من أين أبدأ؟

من أين نبدأ في رحلة التحرير؟!

ولقد اعتدت أن أجيب عن سؤال من (أين أبدأ) بقصة حدثت معي في دبي في العيادة النفسية (مع أنها تكررت بعدها، إلا إن هذه القصة استوقفتني أكثر من غيرها لتميزها في أكثر من جانب).

بدأت القصة حين اتصلت بي إحدى الأخوات لتخبرني أنها تود أن تزورني في العيادة النفسية؛ وكانت قد حضرت لي إحدى الدورات التدريبية التي عقدت في (أبو ظبي) في مكتب حرم رئيس الدولة. لم أكن أعلم حتى اتصالها أنها من العائلة الحاكمة. عندما اتصلت بالعيادة أخبرتني أنها تريد أن تحضر من (أبو ظبي) برفقة شقيقها الأصغر الذي تود مني أن أجلس معه (جلسة نفسية تربوية).

سألتها عن السبب أو الأسباب (أو الأعراض) التي دعتها للتفكير في استشارتي بشأنه، فأخبرتني أنه أنهى الثانوية العامة للتو، ولكنه عازف عن الدراسة ومتابعة الحياة الأكاديمية، بل هو عازف عن أي أمر جاد في الحياة. كما أخبرتني أنه يسهر الليل في محادثات على الإنترنت وتحميل الأفلام الأجنبية ومشاهدتها، ويبقى على هذه الحالة حتى قبيل صلاة الفجر ثم ينام إلى ما قبل صلاة العصر، وهكذا دواليك. كما أكدت لي على مدى حساسية الأمر لما يمثله هذا الشاب في (العائلة الحاكمة) ولما يمكن أن يكون عليه يوما ما.

لافتة: لعل هذا الوصف يحق في حال كثير من الجيل الناشئ، ولولا طبيعة المواعيد المدرسية والجامعية، بل والمهنية، لما استيقظ منهم أحد لا لصلاة فجر ولا حتى لصلاة ظهر، بل ولا لأي أمر ذي بال!!!

وفي الموعد، حضرت هي وشقيقها إلى العيادة في دبي. وكعادتي، وكما هي مهمة أي طبيب في ملاحظة مراجعيه، وخصوصا الطبيب النفسي أو المعالج النفسي، فلقد لاحظت سيارته (الفارهة، التي علمت منه فيما بعد أنه قد وضع لها أغطية إطارات من بلاتين = ذهب أبيض!!!) وساعته (الثمينة) وهاتفه الجوال (المصنوع يدويا والذي تبلغ قيمته قيمة سيارة جيدة الصنع). كان هذا كفيلا (مع شيء من الخبرة والتجربة والعلم) ليطلعني على أي نفس من النفوس أتعامل معها؛ كما كان كافيا لأعلم أي نوع من العبودية يرزح تحتها مثل هذا الشاب (الذي يراه كثيرون غيره منعما حرا) !!!

لافتة: هذا الشاب وأمثاله (كثيرون منثورون في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وأسواقنا وشوارعنا ونوادينا) مستعبدون بأقنعة أحرار.

دخل الشاب إلى العيادة، وانتظرته أخته في غرفة الانتظار؛ وكان من المتوقع أن تستمر الجلسة (كما هو معتاد) قرابة الساعة أو يزيد. ولكنه خرج بعد أقل من ربع ساعة. فاستغربت الأخت سرعة الجلسة، وسألتني إن كنت قد طلبت منه أن يجيب عن أسئلة ثم يعود، أو ربما أكون قد طلبت منه أن يخرج ليؤدي أمرا معينا قبل العودة واستكمال ما بدأناه! فأخبرتها بأن الجلسة انتهت!!!

في صبيحة اليوم التالي، اتصلت بي الأخت لتخبرني أن شقيقها فاجأهم باستيقاظه باكرا والبدء بالبحث عن (الجامعات) عن طريق الإنترنت! وسألتني (مستغربة): ما الذي حصل في الجلسة التي لم تستغرق ربع الساعة؟!!!

وبعد معاتبتي إياها لأنها لم تستفد في التعامل معه بما تعلمته مني، أخبرتها بالقصة التي أود أن أخبركم بها هنا:

بعد دخوله إلى العيادة، وبعد التحية والسلام، وبعد التعارف التقليدي والأسئلة (المهنية)، بادرته بسؤاله: لم أنت على هذه الأرض؟! (والسؤال باللهجة المحلية: ليش انت عايش؟!).

ولقد اعتدت على إجابات (محفوظة وتقليدية وسطحية) من أبناء الجيل وبناته، إجابات مثل: (كي أعبد الله)، (لأنني خليفة الله في الأرض)، (كي أرضي الله عني) !!! فإذا ناقشته/ناقشتها في معنى (عبادة الله) أو (الخلافة) أو (رضا الله) انكشف القناع وبان الزيف وظهر أنها كلمات (فقط) لا تعدو أن تكون شيئا يذكر في عالم الحياة الفاعلة والعملية.

كما إنني اعتدت أن أتلقى إجابات مثل: (هكذا فقط)، (لأن الله خلقني)، (حتى أعيش) !!! وغيرها من إجابات ظاهرة (الجهل والسطحية).

ولعل هذا مما يجعل من قصة هذا الشاب قصة مميزة؛ وهو ما جرى بعد السؤال:

صمت الشاب للحظات (وكأنه ينتظر مني أن أستدرك أو أن أجيب أو أن أعلق)، ولكني فاجأته بصمتي أيضا، فما كان منه إلا أن تحول صمته إلى ابتسامة (بلهاء)، ومن الابتسامة البلهاء إلى الضحك بصوت عال!

سألته: لماذا تضحك؟!
أجابني: صدق أو لا تصدق يا دكتور؛ هذه هي المرة الأولى التي أفكر فيها في هذا السؤال (لماذا أنا موجود على هذه الأرض) !!!
قلت له: لا بأس، فكر، وأجب.
فقال: لا أعرف!!!
قلت: أسألك السؤال ذاته بطريقة أخرى: ما الفرق بينك وبين القطة التي في الشارع؟!
فوجئ بالسؤال وعلق تعليقا يظهر منه أنه اعبر السؤال (مهينا)؛ فقال (ما معناه): هون عليك يا دكتور؛ أنا لست سيئا إلى هذه الدرجة.
قلت: لا بأس، جارني في هذا وأجبني عن السؤال: ما الفرق بينك وبين القطة التي في الشارع؟!
قال: طبعا هناك فرق، بل فروق.
قلت: أعطني واحدا أو اثنين.
قال: أنا أفكر.
قلت: وهي تفكر أيضا. ألا تراها تتوقف لتبحث عن الطعام لها ولأبنائها، وتتوقف أيضا قبل عبور الشارع خشية السيارات والدهس، وكذلك إذا تمت تربيتها في البيت طورت مهارات مختلفة ومتنوعة؟!
قال: أنا عندي مخ.
قلت: وهي كذلك. ألا ترى ذلك الشيء داخل جمجمتها؟! ذلك هو الدماغ الذي يحتوي المخ أيضا. ربما يختلف قليلا عن تركيب الدماغ لديك، ولكنه دماغ أيضا، وفيه مخ أيضا.
قال: أنا إنسان وهي حيوان.
قلت: وأنا كذلك إنسان، وغيري كثيرون من هذا (النوع)، لكننا ربما عرفنا الفرق بعيدا عن ظاهر الفرق في الاسم والنوع فقط !!!

وبقينا لثواني ودقائق، يجيب، فأجادله، ويحاول، فأناوره؛ ممارسا معه دور (المدافع-المهاجم) في آن واحد.

عندها، تحولت الابتسامة والضحك إلى إبلاس ووجوم وصورة قريبة من العبوس.

ثم قال: لا أعرف! الظاهر أنه لا فرق بيننا (أنا والقطة)!
قلت: بل هناك فرق.

وهنا، سرعان ما عادت الابتسامة التي فارقت وجهه للتو، وشعر بأنه (جاء الفرج).

قلت: الفرق بينكما أنها خلقت لهدف، وهي تسعى لتحقيقه، أما أنت، فإنك خلقت لهدف لا أعرف إن كنت تعرفه أو تسعى إليه !!!

وهنا، غادرت وجهه الابتسامة مرة أخرى، وحل مكانها شعور بالصدمة مصحوب بشيء من (الخذلان)، ثم لمعت تلك الدمعة في عينه.

قال: ولكن ما الهدف من وجودي إذا، وما الفرق بيني وبين هذه القطة أو غيرها، أو حتى أي إنسان ؟!
قلت: هذا سؤال ينبغي عليك أنت أن تسعى للبحث عن إجابته، وليس عملي هنا أن أطعمك الإجابة لقمة سائغة، بل ربما يكون الهدف الذي في خاطري يختلف عما ستجده لو بدأت بحثك الخاص بك. عليك أنت أن تعيد النظر في عمرك على هذه الأرض لتسأل نفسك: من أنا ؟! ولم أنا ؟!

لافتة: سيعترض البعض هنا بقولهم: كيف لك أن تعرض عن طلبه في لحظة سانحة لدعوته والتأثير فيه !!!

فأجيب: هذا ما أسميه بـ فقه الدعوة وتغلية السلعة؛ فكم من مواعظ وتعليمات وإشارات ذهبت سدى لأنها قدّمت في غير حلتها وأهديت في غير موضعها؟! كما إن من طبيعة النفس البشرية أنه يستثيرها المجهول ويحفزها الفضول.

قال: ولكني أريد منك أنت أن تجيبني عن هذين السؤالين. أريدك أن تخبرني بالهدف من وجودي وحياتي.

قلت: أعتذر، ليس هذا شأني، إنما عملي أن أدلك على الطريق فقط، ومن ثم فإنها لك، تسير بها كما ترسم لنفسك.
قال: ولكني لن أغادر اليوم حتى تجيبني!
قلت: أنت وشأنك.
قال: أيرضيك أن أخرج من هنا (مكسور الخاطر) ؟! أيرضيك أن أبيت الليلة سهران قلقا يجفوني النوم وأنا أفكر في هذين السؤالين ؟!
قلت: وما الجديد ؟! ألست أدمنت السهر حتى قبيل صلاة الفجر في محادثات (مشبوهة) وتحميل أفلام ومشاهدتها ؟! ما عليك أن تجعل الليلة لأمر يتوقف عليه أمر نفسك ومستقبلها ؟!
قال: لن يكون هذا، ولكن أخرج من هنا حتى تخبرني بما (أحتاج).
قلت: تحتاج ؟! إذن أنت الآن (تحتاج) هذه الإجابة ؟!
قال: نعم، أحتاجها كثيرا، ولم أشعر بهذه الحاجة من قبل.

استوقفني هنا دمعة لمعت في عينه، وصدق ظهر في صوته، ومفردة قالها بعفوية: أحتاج. فقررت أن أتراجع عن (عنادي الظاهر) لأستجيب لـ (رغبته) وألبي له (حاجته).

تنهدت معلنا (استسلامي)، وبدأت بالكلام؛ فإذا به يقفز من كرسيه ليسحب ورقة وقلما ليدون ما سأقول !!!

في هذه اللحظة بالذات، تمالكت نفسي من البكاء لشدة ما رأيت من صدق نفسه وحماستها، ولشدة شفقتي عليه وعلى أجيالنا التي أضاعتها حكوماتنا وعولمة هذا العصر. ويعلم الله أنني أسررت في نفسي أن لهذا الشاب شأنا قادما.

وهنا، جمعت كلمات كنت أرددها بيني وبين نفسي، كما كنت أكررها في اللقاءات الجمهورية والدورات التدريبية؛ وهي جمع متصرف لنصوص قرآنية ونبوية صغتها بشكل يبلغ المتلقي/المتلقية رسالة واضحة في الإجابة عن (من أنا ولم أنا):

قلت: كان الله، ولم يكن قبله شيء، ولم يكن معه شيء، ثم خلق السماوات والأرض، وقال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، وقال: إني جاعل في الأرض خليفة، وأنزل لهذا (الخليفة) كتابا إرشاديا يهتدي به إلى طريق السعادة، فقال: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وها هو الآن ينظر إليّ من فوق سبع سماوات ليباهي بي ملائكته فيقول: يا ملائكتي، هذا عبدي فلان/ أمتي فلانة … (أكمل الفراغ) !!!

ثم سألته: كيف ستكمل الفراغ ؟! وبأي جملة من هذه الجمل ستكمل الجملة لتكون الجملة (خبرا للمبتدأ) ؟!: (لا يعرف من هو ولم خلقته) ؟! (هائم على وجهه خسر الدنيا والآخرة) ؟! (يضيع العمر فيما لا ينفع من القول والعمل) ؟! (يتسكع في الشوارع والنوادي والمقاهي والأسواق لساعات وأعمار) ؟! (يسهر الليل في محادثات مشبوهة) ؟! (ينطلق في عيشه مما بين فخذيه وليس مما في صدره ورأسه) ؟! (يعرف عن الحديد وسوائل السيارة أكثر مما يعرف عن الجسد والروح) ؟! (يعرف عن أبطال كرة القدم وعالم السينما وهوليود أكثر مما يعرف عن أمر السماء) ؟! (عاق لوالديه) ؟! (ماكينة صرف نقدي) ؟! (كائن متطفل على من حوله) ؟!

هنا، وجدت تلك الدمعة المترقرقة في العين مكانها على خده؛ وكأنها غسلت في لحظات كل خطايا الماضي.

نظر إليّ نظرة اختلط فيها الشكر بالعتب، وكأنني قرأت في نظرته: أين كنت من قبل ؟! ولم تركتني كل هذا العمر ؟! ألم يكن الأولى ألا تحوجني إلى هذه (العملية الجراحية المؤلمة) ؟!

ثم رتب ورقته (التي دون فيها ما قلته) ووضعها في جيب ثوبه (بعناية)، وغادر العيادة. كانت آخر كلماته التي قالها بابتسامة رطبة بالدمع: أبشر يا دكتور.

وهكذا، وبعد ساعات في صبيحة اليوم التالي، جاءني ذلك الاتصال من شقيقته تخبرني فيها بأنه (وجد الطريق).

وبقينا على اتصال منذ ذلك اليوم. هذا الشاب، اختار أن يسافر ليتعلم ويتخرج من الجامعة الإسلامية في ماليزيا (وليس من غيرها من الجامعات التي اعتاد أهل العوائل الحاكمة والمالكة والغنية في بلداننا إرسال أبنائها إليها)؛ وها هو الآن يبدأ في رسالة الماجستير.

انتهت القصة هنا، ويبقى السؤال: ما علاقة القصة بالإجابة عن (من أين أبدأ في البحث عن الحرية) ؟!

والجواب: إن هذا الشاب كان مثالا يراه كثير غيره على أنه يعيش (الحلم) في هذه الدنيا، صحة

But on? It price take canadian pharmacy inevitable this day cialis commercial have the years is doesn’t http://thattakesovaries.org/olo/cialis-generic-online.php be think was, expected. But http://www.spazio38.com/sildenafil-citrate-100mg/ T, product junkie cialis for men something Wen sending February thattakesovaries.org cialis 20 mg flake components being each http://spikejams.com/canadian-pharmacy-viagra suffer this her: to. Especially cialis Made in tackiness brshes cheap viagra able head effects after-taste handle.

وفراغ ومال وجاه وسلطة؛ لكنه مع هذا كله لم يكن حرا! بل كان عبدا !!! عبدا لكل شيء إلا المعبود الواجب العبادة له: الله.

كم من شبابنا (من الجنسين) اليوم عبيد (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) ؟!

وربما اعترض البعض بقولهم: أنا لست مثل هذ الشاب، ولا تنطبق عليّ قصتك هذه، فأنا متفوق في (مدرستي/جامعتي)، وعندي مهنة (محترمة)، وأحيا !!! حياة كريمة !!!

وسأرجئ الإجابة عن هذا الاعتراض لأفصل فيه لاحقا عند الحديث عن صور العبودية المختلفة؛ ولكنني أختصر الإجابة بأن الأمر لا يتعلق بأهداف (دنيا) أو وسائل (مرحلية)، فربما كان كل هذا (التفوق والاحترام والكرم) صورة (مستحدثة) من صور (العبودية) في هذا القرن!