فقه النفس في حديث “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”

الحديث الثالث عشر

عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”
[متفق عليه]

وفي لفظ لـ مسلم: “حتى يحب لجاره أو لأخيه” . (وهذا يدل على أن الأمر ربما يتجاوز الأخ المسلم أيضا)
وفي لفظ لـ أحمد: “والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير”. (وهذا يدل على أن المقصود هو الخير)
وفي رواية لـ ابن حبان: “لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يحبَّ للناس ما يُحِبُّ لنفسه من الخير”. (وهذا يدل على أن المقصود بنفي الإيمان: كماله)

نصوص ذات صلة بموضوع الحديث الثالث عشر:

“إن الأبرار لفي نعيم، على الأرائك ينظرون، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون” [القرآن/المطففين/22-26]

فائدة: التنافس في القربات مطلوب، ولا يتعارض مع محبة الخير للآخرين.

“فخرج على قومه في زينته قال الّذين يريدون الحياة الدّنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظّ عظيم وقال الّذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا” [القرآن/القصص/79-80]

فائدة: قابلت الآية بين الذين يريدون الدنيا، والذين أوتوا العلم؛ وكأن طلب الدنيا من الجهل. كما دلت الآية على أن طلب الدنيا ليس مندوبا، ولا يمنح السعادة المرجوة.

“ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما” [القرآن/النساء/32]
فسر التمني هنا بالحسد، أو تمني ما هو ممتنع شرعا أو قدرا، كتمني الرجال أن يكونوا نساء أو العكس

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إنّي أرضى لك ما أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا وأنت راكع، ولا وأنت ساجد” [مسند أحمد، وهو ضعيف]

عن أبي ذرّ رضي الله عنه
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“يا أبا ذرّ، إني أراك ضعيفا، وإني أحبّ لك ما أحبّ لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تولّينّ مال يتيم” [صحيح مسلم]

فائدة: من حب الخير للآخر إخلاص النصيحة له / لها، ويكون هذا بعد قراءة الآخر قراءة صحيحة ومعرفة ما ينفعه / ينفعها

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه
أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإيمان، فقال:
“أفضل الإيمان: أن تحبّ لله، وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله”
قال معاذ: وماذا يا رسول الله؟
قال: “أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وأن تقول خيرا أو تصمت” [مسند أحمد، وهو ضعيف]

فائدة: هذا الحديث يدل مرة أخرى على أن انتفاء الإيمان يعني نقصانه لا انعدامه

عن يزيد بن أسد القسري
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“أتحبّ الجنّة؟”
قلت: نعم
قال: “فأحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك” [مسند أحمد، وهو ضعيف]

فائدة: إما أن يكون حب الخير للآخر مفتاحا من مفاتيح الجنة، وإما أن يكون التوجيه النبوي هنا إلى حب الجنة للآخرين كما نحبها لأنفسنا

عن عبد الله بن عمرو بن العاص
عن النّبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:
“من أحبّ أن يزحزح عن النّار ويدخل الجنة فلتدركه منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس الذي يحبّ أن يؤتى إليه” [صحيح مسلم]

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إن الرّجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه
فيدخل في قوله: “تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتّقين”
[تفسير الطبري] + [تفسير ابن أبي حاتم] + [تفسير أبي حيان] + [تفسير ابن كثير] + [تفسير السيوطي]

وكذا روي عن الفضيل بن عياض في هذه الآية، قال:
“لا يحبّ أن يكون نعله أجود من نعل غيره، ولا شراكه أجود من شراك غيره”
[تفسير ابن كثير]

فائدة: ربما اعتبر البعض أن في هذا شيئا من المبالغة في تهذيب النفس، أو شيئا من تحريم الحلال، ولكن ينبغي التوقف عند أمرين:
الأول: أن هذا رأي رجلين من السلف، وهو من الورع، وليس نصا من الوحي يفيد الحل أو الحرمة
الثاني: أن تزكية النفس ربما تطلبت شيئا من هذا، سيما في زمن العولمة المادية والاستهلاك

عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة الرّهاويّ
فأدركته وهو يقول:
يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أحبّ أحدا من النّاس فضلني بشراكين فما فوقهما، أليس ذلك هو من البغي؟
فقال: “لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بطر (أو قال: سفه) الحق وغمط الناس”. (وفي رواية: الكبر، بدل البغي)
[مسند أحمد] + [الحاكم] + [سنن أبي داود] وهو صحيح

فوائد:
الجمال عند العرب لم يكن محصورا في حسن الوجه فقطـ، بل ربما عني به حسن الطلعة أو بهاء الشخصية أو الحضور المميز أو غيرها
الصحابي هنا لا يكره للآخر الخير، إنما هو لا يريد أن يكون من هو (أعلى منه شأنا) في أمر من أمور (الدنيا)
الكبر: بطر الحق وغمط الناس؛ والتواضع: أن أقبل الحقّ من كلّ من جاء به، وإن كان صغيرا.

عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
“لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النّهار، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقرؤه آناء الليل وآناء النهار”
[متفق عليه]

كان محمّد بن واسع يبيع حمارا له
فقال له رجل: أترضاه لي؟
قال: لو رضيته لم أبعه.
[حلية الأولياء] + [تاريخ دمشق]

فائدة: أين من هذه القصة ما يجري في الأسواق وفي عالم الإعلانات التجارية ومندوبي المبيعات وغيرهم ؟!

وعن محمد بن واسع أيضا أنه قال لابنه:
“أمّا أبوك، فلا كثّر الله في المسلمين مثله”
[حلية الأولياء]

فائدة: عبارات مثل هذه لا تعني احتقار الشخص لنفسه، بقدر ما تعني أن معرفة (حقائق الأشياء) ربما تكون أسوأ وأشد مما نتوهم أحيانا، كما أن ما يظهر من النفس هو مما تجتهد في تهذيبه قبل خروجه وظهوره للناس، أما ما يخطر لها من خطرات فهي متعذرة على التوقف والمعالجة دائما.

عن الفضيل بن عياض:
“إن كنت تحبّ أن يكون الناس مثلك، فما أديت النّصيحة لأخيك (أو: لربك )، كيف وأنت تحبّ أن يكونوا دونك ؟!”
[حلية الأولياء]

فائدة: هذا أيضا من الورع ومن الاجتهاد في التزكية، وتتبع هذه الكلمة ما سبقها من شرح من أن النفس ربما علمت عن ذاتها ما لاتحبه للآخرين.

عن الشافعي:
“وددت أنّ النّاس تعلّموا هذا العلم، ولم ينسب إليّ منه شيء”
[حلية الأولياء]

فائدة: كلما كان الأمر لله، كلما ذابت النفس في فلك رضا الله، ولم يعد للآخر مقام يذكر في تشتيت النفس عن أهدافها

وعن عتبة الغلام أنه كان إذا أن يفطر يقول لبعض إخوانه المطّلعين على أعماله:
“أخرج إليّ ماء أو تمرات أفطر عليها؛ ليكون لك مثل أجري”
[حلية الأولياء]

فائدة: إذا بلغت النفس مبلغها من حب الخير للخير، فاضت على الآخرين بهذا الحب وهذا الخير

من فقه النفس في الحديث الثالث عشر

• أنس بن مالك، الغلام والخادم الذي أصبح مقرئا ومحدثا ومفتيا وإماما، فكيف كانت تربيته؟ وكيف كانت خدمته.
• أنس بن مالك كان (كاشفا) لحياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؛ والسؤال هنا: ترى ماذا سيقول خدمنا عن بيوتنا لو سئلوا ؟!
• قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم”. [صحيح البخاري]
• الخدمة ليست عيبا، بل هي شرف. ولكن لمن؟ وكيف؟
• هذا الحديث يزن كفة ربما رجحت بالحديث السابق “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، فقد يتوهم البعض أن الإسلام يأمر النفس بأن لا يكون لها شأن بأحد، فنجد الحديث هنا ينبه النفس إلى ضرورة أن لا تنسى أنها جزء من مجتمع الإنسانية.
• ما معنى “لا يؤمن” ؟! نفي بلوغ حقيقته ونهايته، فإن الإيمان كثيرا ما ينفى لانتفاء بعض أركانه وواجباته. [الإيمان]
• ما يتبع “لا يؤمن” يدل على الوجوب، فإن الإيمان لا ينفى لترك أمر مستحب. [الإيمان]
• لا يؤمن: إذا كان الإيمان تصورا أو فكرة، فيجب على النفس العمل على تغذيته إيجابيا بالعلم والعمل = فكرة – شعور – سلوك
• إذا كان ثمة قصور في التصور الأصلي (الإيمان) = فقدت النفس اللذة بالكل.
• إذا كان الله هو الأول في حياتي، فإن فكرتي وشعوري وسلوكي ستكون محكومة بوحي الله، ويكون شعوري تجاه الآخر محكوما بالوحي كذلك.
• فقه النفس بين الأثرة والإيثار: الأثرة حب الأنا على حساب الآخر، والإيثار حب الخير للنفس وللآخرين.
• حتى يحب لأخيه (ما) يحب لنفسه: ما الذي أحبه لنفسي أصلا ؟! وهل هي محبة حق ؟! وماذا لو كنت أحب لنفسي الشر ؟!
• ما ينبغي أن أحبه لنفسي: الخير، والطاعة، والقربات، وصحبة الصالحين، والمتعة الحلال، والجنة، ورضا الله
• ماذا عن “الإيثار بالقرب” ؟! هل يجوز لي أن أؤثر غيري بطاعة مندوبة ؟!
• ماذا عن القول بكراهة “الإيثار بالقرب” للأدلة الواردة على الأمر بالمسابقة إلى الخيرات والمسارعة لها ؟!
• أن أحب للآخر ما أحبه لنفسي، لا يعني بالضرورة أن أكره الآخر على ما أكرهه لنفسي
• أن أحمل هم الآخر أو الأمة لا يعني أن أتحول إلى هم متنقل وثقل على الآخرين
• “وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ….. يا ليت قومي يعلمون”
• وجوب حب الخير للآخر يدل عقلا على وجوب سلامة الصدر من الغلّ والغشّ والحسد
• إذا وصلت إلى “أن أحب للآخر ما أحبه لنفسي” فقد تجاوزت بطبيعة الأمر أن يكون في نفسي شيئا سالبا على الآخر.
• الإسلام دين شامل، من العلاقة بين المخلوق والخالق، إلى العلاقة بين المخلوقين في المجتمع الإنساني.
• ماذا قال ليو تولستوي عن هذا الحديث ؟!
• تدبر: التخلية، الفعل ورد الفعل، مواقع التواصل الاجتماعي، المنافسة في الأعمال الدينية والدنيوية، النصيحة، الإعلانات التجارية، مندوب المبيعات، التسويق.
• تطبيقات: التوقف قبل الفعل أو رد الفعل، خدمة أقدمها للآخر هذا الأسبوع (والأقربون أولى بالمعروف، وذوو الحاجة)، الدعاء للآخر بظهر الغيب (الوتر)