نفوس كومبارس

عندما تطلبني جهة معينة (مؤسسة أكاديمية أو مركز تدريب أو حتى جمعية خيرية) للمشاركة في مؤتمر أو حلقة نقاشية أو تدريبية أو اجتماع أو غيرها = أجتهد في محاولة التعرف على ماهية الجهة الطالبة وفكرها وما ترمي إليه في النشاط المعني؛ وكما أسعى أن أسهم بما لدي من علم فإنني أخشى وأحذر أن أكون جزءا من كيان لا يتفق مع ما أحمله من هوية أو وظيفة أو هدف.

وبعبارة أخرى: أحب أن أكون فردا فاعلا ومؤثرا وصاحب بصمة، لي محل من الإعراب؛ ولا أحب أن أكون (كومبارس) لا محل له من الإعراب!

والكومبارس في أصل تسميته (الإيطالية) يعني: الزائد.

ويطلق (الكومبارس) على مجموعة من الناس تؤدي دورا معينا في فعالية يديرها آخرون؛ فجاءت (كومبارس) في التاريخ لتصف جمهور الناس الذين يصفقون ويرقصون ويطبلون في مسيرات (كرنفالات) يديرها بعض الرهبان والبابوات، كما اشتهر (كومبارس) كوصف (سينمائي) لمجموعة من الممثلين (الزائدين) الذين يتم توظيفهم (بأجر) لأداء أدوار ثانوية لا تؤثر في المشهد العام ولا في نهايته (كالذين يمشون في الطرقات أو الشوارع أو يجلسون في مطعم حول الشخصيات الرئيسية). ه

باختصار: (كومبارس) = (ممثل) (زائد)!!!

والسؤال هنا: كم من النفوس من يقبلون أن يكونوا (كومبارس) في (مشهد الحياة) أو حتى في لقطة من لقطات هذا المشهد؟! ه

كم من أولئك الذين يخرجون في مظاهرات أو يشتركون في أنشطة أو يدعون إلى مهرجانات أو يضافون في مجالس ودواوين أو على الفضائيات أو في وظائف الدولة أو … إلخ، كم منهم (كومبارس) دون أن يعلموا أو يدركوا ذلك؟!

والأجر ربما كان (مادة) محضة، وربما اكتفى هؤلاء بالأجر (النفسي) = الشعور بـ الأنا كما يفهمونه! وربما كان مفهوم الأنا لديهم مفهوما (غريزيا بهيميا) !!!

في مقابل هذا الواقع المثير للشفقة، أتذكر كيف ربى محمدا صلى الله عليه وسلم نفوسا لا تقبل إلا أن تكون رقما صعبا في هذه الحياة، أينما وحيثما وكيفما كانت أدوارهم، لا يقولون أو يفعلون إلا ما (يعتقدون).

والسيرة غنية بالأمثلة؛ ولعلي أترككم مع مثال من أبرز الأمثلة، وهو موقف كل من ربعي بن عامر وحذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة في معركة القادسية (مع أنهم من عامة الشعب).

اللهم اجعلنا مسلمين لك، لك وحدك.

اقرؤوا النص (جمعته من أكثر من مرجع، ورتبته على شكل سيناريو):

عرض سعد بن أبي وقاص على المسلمين أن تذهب منهم طائفة إلى رستم، يبسطون له دعوتهم ويحددون لهم هدفهم، وتقدم ربعي بن عامر.

ربعي لسعد: (إن الأعاجم لهم آراء وآداب، ومتى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم، فلا تزدهم على رجل).

فوافقه الجمع، وأمره سعد بأن يذهب إلى رستم.

كانت فرسه (حصانه) قصيرة بالية المظهر، وسيف مرهف مغمور في لفافة من ثوب خلق، ورمح غمده من أديم بال وترسه من أديم البقر، ودرعه وعمامته مما يجلل به فرسه عند امتطائه.
فلما وصل إلى الجسر حبسه حراسه حتى يستأذنوا له، وأرسلوا إلى قائدهم، وعرف من أمره أنه رجل واحد، ولكنه جمع له مجلسه ليستشيرهم في لقاء العربي البادي، فأشاروا عليه بأن يهيئ له من المظهر ما يهابه. فلما وصل إلى أدنى البسط:

أعوان رستم: (انزل عن فرسك).

فهمز فرسه فسارت على البسط الوثيرة حتى استوت عليها، ثم نزل عنها وربطها بوسادتين من وسائد الحرير المنسوج بالذهب، عمد إليهما فشقهما ثم أدخل الحبل فيهما.

أعوان رستم: (ضع سلاحك).
ربعي: (إني لم آتيكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد وإلا رجعت).

فأخبروا رستم بمقالة ربعي.

رستم: (ائذنوا له، هل هو إلا رجل واحد؟).
فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، فلما دنا من رستم تعلق به الحراس، فجلس على الأرض وركز رمحه بالبسط.

أعوان رستم: (ما حملك على هذا؟).
ربعي: (إنا لا نحب القعود على زينتكم هذه).
رستم لربعي: (ما جاء بكم؟).
ربعي: (الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نقضي إلى موعود الله).
رستم: (وما موعود الله؟).
ربعي: (الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي).
رستم: (قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟).
ربعي: (نعم، كم أحب إليكم، أيوما أو يومين؟).
رستم: (لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا).ربعي: (إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أئمتنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزية فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه وإن كنت إليه محتاجا منعناك، أو المنابذة في اليوم الرابع، ولسنا نبدأك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، وأنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى من قومي)،
رستم: (أسيدهم أنت؟).
ربعي: (لا، ولكن المسلمين كالجسد لبعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم).

رستم لأعوانه: (ما ترون؟ هل رأيتم كلاما قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟).
أعوان رستم: (معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى دين هذا الأعرابي الجائع، أما ترى إلى ثيابه؟!).
رستم لأعوانه: (ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب تستخف باللباس والمآكل ويصونون الأحساب، وهم ليسوا مثلكم في اللباس ولا يرون فيه ما ترون).
فتقدموا إلى ربعي وتناولوا سلاحه وهم يزهدونه فيه.

ربعي لأعوان رستم: (هل لكم إلى أن تروني فأريكم).

ثم أخرج سيفه من خرقه كأنه شعلة نار.

أعوان رستم: (أغمده).

فغمده، ثم رمى ترسا لهم فخرقه، ورموا هم وقايته من الأديم فسلمت.

ربعي لأعوان رستم: (يا أهل فارس إنكم عظمتم الطعام واللباس والشراب، وإنا صغرناهن).

فلما كان من الغد بعثوا أن: (ابعثوا إلينا ذلك الرجل)، فبعث إليهم سعد بن أبي وقاص حذيفة بن محصن.
فحصل معه ما حصل مع صاحبه حرفا بحرف.
فلما وقف على رستم:

رستم: (ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟).
حذيفة: (إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء، فهذه نوبتي).
رستم: (ما جاء بكم؟).

فما زاد ولا نقص عن قول ربعي.

رستم: (قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟).
حذيفة: (لكم ثلاثة أيام من أمس).

فلما لم يجد رستم عند حذيفة إلا ذلك رده، وأقبل على أصحابه.

رستم لأعوانه: (ويحكم ألا ترون إلى ما أرى؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم، وأقام فرسه على ما نحفل به غالي الحرير وربطه به، وقد ذهب إلى قومه في يمن الطائر مع فضل عقله، وجاءنا هذا اليوم فما رأينا منه إلا ما رأينا من صاحب الأمس، ثم رجع كما رجع أخوه).

فلما كان من الغد أرسل أن: (ابعثوا إلينا رجلا آخر منكم)، فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة، فعملوا له مثل ما عملوا لصاحبيه، وعمل هو معهم مثل ما عمل صاحباه.

ثم زاد أن جلس على سرير رستم واتكأ على وسادته، فوثبوا عليه وأنزلوه، وحقروا فعله وشأنه، فلم يغضب المغيرة مما فعل به.

رستم: (إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم، ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا)،
المغيرة: (إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولا بدين الحق لا يرغب عنه أحذ إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز).
رستم: (فما هو؟).
المغيرة: (أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله)،
رستم: (ما أحسن هذا! وأي شيء أيضا؟).
المغيرة: (وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله).
رستم: (وحسن أيضا، وأي شيء أيضا؟).
المغيرة: (والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم).
رستم: (وحسن أيضا) ثم قال: (أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا؟).
المغيرة: (إي والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة).
رستم: (وحسن أيضا).

المغيرة: (كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم، وإنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، وأنا لم آتكم ولكنكم دعوتموني، اليوم علمت أن ريحكم ذاهبة وأنكم مغلوبون، وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول).

أعوان رستم: (صدق والله العربي).
السادة منهم: (والله لقد رمى العربي بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله من سبق منا، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة).

رستم يمد يده إلى كنانة المغيرة: (ما هذه المغازل التي معك؟).
المغيرة: (ما ضر الجمرة ألا تكون طويلة؟!).
رستم: (وما بال سيفك رثا؟).
المغيرة: (رث الكسوة حديد المضربة).

ثم تخير من اللفظ ما يثير الحمية حتى يفضحه على المطاولة، وما ترك رستم إلا وهو متوعد ومنذر.

رستم لخاصته: (أما ترون من أمر هؤلاء القوم أنهم لم يختلفوا، وسلكوا طريقا واحدا ولزموا أمرا واحدا؟! هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين، والله لئن كان بلغ من أربهم وصونهم لسرهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ مما أرادوا منهم، ولئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء).

وما هي إلا أيام حتى كان رستم أسيرا في يد هؤلاء (الأعراب).