السلفيون هم العقلانيون

السلفيون هم العقلانيون
أ. د. جعفر شيخ إدريس

قال صاحب العالِم السلفي له وهو يحاوره : إنكم – معشرَ السلفيين – متهمون
بأنكم لستوا بعقلانيين !
قال العالم السلفي : إذا كان المقصود بالعقلانية قبول مقتضيات العقل ، بأن
تقبل النتائج التي تؤدي إليها الحجة العقلية الصحيحة ، وبأن لا يقبل التناقض وألا
تُقبَل دعوى إلا بدليل ، وإذا كان المقصود به إعمال العقل والتفكر ؛ فنحن أجدر من
غيرنا بوصف العقلانية .
قال صاحبه : كيف تكونون أكثر عقلانية من غيركم وفيهم من يقدم العقل على
النص ؟ أليس مثل هذا أجدرَ بوصف العقلانية منكم ؟
قال العالم : بل هذا من قلة عقلهم !
قال صاحبه : كيف ؟
قال العالم : أليسوا مسلمين دلّتهم عقولُهم على أن محمداً رسول الله – صلى
الله عليه وسلم – ، وأن الكتاب الذي جاء به هو كلام الله ؟
قال صاحبه : بلى !
قال العالم : فقد علموا – إذن – أن ما قاله الله في كتابه أو على لسان رسوله
– صلى الله عليه وسلم – هو الحق الذي لا ريب فيه ؟
قال صاحبه : أَجَلْ !
قال العالم : فما معنى أن تجعل العقلَ فوق كلام تعلم أنه الحق ؟
قال صاحبه : فماذا تقولون أنتم معاشر السلفيين ؟
قال العالم : نقول ما قال كثير من أئمتنا : إن ما دل عليه العقل الصريح لا بد
أن يكون موافقاً لما جاء به النقل الصحيح ، فإذا حدث خلاف بينهما في أمر معين ؛
فلا بد أن يكون راجعاً إما إلى : خطأ في نقل النص ، أو في فهمه ، أو في أن ما
نُسِب إلى العقل ليس في الحقيقة بعقل صريح .
قال له صاحبه : إن هؤلاء المسمين بالعقلانيين يقولون : إنكم لا يمكن أن
تكونوا عقلانيين ، وأنتم تبنون دينكم على التبعية لأناس لا مزية لهم إلا أنهم سلف
عاشوا في الماضي ؟
قال العالم السلفي : نحن أولاً لا نأخذ ديننا من الرجال سواء كانوا في الماضي
أو في الحاضر . إن مصدر الدين عندنا هو كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله
عليه وسلم – ، لا نقدم عليهما غيرهما ، كما أمرنا الله – تعالى – بقوله : ] يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [
(الحجرات : 1) .
قال صاحبه : فما صلتكم بأولئك السلف إذن ؟
قال العالم السلفي : دعنا أولاً نحدد ماذا نعني بالسلف . السلف عندنا هم
أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، ثم التابعون لهم ، ثم تابعو أولئك
التابعين . وصِلَتُنا بهم هي الاقتداء بهم في فهم الدين وتطبيقه لأسباب إذا تدبّرها
الإنسان وجدها في غاية العقلانية .
قال صاحبه : ما هذه الأسباب ؟
قال العالم : منها أولاً : أن الله – تعالى – قد أثنى على أصحاب رسول الله
– صلى الله عليه وسلم – ثناء يدل على فقههم للدين وإخلاصهم في العمل به ،
من ذلك قوله – تعالى – : ] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً
يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [ (الفتح : 18-19) .
] وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [ (الحجرات : 7) .
وثانياً : أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال : « خير الناس قرني ، ثم
الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم » .
والخيرية تتضمن الفقه في الدين وحسن العمل به ، كما قال – صلى الله عليه
وسلم – : « من يُرِدِ اللهُ به خيراً يفقّهْهُ في الدين » .
وثالثاً : أن هذه الأجيال الثلاثة هي الأجيال التي نزل القرآن بلغتها وتكلم
الرسول – صلى الله عليه وسلم – بلسانها ؛ فهي أجدر بأن تفقه كلام الله وكلام
رسوله – صلى الله عليه وسلم – من غيرها ؛ ولأن الصحابة منهم عاصروا نزول
الوحي ، وشهدوا المناسبات التي تكلم فيها الرسول – صلى الله عليه وسلم – ،
فتعلموا منه مباشرة كما تعلم بعضهم من بعض .
ورابعاً : أن الله – تعالى – أمرنا بأن نقتدي بكل من شهِد له بأنه على الحق ،
كما قال – تعالى – : ] أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [ (الأنعام : 90) .
قال صاحبه : لكن هذا معناه أنكم تجمدون على فهم قديم للدين ولا تسمحون
بفهم جديد له ولا اجتهاد فيه ؟
قال العالم : أولاً : إنه لا يضير الفهم الصحيح أن يكون قديماً أو جديداً ؛
فنحن ما نزال نحاول فهم الشعر الجاهلي كما فهمه من سبقنا ، ولا يزال الغربيون
يحاولون فهم فلسفات اليونان كما فُهمت في عصرها .
وثانياً : إن مما نتلقاه من السلف هو ما يمكن أن تسميه بالإدراك الأساس
لمعاني النصوص ، وهو إدراك ضروري لكل تفكّر في النصوص واجتهاد فيها .
قال صاحبه : ماذا تعني ؟
قال العالم : أعني أنك إذا لم تدرك المعنى الأساس للكلام ؛ فكيف تتأمله أو
تفكر فيه ؟
قال صاحبه : إذن ؛ فأنتم تُعمِلون العقل حتى في النصوص ؟
قال العالم : أجل ! لأن ربنا يأمرنا بأن نتدبر كتابه ؛ وهل يكون تدبر إلا
بإعمال العقل ؟
قال صاحبه : ما الفرق إذن بينكم وبين من يسمَّوْن بالعقلانيين ؟
قال العالم : نحن لا نسلِّم بأنهم هم العقلانيون ، بل نرى في منهجهم تناقضاً
يتنافى مع العقلانية كما ذكرت لك من قبل .
قال صاحبه : فما مجال العقل في الشرع في رأيكم ؟
قال العالم : يعمل العقل في مجالات كثيرة بيّنها القرآن الكريم ، فمنها إدراك
المعنى الأساس ، وهو إدراك عقلي يستوي فيه المؤمن والكافر الذي يتكلم اللغة التي
نزل بها كتاب الله وتحدث بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – . قال
– تعالى – : ] أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ
يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ (البقرة : 75) .
إن الإنسان لا يؤمن بكلام أو ينكره ، ولا يرويه على حقيقته أو يحرفه ؛ إلا
بعد أن يعقله .
قال صاحبه : شيء آخر مهم يتهمونكم به ويعدونه أمراً مخالفاً للعقل ؛ يقولون :
إنه على الرغم من أنكم تقرؤون قول الله – تعالى – : ] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ البَصِيرُ [ (الشورى : 11) ، إلا أنكم في الواقع تشبِّهون الله – تعالى –
بمخلوقاته حين تصفونه باستواء حقيقي ، ونزول حقيقي ، أو تقولون : إن له عيناً
حقيقية ؟
قال العالم : فماذا يقولون هم ؟ أيقولون إن الله – تعالى – يصف نفسه
بأوصاف غير حقيقية ؟
قال صاحبه : يقولون : إن هذه الصفات لا يتصف بها على حقيقتها إلا
المخلوقات ، ولذلك فلا بد من تأويلها حين يوصف بها الله ، تعالى .
قال العالم : هذا أيضاً من قلة عقلهم وضيق عطنهم ، وإلا فأين وجدت في
العقل ما يدل على أن الصفات الحقيقية هي صفات المخلوقات ؟ بل إن الذي يدل
عليه العقل وتدل عليه المشاهدة ؛ هو أن للصفات معاني تأخذ كيفيات مختلفة بحسب
الموصوف بها ؛ فالعين – مثلاً – لها معنى واحد ، لكن عين الإنسان غير عين
الحمامة ، وعين الحمامة غير عين الجمل ، وهكذا . فإذا صح هذا في المخلوقات
التي بينها شبه ، فلماذا لا يصح بالنسبة لله الذي ليس كمثله شيء ؟
إننا نعرف معاني صفات مثل : العين ، والاستواء ، والنزول ، والرحمة ؛
لكننا لا نعرف الكيفيات التي يتخذها حين يتصف بها الخالق ، سبحانه . وهذا هو
معنى قول الإمام مالك : الاستواء معلوم والكيف مجهول .
ثم إنك إذا جعلتها قاعدة لك مطّردة ؛ أن لا تصف الله – تعالى – بصفة
يتصف بعض مخلوقاته بمعنى من معانيها ؛ انتهى بك الأمر إلى إنكار وجود الخالق ؛
لأنك لن تستطيع حينئذٍ أن تصفه – سبحانه – حتى بأنه موجود ما دمت تصف
مخلوقاته بهذه الصفة ، ولن ينفعك أن تقول ( إنك تلجأ إلى التأويل ) لأنك حين
تؤول لا بد لك من استعمال صفة الصفات ، كل ما هنالك أنك تستبدل بالصفة التي
جاءت في كتاب الله صفة أخرى ؛ فهل تؤوِّل هذه ثم تؤوِّل التي أوّلت بها .. وهكذا
إلى ما لا نهاية ؟