فلم يغضب المغيرة مما فعل به.

رستم: (إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم، ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا)،
المغيرة: (إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولا بدين الحق لا يرغب عنه أحذ إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز).
رستم: (فما هو؟).
المغيرة: (أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله)،
رستم: (ما أحسن هذا! وأي شيء أيضا؟).
المغيرة: (وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله).
رستم: (وحسن أيضا، وأي شيء أيضا؟).
المغيرة: (والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم).
رستم: (وحسن أيضا) ثم قال: (أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا؟).
المغيرة: (إي والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة).
رستم: (وحسن أيضا).

المغيرة: (كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم، وإنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، وأنا لم آتكم ولكنكم دعوتموني، اليوم علمت أن ريحكم ذاهبة وأنكم مغلوبون، وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول).

أعوان رستم: (صدق والله العربي).
السادة منهم: (والله لقد رمى العربي بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله من سبق منا، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة).

رستم يمد يده إلى كنانة المغيرة: (ما هذه المغازل التي معك؟).
المغيرة: (ما ضر الجمرة ألا تكون طويلة؟!).
رستم: (وما بال سيفك رثا؟).
المغيرة: (رث الكسوة حديد المضربة).

ثم تخير من اللفظ ما يثير الحمية حتى يفضحه على المطاولة، وما ترك رستم إلا وهو متوعد ومنذر.

رستم لخاصته: (أما ترون من أمر هؤلاء القوم أنهم لم يختلفوا، وسلكوا طريقا واحدا ولزموا أمرا واحدا؟! هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين، والله لئن كان بلغ من أربهم وصونهم لسرهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ مما أرادوا منهم، ولئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء).

وما هي إلا أيام حتى كان رستم أسيرا في يد هؤلاء (الأعراب).