العادة السرية

بسم الله الرحمن الرحيم

العادة السرية ، أو الأصح قوله : إدمان الاستمناء ، وما يتعلق به ويتفرع عنه

الحمد لله القائل: (إني جاعل في الأرض خليفة) ، الذي جعلنا خلفاء في الأرض وارتضى لنا ذلك وجعل لنا سلاحين يعيناننا على ذلك، الصحة والوقت، فلا حياة بدون الوقت (العمر)، ولا قدرة على العمل وإعمار الأرض والقيام بمهمة الخلافة في الأرض بدون الصحة؛ ثم الصلاة والسلام على سيد المستخلفين أجمعين، محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، القائل: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، وكأن في هذا إشارة إلى أننا في حاجة حقيقة إلى الاعتناء بهذين العنصرين الأساسيين: الصحة والوقت .

من هنا أبدأ رسالتي هذه حول موضوع له أثر كبير في كلا العنصرين (الصحة والوقت)، ألا وهو إدمان الاستمناء أو ما يعرف ب(العادة السرية) سواء لدى الذكور أو الإناث .

لن أطيل كثيرا في الكلام لأكرر ما هو متوافر في المكتبات عن أسبابها وآثارها وعلاجاتها، ولكنني سأحاول أن أضيف ما أظنه مفيدا إن شاء الله .

لنتفق أولا على حقيقة : أن هذا الموضوع إنما هو لاحق لموضوعات كثيرة تسبقه ، مثل : التربية البيتية الصحية ، مفهوم الجنس والجنس الآخر وما يتعلق به ويتفرع عنه ، الحياة اليومية وما يملؤها من أعمال وأشغال وألعاب وغيرها ؛ ولهذا ، فأنا لن أتناول كل هذا ، ولكني سأجتهد في تلخيص ما أعتقد فيه الفائدة المرجوة .

أقول مستعينا بالله :

مفردات أساسية :

  • (الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّـهُ ۖ)
  • (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) .
  • (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّـهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) .
  • (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).
  • (وَمَن يَهْدِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ).

دعونا نكن واثقين من رحمة الله إذ أعاننا على أن نستشير في مثل هذا الأمر الذي يعتبره البعض شديد الخصوصية ، فهذا دليل على الرغبة الحقيقية في التوبة والإصلاح وتزكية النفس إن شاء الله ، وكما هدانا فسيكون عونا لنا يقينا برحمته . وأود أن أعلق على بعض ما قد يخفى على كثيرين ممن سلموا الشيطان مفاتيح عقولهم وتفكيرهم وسلوكهم فأردى بهم إلى دركات الضياع والضعف ثم الندم السالب الذي لا يقود إلا إلى الخمود والكسل ومزيد من الضعف .

حقيقة الاستمناء ، (التشخيص وتحليل الأسباب) :

ه (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) .

الحديث عن الممارسات الجنسية التي تصاحب مرحلة البلوغ يشمل مواضيع عديدة أحدها الاستمناء وما يعرف بالعادة السرية .
أود أن أشير هنا إلى أهمية الكلام اللاحق (حتى ولو كان الشخص قد مر/ مرت بهذه التجربة) لأن هذا سينفعنا إن شاء الله في الاستعداد والتهيؤ والاحتياط في عملية تربية النفس أولا ثم في عملية تربية الجيل (الأولاد والبنات) حتى لا نجني عليهم كما جنت على كثير منا أساليب التربية الخاطئة. علينا أن لا نقفز مباشرة إلى الخطوات العملية للعلاج، فالوصول إلى النتيجة المؤثرة الإيجابية لا يكون إلا بالمرور بعلم المسببات والتشخيص الصحيح ثم الوصول إلى النتيجة المطلوبة بعلم (وليس بجهل) .

ظاهرة الاستمناء هي ظاهرة طبيعية تشكل مفصلا مهما في اكتشاف الإنسان (ذكرا كان أو أنثى) مرحلة البلوغ .

يساعد في ظهور هذه الظاهرة (الاستمناء) :

أولا) طبيعية التغيرات الوظيفية في جسم الإنسان قبيل مرحلة البلوغ الجسدي والنفسي (الهرمونات)، والذي يساهم بشكل كبير في ملاحظة الإنسان تغيرات ذات طابع غريب جديد يدعو إلى الفضول .
ثانيا) فضول الإنسان الذي يدعوه/ يدعوها لملاحظة هذه التغيرات في لحظات الخلوة (والتي ربما تتصاحب مع التعري ، كالوجود في الخلاء مثلا) .
ثالثا) محاولة الإنسان اكتشاف ذلك الشعور الغريب والممتع في نفس الوقت (وذلك بالاستثارة الذهنية عن طريق الصور أو الذاكرة أو الخيالات من جهة والمداعبة الجسدية من جهة أخرى) ولكن :

نتيجة لأسباب كثيرة (أذكر بعضها لاحقا) تتحول هذه المرحلة من مفصل يدل على الوصول إلى حالة البلوغ فقط ، إلى عادة (سرية) تصبح جزءا أساسيا من حياة الشخص لا تمضي حياته إلا بها (أي أنه نوع من أنواع الإدمان) .

أما الأسباب التي تساعد في التحول إلى هذا النوع من الإدمان فأذكر منها :

أولا) الجهل بالتربية النبوية الصحيحة، مما يؤدي إلى الأخطاء (بل الخطايا) في تربية الأبناء والبنات، ولهذا الجهل صور منها :

أولا – أ) التربية البهيمية ، وهي الاهتمام بالرعاية المادية عن التربية النفسية. فنرى كثيرا من أولياء الأمور لا يكاد يولي الأطفال أكثر من تأمين الملبس والمشرب والمسكن إضافة إلى التعليم. وإذا تجرأنا وسألناهم عن التربية أجابوا بفم ملؤه الجهل والسفه والضعف: أي تربية أفضل من هذه؟ هاهم الأطفال يأكلون أحسن أكل ويشربون أحسن شرب ويلبسون أغلى الملابس بل ويدرسون في أفضل المدارس! وقد يتطاول البعض ليفصح عن الكم الذي ينفقه على الأطفال (وكأنهم دواب يغذيهم بغرض التجارة بهم). أما إذا استفسرت عن عدد الساعات التي يمضيها هؤلاء مع أطفالهم فهي لا تكاد تذكر إضافة إلى جهل عدد منهم بكثير من خصوصيات الأطفال (بل إن منهم من يجهل في أي مرحلة دراسية يدرس الأطفال). (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته).

أولا – ب) عدم تحصين الأطفال (من ذكور وإناث) بالمعرفة اللازمة لخوض غمار هذه الحياة؛ وأولها ما أسميه (مثلث مرتكزات الشخصية = الهوية والوظيفة والهدف). فينشأ الأطفال نشأة مادية بهيمية قاصرة لا يعيرون اهتماما لخالقهم ولا لما يريده هذا الخالق منهم ولا لما يريدون أن يكونوه إذا كبروا حتى يتعلموا كيف يحسنون اغتنام وقتهم. (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) (ما نحل والد ولداً من نحل أفضل من أدب حسن) (من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن إليهن فله الجنة) (يا غلام: إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) .

أولا – ت) عدم الإنصات للأطفال في مراحل بلوغهم المبكرة (خصوصا إذا أضفنا إلى هذا حالة فقدان الهوية والوظيفة والهدف التي ذكرناها سابقا). وهذا يشكل حاجزا بين الآباء والأبناء، مما يترك مساحة كبيرة من حياة البالغ/ البالغة مجهولة غير معلومة، وكذلك يعطي المجال للعاطفة غير الموجهة (أو المستغلة بشكل مغلوط) لتظهر في أشكال كثيرة غالبها خطير (كمحاولة تفريغ هذه العاطفة في صورة تعلق بشخص من الجنس الآخر أو بمثل من المشاهير (مثل إيجابي أو سلبي) أو حتى بصورة ذهنية لا تمت للواقع بصلة)، إضافة إلى الشعور السلبي الذي يظهر لدى البالغ/ البالغة على هيئة ضياع (حالة فقدان الهوية). (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم). وعن أنس رضي الله عنه قال: إن كانت الأَمَة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت). وعنه رضي الله عنه أيضا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: (يا أبا عمير ما فعل النغير) والنغير طائر كان يلعب به .

أولا – ث) عدم إشراك الأطفال في النشاطات الاجتماعية المختلفة ومجالس الكبار والاهتمامات العامة (أو إشراكهم فيها قسرا دون حب أو قناعة أو رغبة) مما يشعرهم بنوع من الغربة عن محيطهم، ويمنحهم شعورا بالاضطهاد والكراهية والرفض، ويفسح المجال لضعف الشخصية أن يستولي عليهم بسبب قلة خبرتهم في التعامل الاجتماعي. روى أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه و كان يقعد الحسن على فخذه الآخر ثم يضمنا و يقول: (اللهم ارحمهما فإني أرحمهما). وروى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ولا تحت ورقها. فوقع في نفسي النخلة. فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر. فلما لم يتكلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: هي النخلة. فلما خرجت مع أبي قلت: يا أبتاه! وقع في نفسي النخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت. وفي رواية فإذا أنا أصغر القوم فسكت. وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ فقال للغلام: (أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟) فقال الغلام: لا والله لا أؤثر بنصيبي منك أحدا. فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. وعن أنس رضي الله عنه أنه مر بصبيان فسلم عليهم وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله .

ثانيا) الجهل المرحلي : وهو الجهل بما تحتاجه مرحلة البلوغ من اهتمام خاص ومراعاة شديدة وانتباه دقيق، مما يضع أولياء الأمور في حيرة من الأمر عندما تفاجئهم حالة معينة (كعلاقة سرية أو عادة جنسية سرية أو حتى تدهور في الأداء الاجتماعي أو التحصيل الأكاديمي)، ويلي ذلك التشخيص المغلوط ثم العلاج الخطأ الذي يدفع إلى مشكلات أكبر وأخطر وأشد مرارة. وها هو صلى الله عليه وسلم يرسل أول سفير له إلى الأوس والخزرج ليعلمهم الدين ويدعوهم وهو مصعب بن عمير وقد كان شابا، ويؤمر أسامة بن زيد على الجيش الذي سيفتح الشام وقد كان شابا لم يتجاوز الثامنة عشر، ويجعل من عبد الله بن عباس عالما بالتأويل بتعليمه ومرافقته وإرشاده، ويقبل الشباب اليافع في صفوف الجيوش الإسلامية التي تجاهد في سبيل الله وبعضهم كان حديث البلوغ ولم يتجاوز الخامسة عشر. ولنتأمل إلى الشاب الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله: أريد الزنا. فأدناه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أترضاه لأمك؟ قال: لا. جعلني الله فداك. قال أترضاه لعمتك؟ قال: لا. جعلني الله فداك. قال أترضاه لخالتك؟ قال: لا. جعلني الله فداك. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره؛ فما كان شيء أكره إليه من الزنا .

ثالثا) الجهل الشرعي : وهو الجهل بما ينبغي على المسلم والمسلمة معرفته والقيام به من حقوق وواجبات وحلال وحرام ومنكر ومعروف. أو ما عرفناه سابقا ب الوظيفة (الهوية والوظيفة والهدف) والتي من خلالها يستطيع المسلم وتستطيع المسلمة أن يواجها أي وسوسة من النفس أو الشيطان بسلاح العلم سواء لمنفعة النفس أو الآخرين. وبدون هذا العلم تكون النفس فريسة سهلة لمداخل الشيطان إما بالوقوع في الرذيلة بكل سهولة من ناحية أو بالاستسلام لليأس من رحمة الله من ناحية أخرى. الإفراط والتفريط. وهذا طبيعي مع الجهل. فمن جهل مقام الله وعظمته وقدرته وكرمه وجلاله سهل عليه/ عليها أن يعصيه/ تعصيه. ومن جهل رحمة الله التي وسعت كل شيء والتي لا يعدلها ذنب دون الشرك بالله والتي سبقت غضبه سهل عليه/ عليها أن يقع/ تقع في مستنقع اليأس من رحمة الله. وهكذا نجد المربي الأجل بين خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم يتنزل عليه الوحي بروح الوسطية في التعامل مع مثل هذا الأمر. فنقرأ: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب. من يعمل سوءا يجز به) حتى أن بعض العلماء اعتبر هذه الآية أخوف آية في القرآن. لأسباب منها أن الآية لا تترك مجالا لأحد كي يتناسى الذنب. ولكننا نقرأ في ذات الكتاب القرآن الكريم: (قل: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ممن رحمة الله) (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) حتى أن بعض العلماء اعتبر هذه الآية/ الآيتين أرجى آيات القرآن. لأسباب منها أن مثل هاتين الآيتين لا تدع مع الرحمة ذنبا يذكر إذا لم ينتف التوحيد. وهكذا يبقى المسلم وتبقى المسلمة معلقين بين الخوف والرجاء. (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) فلا خوف وحده حتى اليأس ولا رجاء وحده حتى الاستهتار. (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) (إذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة) (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) .

رابعا) الفراغ الذهني . وعندما نذكر الفراغ لا نعني به عدم وجود عمل مادي (كدراسة أكاديمية أو عمل في وظيفة حكومية أو قطاع خاص أو حتى العمل ضمن بيئة ضيقة كربات البيوت أو العاملين في الجمعيات الخيرية). كلا. فهذا تفكير سطحي بعيد عن الحقيقة وواقع الحياة اليومية وعمق الرؤية لهذه الحياة كما أرادها خالقها. ولكننا نعني أولا الفراغ الروحي والعقلي ومن ثم الفراغ المادي. نعود لنتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس. الصحة والفراغ). ومن واقع ملفات الحياة والناس والمجتمعات المختلفة نقول: الفراغ رفيق ملازم للشر وشرك الشيطان والوسواس. ويتبع أمر الفراغ أمر عظيم الأهمية .

خامسا) الصحبة . فالصحبة لا يقف دورها عند التأثير المباشر وغير المباشر في الشخصية فقط. بل يتعدى ذلك إلى الأسلوب الذي تستغل فيه هذه الصحبة الوقت. لا يكفي أن يكون لدي صحبة من النمط الطيب الصالح. ولكن الأهم من ذلك هو كيف تستغل هذه الصحبة الوقت. فنرى كثيرا ممن يعتبرهم الناس (طيبين وطيبات) هم في الحقيقة ممن لا هوية أو وظيفة أو هدفا واضحا دقيقا مؤثرا. نعم قد تكون الصحبة ممن لا يمارس الحرام الواضح (المسكرات والعلاقات المحرمة والشهوات المنكرة). ولكنها (في نفس الوقت) لا تمارس الواجب المفروض المعروف. مجالس كثيرة لا يتخللها حرام واضح ولا يتخللها أيضا عمل نافع. معظم الوقت يمضى في الأمور التي تتأرجح بين الشبهات والمباحات واللهو لكنها في المحصلة النهائية تحسب علينا (تخصم بشكل سلبي من عداد العمر الطويل). (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) .

سادسا) المثيرات . وأعني بها مثيرات كلا الجنسين ذكورا وإناثا. والكلام في أمر المثيرات طويل وتفصيلاته كثيرة. إلا إن ما يهمني منه هنا هو ضرورة الوعي بأن التنوع الغريب والمفاجئ والمتفجر في المثيرات الحديثة (الإعلام ووسائله المتعددة وأخص منه القنوات الفضائية. ووسائل الترفيه المنتشرة. والتبرج الذي أخذ في الظهور بشكل لا أظنه مسبوقا بمثيل له في التاريخ. وغيرها) كل ما سبق وغيره قد يسبب الاعتياد غير الإدراكي لهذه المثيرات (أي اعتيادها دون قصد) مما يجعل من الصعب على حياة الإنسان أن تمضي بسهولة دون وجود هذه المثيرات. والمشكلة تبدأ بعد أن يفاجأ الإنسان بأن هذه المثيرات لا تقف عند الشعور بالمتعة العابرة بل هي بداية لسلسلة من التفاعلات الحيوية والتي تنتهي بشحنة عظيمة تبحث عن ثغرة للتفريغ . والمشكلة الكبيرة في المثيرات (المتكررة) هي اعتياد العين وما وراءها من خلايا دماغية على صورة معينة وشكل معين ونمط معين ، مما يجعل المستقبلات العصبية لا تعمل إلا به ولا تستجيب إلا له ولا تستثار إلا من خلاله ، الأمر الذي قد يؤثر سلبا على الحياة الجنسية للشخص حتى في مستقبل الزواج . (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زِينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن) .

سابعا) الجهل بولاية الأمر ، أو الجهل الإداري – الحكومي : ويظهر في تقصير الجهات المسئولة والذي يتمثل في عدم احتواء البالغين والبالغات في أماكن توجه طاقاتهم وطاقاتهن في الطريق الأمثل. بدءا بقلة أو انعدام الأماكن التي قد تحتضن الأطفال في سنواتهم الأولى. مرورا بالافتقار إلى البرامج العملية التربوية ذات الطابع الذكي المتطور الحكيم في المدارس والجامعات وأماكن العمل. وانتهاء بغياب دور التربية من أماكنها الحقيقية المؤثرة (كالبيت والمسجد والمدرسة). (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته. والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته. والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته. فكلكم راع ومسؤول عن رعيته) .

سبب آخر وهو محصلة لما ورد من أسباب . الشعور السلبي العام بالإحباط وعدم الإنتاجية ومن ثم اللامبالاة. وهكذا. يتساهل الشاب/ الشابة في ترك نفسيهما للوقوع بسهولة في شرك الخطيئة لأنهما يظنان أنه لا علاقة لهما أو لا مسئولية على عاتقهما أو أن أفعالهما لا تؤثر على الأمة ككل. ينسيان أو يتناسيان أنهما لبنة في بناء لا يكمل بحق إلا (بعد رحمة الله وفضله) بهما. لا يشعران بالانتماء إلى دولة الإسلام العظيمة التي قد ينخر فيها السوس بأشكال كثيرة منها معاصي أبناء الدولة. نجد مواطنين في هذه الدولة يغرقان في الخطيئة ثم يبكيان دما إذا استيقظت النفس اللوامة عند صلاة ركعتين أو الاستماع لدعاء شيخ أو داعية أو واعظ أو رؤية مظهر من مظاهر الظلم الواقع على هذه الأمة (كحال أهلنا في فلسطين أو العراق أو المسلمين حول العالم). كل هذا وغيره نتيجة لشعور الإحباط العام. (أفمن كان ميتا فأحييناه.) (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) (اليد العليا خير من اليد السفلى) .

ماذا أفعل إذا ابتليت بهذا النوع من (الإدمان) ؟

حتى لا أطيل . علي أولا أن أراجع الأسباب التي سبق ذكرها لأرى أين يكمن الضعف لدي :

ويلي ذلك :

أولا) علاج الجهل . العلم ، ولا أقول المعرفة . بل العلم اليقيني الذي يستند على الأصول الثابتة والمراجع والاستقراء ، وأهم ما ينبغي على المسلم/ المسلمة علمه في هذا الأمر (وفي غيره) :

أولا – أ) العلم بعظم حق الله على العباد. وهو ما سبق الإشارة إليه بمثلث مرتكزات الشخصية (الهوية والوظيفة والهدف). فلأتصور شخصا يدعي/ تدعي أنه/ أنها مسلم/ مسلمة ثم أجدهما على وجه هذه الأرض ولا علاقة لحياتهما بالهوية الإسلامية أو الوظيفة الإسلامية أو حتى الهدف الإسلامي.!!! كيف لا يتسرب الخلل إلى عقليهما ومن ثم نزوعهما انتهاء بسلوكهما؟ وعادة ما أسأل هذا السؤال: ماذا لو اطلع الله علي من فوق سبع سماوات ليباهي بي الملائكة ثم وجدني على الهيئة التي أنا عليها؟ وأذكر هنا الحديث الصحيح الذي يذكر أن أحدهم سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي رجلا صالحا من قومك) .

أولا – ب) العلم بالهوية. من أنا؟ هل أنا هذه النفس الأمارة بالسوء على الدوام؟ أم أنا النفس اللوامة على الدوام التي لا عمل لها إلا اللوم والعتب والوصول بصاحبها إلى اليأس أو العمل بجد؟ أم أنا تلك النفس المطمئنة التي تحيا الحياة اليومية بطمأنينة وهدوء واستقرار؟ هل أنا أنتمي للدين الأصيل في هذه الحياة والذي ارتضاه خالقي والذي أرسل به الرسول القدوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ أم أنني أنتمي إلى أفكار أخرى (حتى لو ادعيت انتمائي للإسلام)؟ أم أنني فاقد للهوية (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) ؟

أولا – ت) العلم بالوظيفة. لم أنا (النصف الأول من هذا السؤال)؟ لم أنا على هذه الأرض؟ لم خلقني الله تعالى؟ ما هي وظيفتي التي علي أداؤها؟ أنا الإنسان. المسلم/ المسلمة. الابن/ الابنة. الأخ/ الأخت. الزوج/ الزوجة. الأب/ الأم. العامل/ العاملة (الطالب/ الطالبة. المعلم/ المعلمة. المهندس/ المهندسة. الطبيب/ الطبيبة. وغيرها). ولكل وظيفة من هذه الوظائف حقوق وواجبات. لو انشغلنا بها لم يكفنا اليوم بأكمله. (إني جاعل في الأرض خليفة) .

أولا – ث) العلم بالهدف. لِمَ أنا ؟ إذا لم أحدد هدفي بدأت طريقي نحو الضياع. لماذا أحيا؟ لماذا أبرّ والديّ؟ لماذا أدرس؟ لماذا أعمل؟ لماذا أنشئ أسرة؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) .

أولا – ج) العلم بمجريات الحياة اليومية. العلم بكل ما أحتاجه في يومي. وهنا أقول: علينا أن نحاول جهدنا أن نقلل من كلمة (لا أدري) فيما يتعلق بأساسيات الحياة اليومية. ولا أعني هنا التكبر وعدم الاعتراف بالجهل. ولكنني أدعو أن نعمل جاهدين لأن نعلم ونعلم ونعلم. أن نعلم كيف نستيقظ ونصحو ونتوضأ ونصلي ونخرج إلى أعمالنا ونحيا في بيوتنا وأسرنا وبين أهلينا وأصحابنا وجيراننا والناس جميعا من حولنا إلى أن نلقى الله العلي الجليل. (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) .

ثانيا) علاج الفراغ الذهني . الانشغال بما ذكرناه سابقا من تحديد للهوية والعمل على تحقيق الوظيفة (أو الوظائف) والسعي لبلوغ الهدف. ووالله. إن الانشغال بهذه الثلاثية (الهوية والوظيفة والهدف) سيحتاج إلى 24 ساعة زيادة على اليوم والليلة. (والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع. عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه) وفي رواية (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأله عن خمس. عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل في ما علم) .

ثالثا) علاج أمر الصحبة. (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). والحذر من العزلة بحجة الابتعاد عن مواطن الفتنة (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم). وأرجو هنا مراجعة ما ذكرناه سابقا حول أهمية الصحبة وأهمية نوعية قضاء الوقت مع هذه الصحبة. والصحبة الطيبة كفيلة بالمشاركة الفعالة في علاج الفراغ. وأؤكد مرة أخرى على كيفية قضاء الوقت مع الصحبة .

رابعا) علاج المثيرات. الاستعداد لمواجهتها إن اضطررنا للتعامل معها. مع الحرص الشديد على محاولة اجتنابها واجتناب كل ما يوصل إليها. (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زِينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زِينتهن إلا.). وهنا يبرز تساؤل مهم : لماذا لم أكتف بالقول : الابتعاد عن المثيرات؟ وأظن أن الإجابة واضحة. فالمثيرات (نسأل الله العافية) أمست أكثر من أن يكون الابتعاد عنها أمرا يسيرا لأسباب كثيرة منها أنها تكاد تكون متناثرة في كل الأرجاء (إلا ما رحم الله) ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولكننا نحسب أن ما ذكرناه سابقا في أمر العلم والفراغ والصحبة كفيل إن شاء الله بالوقاية من المثيرات وتقوية المسلم/ المسلمة إذا واجها إحدى تلك المثيرات. شتان بين شاب يرى منظرا محرما فتكون استجابته الفورية: الاستعاذة وحمد الله على نعمة الهداية والدعاء للعاصي/ للعاصية بالهداية والتوبة والرحمة. شتان بينه وبين الشاب الذي يستجيب للصورة المحرمة بالوقوع مباشرة في الإثم والاستسلام لحبائل الشيطان وانتهاء بالندم والسخط ولعن العاصي/ العاصية. وشتان بين فتاتين تمر أمامهما نفس الصورة المثيرة فتستجيب الأولى بالتعليق الإيجابي المطمئن المستند إلى العلم (لا الجهل). في حين تستجيب الأخرى بالصمت (الذي غالبا ما يدل على جهل واستسلام للخيال المريض وفراغ روحي) والاستجابة البشرية الضعيفة ومن ثم الوقوع في الإثم. وشتان بين شخص يستقبل الصورة ليصفها بما هي عليه (من عري أو عهر أو فسوق) وبين من يستقبلها كمظهر من مظاهر الجمال والفتنة والرغبة !!! وكم قابلت من شباب (متدينين) وربما يكونون من أهل (الدعوة والنهضة) لكنهم يعترفون أنهم يريدون أن تكون زوجاتهم (نسخة) لتلك (الغانية أو العاهرة) التي تسوّق جسدها على التلفزيون أو الإنترنت !!! إن الفارق بين هذا وذاك وهذه وتلك هو الاستعداد والعلم (بالهوية والوظيفة والهدف) والمحصلة المتمثلة في شخصية مطمئنة بصلتها بخالقها وانشغالها بوظيفتها والسعي لهدفها وهو إرضاء الله والفوز بجنته وصحبة رسوله الحبيب صلى الله عليه وسلم وصحبة الذين جاهدوا من قبل وتابعيهم. أقول باختصار: إن علاج المثيرات هو الوقاية منها قبل الوصول إليها. أما علاجها بعد الوقوع فيها فهي مرحلة متأخرة. ونعود مرة أخرى هنا لتأكيد أهمية العلم. قال جل ذكره: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (وما يعقلها إلا العالمون) (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون). وقال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) (وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) .

خامسا) علاج الشعور بالإحباط. عند محاولة تطبيق كل ما مضى نجد أن المسلم والمسلمة يتحولان إلى شخصين يعلمان حق الله عليهما. عاملين لتحقيق الهوية والوظيفة والهدف. مستغلين لكل وقتهما. منتجين نافعين مفيدين للنفس والمجتمع والأمة. وبهذا فإن الشعور سيتحول تلقائيا إلى شعور بالقيمة والانتماء والهمة العالية. ولن يكون من السهل على النفس الأمارة بالسوء أو الشيطان (من الجنة والناس) أو أي مثير من المثيرات أن يتمكن من التغلب على المسلم والمسلمة بشخصيتيهما المؤثرتين. وقيل: (إن التفوق يأتي عادة لأولئك الذين شغلتهم أعمالهم ونجاحاتهم وتفوقهم عن البحث عن التفوق) .

وأما الأمر الأخير والأهم الذي رأيت أثره البالغ في الكثيرين، وأكثرهم من “الملتزمين والملتزمات”، فهو الفرق بين العيش من جهة والحياة من جهة أخرى، الفرق بين محاولة السعادة من جهة والسعادة من جهة أخرى، الفرق بين تنفيذ كل ما سبق تنفيذا آليا خاليا من عمق الشعور من جهة وبين الشعور بكل ما أحياه من جهة أخرى. هذا العامل الأخير هو الفيصل بين أن أكون سعيدا/ سعيدة في حياتي اليومية فلا أدع مجالا أو فراغا للحزن أو الضيق الذي من شأنه أن يدعوني إلى العزلة ومنها إلى الخلوة السالبة التي ستمنح للنفس الأمارة بالسوء وللشيطان بالدخول والاقتراب مني أو حتى التأثير علي. وهنا أقول: لا أتصور نفسي سعيدا منتشيا فرحا برحمة الله ثم أدنو بنفسي لأعاقبها هكذا عقاب .

الخلاصة :

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖوَاتَّقُوا اللَّـهَ)
  •  (أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي رجلا صالحا من قومك)
  •  (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس. الصحة والفراغ)
  •  (لا تجعل الله أهون الناظرين إليك)
  • أحب الخلق إلى الله يحبك وينتظر لقاءك عند الحوض

وصل اللهم وسلم على سيدي وحبيبي ومعلمي وقدوتي وشفيعي بإذن ربي
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

أخوكم الفقير إلى عفو ربه والراجي رحمته
عبد الرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي
رمضان للسنة الهجرية 1426 الموافق لشهر تشرين الأول (أكتوبر) للسنة الميلادية 2005