مباحات الغيبة، في الرد على من يريدون أن نصمت عن أهل الباطل والشعوذة

الغيبة: متى تكون مباحة ؟!

الأصل حفظ النفس بحفظ القلب والجوارح، ولعل من أهمها: اللسان

******************************

في القرآن:

(يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) [القرآن/آل عمران/30]

(لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين النّاس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) [القرآن/النساء/114]

(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون) [القرآن/المائدة/105]

(وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلاّ كنّا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه، وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاّ في كتاب مبين) [القرآن/يونس/61]

(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) [القرآن/الإسراء/36]

(ووضع الكتاب، فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه، ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟ ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربّك أحدا) [القرآن/الكهف/49]

(أم يحسبون أنّا لا نسمع سرّهم ونجواهم؟ بلى ورسلنا لديهم يكتبون) [القرآن/الزخرف/80]

(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشّمال قعيد، ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد) [القرآن/ق/16-18]

(يوم يقوم الرّوح والملائكة صفّا لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرّحمان وقال صوابا) [القرآن/النبأ/38]

*****************************

وفي السنة النبوية، على صاحبها أفضل صلاة الله وأزكى تسليماته:

عن أبي هريرة رضي الله عنه:
قال رسول الله صلى الله عليه سولم:
(لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللّه إخوانا
المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ، ولا يحقره
التّقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرّات)
بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم
كلّ المسلم على المسلم: حرام ، دمه ، وماله ، وعرضه)
وفي رواية: إنّ اللّه لا ينظر إلى أجسادكم ، ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم (وأشار بأصابعه إلى صدره)
[صحيح مسلم]

عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله ، لا يلقي لها بالا ، يرفع الله بها درجات ، وإنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله ، لا يلقي لها بالا ، يهوي بها في جهنّم)
[صحيح البخاري]

عن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ مابلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه
وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة)
[السلسلة الصحيحة]

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه:
لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما النجاة ؟!
قال: (أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)
[حسنه الألباني]

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من يتوكل لي ما بين لحييه، وبين رجليه، أتوكل له الجنة)
[صحيح الجامع]

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه
قلت: يا رسول اللّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنّة، ويباعدني من النّار
قال: (لقد سألت عظيما ، وإنّه ليسير على من يسّره اللّه عليه
تعبد اللّه لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصّلاة ، وتؤتي الزّكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت)
ثمّ قال: (ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصّوم جنّة ، والصّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ النّار الماء ، وصلاة الرّجل من جوف اللّيل)
ثمّ قرأ: ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع ) حتّى بلغ ( جزاء بما كانوا يعملون )
ثمّ قال: (ألا أخبرك برأس الأمر ، وعموده ، وذروة سنامه؟ الجهاد)
ثمّ قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كلّه؟)
قلت: بلى
فأخذ بلسانه، فقال: (تكفّ عليك هذا)
قلت: يا نبيّ اللّه، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟
قال: (ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبّ النّاس على وجوههم في النّار ، إلّا حصائد ألسنتهم)
[صحيح ابن ماجه]

عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)
[حسن]

لافتة: للاستزادة حول هذا الحديث
http://artoflife.net/archives/1129

وفي رواية عن الحسين بن علي رضي الله عنهما:
(إنّ من حسن إسلام المرء قلّة الكلام فيما لا يعنيه) [مجمع الزوائد]

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:
أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آت، وأنا عنده،
فقال: يا رسول الله، إني مطاع في قومي، فبم آمرهم؟
قال: (مرهم بإفشاء السّلام وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم)
فقال: يا رسول الله، فعمّ أنهاهم؟
قال: (انههم عن قيل وقال وكثرة السّؤال وإضاعة المال، وانههم عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات) [ضعيف]

وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (من عدّ كلامه من عمله، قلّ كلامه إلا فيما يعنيه) [تاريخ دمشق]

*****************************

أقول:

بداية، (إنما الأعمال بالنيات)
والأصل حفظ اللسان وعدم الخوض فيما لا نفع منه
وحتى لو أجاز العلماء أمرا، وكان في النفس منه شيء
فإن الأصل هنا (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)

وليس من الإيمان ولا من العقل أن يسوقنا الهوى إلى اعتلاء النصوص من أجل حظوظ النفس الخسيسة

ولكن، هل يعني هذا أن نصمت إذا ما تعلق الأمر بمنكر أو فساد أو تهديد للدين والنفس والأمة ؟!

*******************************************

هنا يتحدث العلماء عما يسمونه (مباحات الغيبة) أو (مبيحات الغيبة)

وقد اختصرها ابن أبي شريف (محمّد بن عوجان) بهذين البيتين:

والقدح ليس بغيبة في ستة * متظلم ومعرف ومحذر
ومجاهرا فسقا ومستفت ومن * سأل الإعانة في إزالة منكر

****************************************************

كما نظم العلامة الجوهري هذين البيتين في بيانها:

لستّ غيبة جوّز وخذها* منظّمة كأمثال الجواهر
تظلّم واستعن واستفت حذّر * وعرّف واذكرن فسق المجاهر

*******************************************************

ونظمها ابن علان في [دليل الفاتحين] في بيتين:

يباح اغتياب للفتى إن تجاهرا * بفسق وللتعريف أو للتظلّم
كذاك لتحذير ومن جاء سائلا * كذا من أتى يبغي زوال المحرّم

**********************************************************

وقد نظم الأقفهسي في كتاب [آداب الأكل] هذه الأبيات:

وما عليك إذا ما اغتبت مبتدئا * لقول رشد ونصح المستشير ولا
إن تذكر العالم المخطئ لتابعه * أو تستعين على ذي زلة عدلا
أو تذكر اسما قبيحا عند سامعه * كي يستعين به مقصود ما جهلا
كأسود قال ذا أو أعور مثلا * أو أعمش مخبرا أو أعرج نقلا
وعصمة القرض في جرح الفتى سقطت * كذلك القدح في الفتوى قد احتملا
كذاك من يشكو ظلامته * إلى القضاة أو الوالي إذا عدلا
ومظهر البدعة اذكرها لمنكرها * ومخبئ البدعة اذكره لمن جهلا
مساوئ الخصم إن يذكر لحاكمه * حين السؤال أو الدعوى فلا تهلا
وغيبة الكافر الحربي قد سهلت * وعكسها غيبة الذمي قد عقلا
وتارك الدين لا فرض الصلاة فلا * أخشى إذا ما اغتبته جللا

***********************

ولقد فصل النووي رحمه الله في كتاب [رياض الصالحين] القول في هذه الأسباب المبيحة للغيبة:

((باب ما يباح من الغيبة:
اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعيّ لا يمكن الوصول إليه إلا بها
وهو ستّة أسباب:

الأوّل) التّظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السّطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا.

الثّاني) الاستعانة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصّواب؛ فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا؛ فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصّل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك؛ كان حراما.

الثّالث) الاستفتاء: فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان.. بكذا؛ فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقّي، ودفع الظلم.. ونحو ذلك. فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص أو زوج كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك؛ فالتعيين جائز.

الرّابع) تحذير المسلمين من الشرّ ونصيحتهم، وذلك من وجوه:

منها: جرح المجروحين من الرّواة والشّهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين؛ بل واجب للحاجة.

ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أن محاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله؛ بل يذكر المساوئ التي فيه بنيّة النّصيحة.

ومنها: إذا رأى متفقّها يتردّد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرّر المتفقّه بذلك؛ فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلّم بذلك الحسد، ويلبّس الشيطان عليه ذلك، ويخيّل إليه أنه نصيحة؛ فليتفطّن لذلك.

ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها: إما بأن لا يكون صالحا لها، وإما بأن يكون فاسقا، أو مغفّلا، ونحو ذلك؛ فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامّة ليزيله، ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغترّ به، وأن يسعى في أن يحثّه على الاستقامة أو يستبدل به.

الخامس) أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة النّاس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلما، وتولّي الأمور الباطلة؛ فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب؛ إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.

السّادس: التّعريف. فإذا كان الإنسان معروفا بلقب؛ كالأعمش، والأعرج، والأصمّ، والأعمى، والأحول، وغيرهم؛ جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التّنقيص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك؛ كان أولى.

فهذه ستّة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه))

انتهى كلام النووي رحمه الله

******************************

والتفصيل في هذا كثير في كتب أهل العلم

وفي الختام أقول:

إن القيام على أمر النفس والتزام الحكمة في العمل
فكرة وشعورا وسلوكا
هو أمر يستلزم الجهاد في تزكية النفس
وهو ليس بالأمر الهين

ونحن في زمن تكالبت فيه جنود الظلم والظلام
ولم يعد من الحكمة الصمت على من يشوهون الدين أو يتلاعبون بالنفوس

فوجبت النصيحة أولا
وطلب الحوار ثانيا
والتحذير على الملأ ثالثا

اللهم أرنا الحق حقا وازقنا اتباعه
وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

اللهم اجعلنا ألسنة ناطقة بالحق وللحق

اللهم اجعلنا أقوياء في الحق ضعفاء في الباطل

اللهم آمين

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب استشاري العلاج النفسي والتربوي