التخلية والتفريغ

تحصل التزكية بأمرين متتابعين : الأول : التخلية (أو التفريغ) ، والثاني : التحلية (أو التزويد والشحن) .

  1. أما التخلية ، فتكون بالعمل على إزالة كل ما في النفس من شوائب وعيوب ومساوئ ، سواء كانت متعلقة بالماضي أو بالحاضر أو حتى بالمستقبل ؛ أو ما يعرفه العلماء على أنه : أمراض القلوب (أو النفوس) ، مثل : الجهل ، والكبر ، والكره ، والغيظ ، والحسد ، إلخ . وبالتخلية ، تصبح النفس مؤهلة بما فيه الكفاية ليتم تحليتها (أو تزويدها) بما يصلحها ويزكيها .
  2. وأما التحلية ، فتكون بتزويد النفس بما يصلحها جسدا وروحا ؛ ويكون هذا بأمرين : العلم ، والعمل . وأعني بـــ العلم : العلم بـــ [من أنا ولم أنا] ؛ وأعني بـــ العمل : الانشغال فورا بتحقيق ما أعلمه في حياتي اليومية . وهنا ، وفقط هنا ، يمكن لي أن أكون سببا في إعمار الأرض أو العبادة أو الاستخلاف .

سؤال : كيف أنشغل بتزكية نفسي مع أن الحياة تحتاج إلى ملاحقة ؟! ه
جواب : إذا عرفت النفس = الحياة ، صار من الطبيعي أن يكون همي في وجودي = ملاحقة النفس ومن ثم الحياة .

سؤال : ولكن تزكية النفس قد يستغرق وقتا طويلا !
جواب : ربما في البداية ، ولكن مع التدريب ، سيكون الأمر أيسر وأسرع مما نتصور .

نصيحة : قراءة مادة فقه النفس.

الحلقة الرابعة : ألف باء النفس / ب : تقدير النفس : التخلية والتفريغ

لافتة : تناولنا موضوع (تقدير النفس) مباشرة مع تجاوز لـ (قبول النفس) . وهنا أضع ما ينبغي أن أعلمه عن (قبول النفس) قبل أن أشرع بالخطوة التي تليها : تقدير النفس .

بعد قراءة النفس ، وبعد أن رأيت ما لي وما علي ، وبعد أن ظهر لي من النفس ما أحب وما قد أكره ، لا تكتمل رحلة [فقه النفس] إلا إذا خطوت خطوة ثانية ، خطوة تكمل سابقتها ، وتبني جسرا لما يليها ، تلك هي : قبول النفس .

ماذا أعني بـ قبول النفس ؟!

قد يظن البعض أن (قبول) النفس يعني (الموافقة) على حالها وما آلت إليه ؛ أو (القناعة) بواقع النفس و(الرضا) به . وليس هذا المعنى صحيحا ، فالقبول في لغة العرب لا يعني بالضرورة الموافقة أو الاتفاق .

فالقبول في لغة العرب : الإقبال على الشيء بنفس طيبة ، والأخذ ، والتلقي .
وفي القرآن : (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) [القرآن : سورة البقرة : الآية 48] ؛ (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [القرآن : سورة آل عمران : الآية 85] ؛ (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم) [القرآن : سورة التوبة : الآية 104] . في هذه الآيات جاء (القبول) مقابلا للرد أو الرفض . كما نقرأ في القرآن أيضا (فتقبلها ربها بقبول حسن) أي أن هناك قبولا غير حسن .

من هنا ، يترجح لي أن (قبول النفس) لا يعني بالضرورة أن أتفق معها وأرضى بحالها ، بل يعني أن لا أردها أو أرفضها لمجرد عيب أو نقص أو شائبة ؛ أقبل نفسي كما هي ، كما وجدتها ، بما فيها من نقاط ضعف أو تجارب سالبة أو ظروف صعبة ؛ أقبلها نفسي ولا أتفق مع ما فيها من شوائب وعيوب ؛ أما إذا رفضت نفسي واحتقرتها أو امتهنتها فلن يكون هناك فسحة للتعامل معها أو رحمتها أو إصلاحها ، ومن ثم لن يكون هناك فرصة للانتقال إلى الطور الآخر : (تقدير النفس) .

إذن ، لماذا (قبول النفس) ؟!
جواب : إذا رفضت النفس ، وقعت في فخ الغربة التي أخشاها . أما إذا قبلت نفسي ، فإن من ثمرات قبول النفس :

  • الرضا وعدم السخط .
  • الرحمة ، وهو شعور ربما يحتاج إلى تدريب ، وأولاها : رحمة النفس ، وإلا كان جلد الذات هو النتيجة .
  • الطمأنينة والسلام الداخلي .
  • بداية الشعور بالأنس في خلوتي . ويتبع هذا : الانشغال بالنفس عن الآخرين .
  • عدم الخوف من الوحدة .
  • التعبير بصراحة عن نفسي وما فيها .
  • الإيجابية ، وعدم الوقوع في فخ الخوف من انتقاد الآخرين السالب وتكريه نفسي إلي ، وفخ تقليد الآخرين دون وعي أو توجه حقيقي ، وفخ الدونية أو ما يعرف بـــ عقدةالنقص ، وغير ذلك .
  • وأخيرا الطور الآخر : تقدير النفس ، إلى غير ذلك من ثمرات .

والسؤال هنا : كيف أقبل نفسي ؟!
وبعبارة أخرى : كيف أقبل نفسي إذا كنت قد رفضتها مسبقا ؟ كيف يمكنني أن أنسى ما وصلت إليه ؟ كيف أغفر لها خطأها وتقصيرها وزلاتها ؟

جواب : للإجابة عن هذا السؤال ، نبحث عن ما يدل عليه كل من العقل والنقل في هذا الأمر .

أما في العقل :

  • أنا لست مسؤولا أو مسؤولة عن الظروف الخارجية ، بل ما كان لي يد فيه عن قصد وإدراك .
  • الخطأ ضرورة من ضرورات التعلم .
  • التعلم لا يعني الكمال .
  • السعي إلى الكمال مطلوب ، وتوقع الكمال المطلق وهم .
  • الكمال المطلق للفرد يعني امتناع سنة الاختلاف والتنافس والتكامل بين النفوس الإنسانية .
  • الكمال المطلق للجماعة يعني امتناع سنة التدافع .

وأما في النقل : فإننا نقرأ ما يدلنا على أن النفس ليست معصومة مطهرة كاملة ، بل إن من طبعها الضعف والسوء وظلم النفس والعناد والعجلة والوسوسة والهوى والفتنة والشح ، هكذا خلقها الله ، لحكمة أرادها ، ولعل طبيعة البلاء والامتحان الدنيوي هو من أبرز مظاهر هذه الحكمة . ولعل هذا مما يعين في قبول النفس وعدم تحميلها أكثر مما تطيق ، إلا إن هذا لا يعني موافقة النفس والرضا بواقعها .

وباختصار :

القرآن يفرق بين الإنسان ، والإنسان المفكر (المسلم والمؤمن والكافر والمشرك والمنافق) . ومن هنا ، فإن الإنسان بطبيعته قابل للخطأ دون تفكير ، أما الإنسان المفكر ، فالأصل أنه يحتاج إلى تعلم وتدريب .
الإنسان في القرآن مخلوق قابل للنقص والخطأ ، لكنه مطالب بالتزكية والعمل .
خلق الإنسان للخلافة والعبادة ، وكل ما دون ذلك هين ، طالما أنني على قيد الحياة .

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون) [حديث حسن] ؛ (لو لم تذنبوا ، لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم : يذنبون ، فيستغفرون الله ، فيغفر لهم) . [حديث صحيح] .

وأحب دائما أن أوجز هذه المعاني في آيات وردت في أول سورة الإنسان : (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) . وفي هذه الآيات نقرأ ما يدل على أن الإنسان خلق من (ضعف) لسبب (ابتلائه) ، ولكنه لم يترك هكذا دون (سلاح) بل جعله الله مسلحا بالسمع والبصر ، وهداه بفطرته السبيل إليه ، وهنا لا يبقى إلا دور الإنسان للسعي والعمل ، فإما أن يشكر أو يكفر .

والمعنى المقصود هنا : أنني (كإنسان) مخلوق بصفات وقدرات ، صفات فيها شيء من الضعف ، وقدرات فيها كثير من الطاقة ، مخلوق لأسعى وأتزكى في رحلة الحياة ، ومن (الطبيعي) أن أخطئ وأن أزل وأن أضعف (بسبب الصفات) ، ولأن سنة الحياة وضرورة التنافس والتدافع في هذا الوجود تقضي بأن يكون هناك نقص وكمال ، ضعف وقوة ، قصور ونضج ، كما إن من (الطبيعي) أن تكون لدي القدرة التي تمكنني من السعي لعلاج النقص والضعف والقصور .

والسؤال هنا : لماذا أسمح للصفات (الضعيفة) أن تسيطر على نظرتي لذاتي في الوقت الذي تنتظرني (القدرات) لأتعامل مع (ضعفي) ؟!

لافتة نفسية – شرعية : هناك فخ يقع فيه (دون قصد) من يطلبون الكمال في أنفسهم ولا يقبلونها كما هي ؛ فالذي يطلب الكمال من نفسه في كل شيء ، أو التي تجتهد في طلب الكمال سعيا لرضا الله ، كأنهما يقولان : يا رب ، إن رحمتك لا تسع تقصيري ، أو كأنهما يقولان : يا رب ، لن تقبلني حتى آتيك كاملة / كاملة ! وهذا أمر يخدش في الفهم السوي لأسماء الله وصفاته وعلاقة العبد به التي ينبغي أن تكون بين الخوف والرجاء . ه

وهنا يأتي دور (تقدير النفس) :

سؤال : ما الفرق بين مصطلح (تقدير النفس) ومصطلح (الثقة بالنفس) ؟!

لم أكن يوما مرتاحا لمصطلح (الثقة بالنفس) ، على الرغم من تردده على ألسنة الناس (عوامهم وخواصهم) ، وعلى الرغم من انتشاره (الوبائي) في أروقة (التنمية البشرية) . وعدم ارتياحي لم يكن له سبب ظاهر واضح المعالم بعد ، إنما هو لشيء في نفسي ! وربما كان من أسباب ذلك ما يلي:

أولا) المعنى اللغوي لمفردة الثقة ، وهو : الائتمان والإحكام والتصديق واليقين والعهد ؛ وهذا المعنى لم أكن أرى أنه يتناغم مع طبيعة النفس الإنسانية وتقلباتها وما ورد من صفات لها في القرآن الكريم والسنة النبوية .

ثانيا) ما رأيته من إفرازات ما تقدمه دورات التنمية البشرية تحت عناوين (كيف تثق بنفسك ؛ كيف تسيطر على الآخرين ؛ كيف تؤثر في الآخرين : كيف ينقاد لك الآخرون ؛ وغيرها) وما تخرجه للمجتمع من نفوس رأيت (كثيرين منهم) يعانون من تعظيم الأنا والعجب والغرور والكبر .

ثالثا) الأثر النفسي السالب لسعي الإنسان نحو هدف اسمه (الثقة بالنفس) في حين يمكن أن أحصل على ما أتمناه من ثمرات إذا سعيت نحو أهداف أكبر ، بحيث يكون ما أرجوه في نفسي ناتجا من نواتج هذا السعي (غير المباشر)؛ أما إذا كان شغلي الشاغل (الثقة بالنفس) فإن هذا ربما كان سببا في أن (أغفل) عن المعوقات الحقيقية والخطيرة التي تقف في طريق تزكيتي لنفسي.

أقول: كان في نفسي شيء من هذا، ولكني لم أملك يومها حجة (علمية) كافية على (نفوري) هذا !

وحتى ذلك الوقت ، كنت أستخدم مصطلح (تقدير النفس) لاعتقادي بأن مفردة (تقدير) في معناها اللغوي كافية لبلوغ ما نريده في رحلتنا الحياتية مع النفس البشرية . فمفردة (تقدير) في اللغة مصدر من (القدر) ، ومعناه : قيمة الشيء ومكانته وحقه ، وقدرته وطاقته وقوته ، وتدبيره وتسويته ، وقياسه ، وحكمه (أو الحكم عليه) ، ومبلغه أو غايته .

وبإسقاط هذه المعاني (اللغوية) على النفس الإنسانية ، يمكنني أن أعلم حينها أن (تقدير النفس) يعني : إعطاء النفس حقها ، ووضعها في مكانتها دون إفراط أو تفريط ، وتقويتها ، وتدبيرها وقياسها والحكم عليها (أو محاسبتها وجردها وتقييمها) ، وتبليغها غايتها .

وهذا هو ما أرتاح إليه في تناولي للنفس الإنسانية ، وهذا هو ما أدندن حوله في (تزكية النفس) : أن أعرف نفسي وأن أعلم مواطن ضعفها وقوتها ، وأن أقيمها بصدق ، وأن أعطيها حقها ، وأن لا أزكيها بجهل ، وأن لا أقسو عليها بظلم ، وأن لا آمنها دون حذر ، وأن لا أهجرها دون توجيه ، وأن لا أقصر في تزويدها بما يقويها ويبلغها ما خلقت لأجله وما يسعدها . هذا هو فهمي لـ (تقدير النفس) .

أما (الثقة بالنفس) بمعنى (ائتمانها والتصديق بها واليقين بذاتها) فهو ما لا أرتاح إليه .

لكنني ، كما ذكرت ، لم أكن أملك في جعبتي حجة تطمئنني أو ترجح ما أقوله . حتى قدر الله أن أقرأ في كتاب [معجم المناهي اللفظية] أنه سأل أحدهم شيخا : (هل تجب الثقة بالنفس ؟) فأجابه الشيخ : (لا تجب ، ولا تجوز) . فتوقفت هنا ، وكأنني وجدت كنزي المفقود ، وأكملت القراءة : (أما سمع هؤلاء بقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين) . فقلت : وجدتها .

لافتة : هذا هو الفرق بين (العلماء) والمتطفلين على موائد أهل العلم (مثلي) . أنا أحفظ الحديث ، وأدعو بالدعاء المأثور ، ولكنني لم أتنبه يوما إلى المعنى الذي كنت أبحث عنه كثيرا وهو على (لساني) ، ولكن الظاهر أنه لم يكن في (قلبي) ! اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع !

ثم كان أن قرأت عن دورة تدريبية للدكتورة فوز كردي (حاصلة على دكتوراه في العقيدة والأديان والمذاهب المعاصرة ، وباحثة متخصصة في الفكر العقدي الوافد ومنهجية التعامل معه) بعنوان : ثق بربك لا بنفسك .

هنا ، جلا الأمر ، واتضحت الصورة ، وبانت الحجة ؛ وظهر لي رجحان مصطلح (تقدير النفس) على (الثقة بالنفس) .

سؤال : هل هذا يعني أن استخدام مفردة (الثقة) عند الناس وكثير من الدعاة والوعاظ حرام ؟!

جواب : الأصل أن يتعلم الإنسان ما هو أصح وأحسن وأسلم ، ولكن تحريم الأمر فيه تجاوز وتعدي

على الناس ، فالأمر يحتمل التأويل ، والناس يقعون فيما هو أخطر من ذلك في حياتم اليومية، ولكن العلماء يتجاوزون عن كثير إذا احتمل التأويل، وهكذا . فالأمر فيه سعة ، والحمد لله على رحمته الواسعة .

سؤال : لماذا (تقدير النفس) ؟! وبعبارة أخرى : ما هي ثمرات تقدير النفس ؟!
لافتة : ثمرات تقدير النفس هي ذاتها ثمرات التخلية والتحلية .

اتفق العقل والوحي (أو العقل والنقل) على أن الأسباب التي تجعل من تقدير النفس أمرا مهما ما يلي :

  • أن تقدير النفس هو العملية المكملة لفقه النفس ، بعد قراءة النفس وقبولها .
  • أن كل ما يتعلق بضرورة قراءة النفس وقبولها لن يكون له أثر بدون تقدير النفس .
  • لإشعار النفس بحقها وبالتالي أهميتها ؛ وإلا كان الحاصل (الشعور بالنقص وتقليد الآخرين بجهل) .
  • ما يعود به تقدير النفس من قوة الشخصية (الناتجة عن الشجاعة في مواجهة الأخطاء والماضي والظروف) .
  • تجاوز المدخلات السالبة والمعوقات الخارجية .
  • التعلم من الدروس .
  • التخلية أو التفريغ .
  • الطمأنينة .
  • السعادة.
  • الرضا الداخلي . ومن صور هذا : تقدير الفعل والفرح به دون الاعتماد على رأي الآخرين . ه
  • الأنس بالنفس قبل الاخرين ، بل وقبل الجمادات (التي يلجأ إليه البعض ليأنسوا بها) . ولعل من صور هذه الثمرة : الضحك للنفس لا لعدوى الجماعة فقط ، بمعنى : أن آنس بالشيء وأن أستمتع به حتى ولو كنت منفردا دون ضرورة أن يكون هناك أحد معي .
  • الاقتصاد وعدم الإسراف ، وهو أمر ناتج عن محاولة تحصيل الإنس بالمادة (بيت أو جهاز أو سيارة أو غير ذلك) .
  • كف أذى النفس عن الآخرين .
  • الانتباه والتركيز والاعتناء بالهدف .
  • اغتنام الوقت .
  • الإنتاجية .
  • الإيجابية تجاه الآخرين .
  • احتواء الآخرين ومشكلاتهم ، وغير ذلك .

سؤال : كيف أقدر نفسي ؟!
جواب : باختصار ، بالتخلية والتحلية ، أو التفريغ والشحن .

سؤال : ماذا أعني بـ التخلية ؟!
جواب : التخلية في لغة العرب : البراء والإبراء والتبرئة ، والطهارة والتطهير ، والترك ، والإعذار ، والتفريغ .

وفي القرآن : (إذا السماء انشقت ، وأذنت لربها وحقت ، وإذا الأرض مدت ، وألقت ما فيها وتخلت) [القرآن : سورة الانشقاق : الآيات 1-4] ؛ ومفردة (تخلت) هنا بمعنى : الإلقاء والترك والقذف .

أما المعنى الاصطلاحي المتعلق بموضوع (النفس) هما ، فالتخلية : تبرئة النفس وتطهيرها وتفريغها مما فيها من شوائب ، وترك ما يعوقها ، وإعذار النفس والآخرين .

والتخلية : إزالة كل ما يعلق في النفس من أفكار أو مشاعر ناتجة من حدث أو موقف . وهنا ، علي أن لا أدع موقفا أو حدثا أو أمرا من الأمور عالقا معي بعد الانتهاء منه ؛ فلا آوي إلى الفراش محملا بأعباء سلبية أحملها معي إلى اليوم التالي ، وإلا فسأبدأ يومي اللاحق مثقلا بالشوائب والمتراكمات إذا لم أستطع التخلص منها . ولمثل هذا السبب نجد معلمين يدخلون إلى الفصل الدراسي غير مستعدين أن يتحملوا أي حركة زائدة من طلابهم ، وكذلك الأب الذي يعود من عمله مثقلا إلى البيت غير مستعد لسماع أي صوت من الأطفال ، والزوجة التي تستقبل زوجها بصدر ضيق لما أثقلها من أعباء اليوم (داخل البيت أو خارجه) ، وكذلك الموظف الذي يزعجه أمر في اجتماعه مع مديره فيخرج عابس الوجه مع زملائه ؛ كل هذه الأمثلة وغيرها من المواقف الكثيرة المنتشرة في واقع الحياة اليومية هي دليل على عدم تخلية النفس أو تفريغها أو إراحتها قبل التعاطي مع معطيات جديدة .

سؤال : لماذا يخفق الناس في عملية التخلية أو التفريغ ؟!
جواب : للجهل بقيمة النفس أولا ، وللجهل بما قد يؤدي إليه إهمال الشوائب ، ولازدحام النفس بما فيها من ملفات غير مغلقة .

يود كثير من الناس لو يتمكنون من تخلية أنفسهم ، ولكن تأخرهم في هذه التخلية أو التفريغ أو إغلاق الملفات كل في وقته يسبب ازدحام هذه الملفات مما يسبب صعوبة تفريغها فيما بعد ؛ وكلما تأخر إغلاق الملفات زادت صعوبة التخلية والتفريغ . وهذا من أهم أسباب تهرب الناس من عملية المحاسبة الذاتية أو ما أسميه (الجرد النفسي) .

لماذا التخلية أو التفريغ ؟!

أولا) إن الأصل عدم العيش مع حدث أو موقف أو أمر له أثر سالب أكثر من حدوده الزمنية أو المكانية ، وبعبارة أخرى : ينبغي علي أن لا أنتهي من حدث أو موقف أو أمر له أثر سالب إلا وقد أفرغت كل ما في جعبتي تجاهه وتجاه كل ما يتعلق به (سواء كان ذلك عاملا بشريا أو ماديا أو حتى ذهنيا) ؛ لأن النفس هي عبارة عن ناتج ومحصلة لما مضى ، فإذا لم أفرغ ما فيها من شوائب ، سيبقى أثر هذه الشوائب عالقا في النفس ظاهرا عليها ولو بعد حين . وكم رأيت في حياتي اليومية ، خارج العيادة النفسية وداخلها ، من أعراض نفسية وأمراض ، ما هي إلا صدى لمكبوتات في النفس ، خاف أصحابها ، أو خجلوا ، أو ضعفوا أن يظهروها أو يتحدثوا عنها أو يلقوا بها لينطلقوا بأنفسهم ويحرروها .

وأتوقف هنا ، لأذكر نفسي وأذكركم بقصة [النفس والسرداب] ، حيث الشوائب ما هي إلا أثر من آثار حبس النفس ومنعها عن أن تخرج لتعبر عن ذاتها أمام الآخرين .

ثانيا) أنا لا أريد لنفسي أن تحيا مثقلة غير صادقة أو سويّة فيما تحمله من فكر أو مشاعر أو سلوك . فلا أريد أن أقع في فخ (النفاق الاجتماعي) فأبتسم دون قصد ، وأضحك وفي نفسي حرقة ، وأمدح وأنا في داخلي أذم ، وأصمت حيث لا يجوز الصمت ، وهكذا . وهذا كله ينتج طبيعيا إذا امتلأت النفس بشوائب ومكبوتات غير (منقّاة) ، وعندها ، يظهر على الجسد خلاف ما تحمله الروح .

ثالثا) إن النفس عندما تسعى في رحلة التزكية ، فتتخلص من كل ما شابها أو أعاقها فترة من الزمن ، ستجد أنها قادرة على أن تنصح للآخرين وأن تعطيهم حقهم (الواجب عليها) ، لأنهم لم يعودوا (ثقلا) عليها . فيكون من حق المقابل أن أعلمه بخطئه / خطئها إذا أمكنني ذلك . وهنا ، أنا لا أخلي ما في نفسي لشعوري بالثقل ، بل هي مرحلة متقدمة وأرقى مما سبق ؛ فأنا هنا أسعى لأنصح المقابل بما يفيد وينفع ، حتى لا يقع ذات (الخطأ) مرة أخرى .

وهنا أتذكر قول الشافعي :

إذا سبني فرد تزايدت رفعة *** وما العيب إلا أن أكون مساببه
ولو لم تكن نفسي علي عزيزة *** لمكنتها من كل فرد تحاربه
ولو أنني أسعى لنفعي وجدتني *** كثير التواني للذي أنا طالبه
ولكنني أسعى لأنفع صاحبي *** وعار على الشبعان إن جاع صاحبه

ومن أمثلة ثمرات التخلية والتفريغ :

عن ‏أنس بن مالك ‏‏رضي الله عنه ، قال ‏: كنا جلوسا مع رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ، فقال : (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) ، فاطلع رجل من الأنصار ‏تنطف ‏لحيته من وضوئه وقد تعلق نعليه في يده الشمال ؛ فسلم ؛ فلما كان الغد قال النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ؛ فلما كان اليوم الثالث قال النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏مثل مقالته أيضا ، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى ، فلما قام النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏تبعه ‏عبد الله بن عمرو بن العاص ‏، فقال : (إني لاحيت أبي (خاصمت أبي) فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت) ، قال : (نعم) ، قال ‏أنس : ‏وكان ‏عبد الله ‏يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار ‏وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء ، قال ‏عبد الله : (غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا ، فلما مضت الثلاث ليال ، وكدت أن أحتقر عمله ، قلت : يا ‏عبد الله ، إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ، ولكني سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول لنا ثلاث مرات : (‏يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلعت أنت الثلاث مرات ، فأردت أن ‏ ‏آوي ‏‏إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به ، فلم أرك تعمل كثير عمل ! فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ؟! فقال : (ما هو إلا ما رأيت) ، فلما وليت دعاني ، فقال : (ما هو إلا ما رأيت ، غير أني لا أجد في نفسي غلا لأحد من المسلمين ، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه) ؛ فقال ‏عبد الله : (‏هذه التي بلغت بك ، وهي التي لا نطيق) . [رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين : البخاري ومسلم]

في خلافة عمر بن الخطاب ، صعد على المنبر ونادى في الناس : (الصلاة جامعة) ، وكان هذا النداء حينذاك بمثابة صفارة إنذار (نفير أو عدو أو توزيع غنائم) ، فاجتمع الناس ، واعتلى أمير المؤمنين المنبر ، ثم قال : (ما زلت أذكر يوم كنت رويعي الغنم ، أرعى غنيمات لخالات لي بكف من التمر) ، فقال أحد الصحابة : (ألهذا جمعتنا يا أمير المؤمنين ؟) ، فقال عمر : (بلى ، حدثتني نفسي بأني أمير المؤمنين ، فأردت أن أذلها أمامكم) .والسؤال هنا : هل أستطيع أن أذم نفسي هكذا أمام غيري ؟! فكيف إذا كان الأمر رأس الدولة أمام رعيته ؟! أي نفوس عظيمة تلك التي لا تقيم وزنا لما يظنه الآخرون في سعيها لرضا الله أولا ؟!

دخل عمر بن عبدالعزيز المسجد وبرفقته مستشاره رجاء ابن حيوه وبعض المرافقين ، ولم يكن آنذاك إضاءة ، فمر بطريقه برجل نائم ، فداس على قدمه ، فصرخ الرجل : (يا هذا ، أأنت أعمى ؟) ، فانتفض بعض مرافقي الخليفة : (كيف يشتم الرجل أمير المؤمنين ؟) ، فنهاهم الخليفة وقال للرجل : (لا ، لست أعمى) ، واعتذر له ، ثم التفت إلى مرافقيه وقال : (الرجل نائم ، وقد أزعجناه ، وسألني أأنت أعمى ؟ فرددت عليه بما سمعتم ، وكفى) . إن مثل هذا لا يكون إلا من نفس مطمئنة بالله أولا ، ثم نفسها ثانيا ، وليس للآخرين مكان أكثر مما يستحقونه فيها .

بلغ الحسن البصري أن رجلا اغتابه ، فتبسم ، وبعث لمن اغتابه طبق حلوى ، وقال : (أهديتني من حسناتك بقولك في ما أكره ، ولم يكن لي أن أجازيك بمثله ، فأهديك هذا الطبق وأشكرك) .

كيف أمارس التخلية ؟!

أبدأ بإعادة النظر في المستودع وما يحويه ، أي أبدأ بـــ [قراءة النفس] .

لافتة : [قراءة النفس] هذه المرة تختلف عن القراءة الأولى ، لأنها جاءت بعد [قبول النفس] .

ثم أبدأ بعمل جرد لمكونات النفس : السالب منها والموجب ؛ الحسنات والسيئات ؛ المناقب والعيوب .

ثم أفصل ما أود التخلص منه من الشوائب عن غيره ؛ والشوائب هي كل ما من شأنه أن يعوق النفس ويدنسها ، سيما الأفكار والمشاعر والعادات السالبة ، سواء كانت أثرا لمكبوتات ماضية ، أو لتجارب سالبة أو سيئة ، أو لمكتسبات من هنا وهناك . ولعل من أبرز ما يظهر على السطح من شوائب ، هي تلك التي تتعلق بما أحمله في نفسي من مشاعر سالبة تجاه الآخرين تشكل حاجزا بيني وبين نفسي .

ولكن ، كيف أقوم بعملية التخلية ؟!

والجواب :

بداية ، لا بد لي من التنبه والحرص على أن يكون الهدف من التخلية (أو التفريغ) هو تنقية النفس وتصفيتها مما يشوبها ، فقط . وبعبارة أخرى ، الهدف هو تخفيف النفس من أحمالها الزائدة وإلقاء ما يثقلها ويعوقها عن التزكية والارتقاء .

أقول هذا ، وأنا حريص كل الحرص ، وألفت النظر إليه ، لسبب مهم ، وهو ما شهدته من حرص البعض على أن يكون الهدف من التخلية (والتفريغ) هو إلقاء الأحمال على الآخرين ، أو بعبارة أخرى : الانتقام من الآخرين .

ولقد رأيت تحولا عجيبا عند البعض ؛ فبعد الجهل أو الكبر أو القصور النفسي ، وبعد الضعف الناشئ عن حبس النفس والغربة عنها ، يستحيل (أو يتحول) الضعف قوة عارمة متطرفة وغير عاقلة ، فأراهم فجأة ، يهرعون هربا من سردابهم ، ليهجموا بقسوة غير مسبوقة على الآخرين ، ليفرغوا فيهم مكبوتات أنفسهم ، ويلقوا عليهم بأثقالهم !!!

والمشكلة في مثل هذا النوع من التخلية (أو التفريغ) تكمن فيما يلي :

  • أنه يعني أن نفسي ليست هي الأولوية لدي ، بل الآخرون ؛ حيث إنني لا أزال منشغلا بهم أكثر من شغلي بنفسي .
  • أن ما يبقى بعدها (من شوائب جديدة) قد يكون أسوأ أثرا من الرواسب التي تم تخليتها وتفريغها .
  • أنها تؤخر عملية التزكية ، وتضيف أحمالا زائدة إضافية إلى الأحمال التي كان الأولى أن أتخلص منها .

لافتة : من الطبيعي ، والمفهوم في سيرة النفس البشرية ، أن يحصل هذا مع البعض في بداية الأمر ، أي في بداية سلوكهم طريق التزكية ، كأي بداية ، سيما إن الأمر يحتاج إلى رياضة وإلى تدريب ؛ ولكن المشاهدة والتجربة تطلعنا على حقيقة ، وهو أن الناس ، إذا صدقوا النية في أمر التزكية ، لا يلبثون أن يتمرسوا ويتقنوا التخلية (والتفريغ) بصورته الأمثل .

إذن ، كيف (أخلي نفسي) ؟!

بعد قراءة النفس ، وبعد قبولها (بمعنى التعايش معها وليس الموافقة على حالها) ، يبقى علي أن أنظر في النفس لأخليها من شوائبها وعيوبها وما يعوقها عن التزكية .

ولقد نظرت ، فوجدت ما يعوق النفس عن التزكية وما يشوبها من شوائب يكون في إحدى ثلاث :
النفس مع الله ؛ النفس مع ذاتها ؛ النفس مع كل ما عدا ذلك (وخصوصا الآخرين من الناس) .

فإذا كان الأمر بيني وبين الله ، فهو إما لأمر يتعلق بذات الله (أو من جهة الله نفسه جل في علاه) ، أو لأمر يتعلق بالنفس وعلاقتها بالله أو بذاتها .

أما ما يتعلق بذات الله جل وعلا ، فغالبا ما يكون شبهة (عقدية أو شرعية) أورثت في النفس (شعورا سالبا) يظهر في صورة (عتب) على الله أو (حرج) منه ؛ مثل : هل هناك خالق ؟! لماذا خلقني الله فقيرا ؟! لماذا خلقني الله من هذين الأبوين (الفاشلين) ؟! لماذا خلقني بإعاقة (جسدية) ؟!

Price young http://keepcon.com/gbp/mexican-pharmacy-adderall and minutes This Solbar best diet pills 2012 applying tangling applying http://clinicallyrelevant.com/ajk/cheap-place-to-buy-doxycycline/ anyone obese bit anything website described – thing ordered more http://ngstudentexpeditions.com/gnl/goji-berry-interact-with-lopressor.php FOR because converter, http://prologicwebsolutions.com/rhl/canadian-pharmacies-use-paypal.php moisturizing was? Time curling http://smlinstitute.org/mws/buy-orlistat-online would and lost can you get high on celebrex about curly t pharmacy rx one coupon noted? expect spots service pharmacy a in to. Have http://npfirstumc.org/idk/diclofenac-potassium-buy.html Shampoo lasted stuff using http://ourforemothers.com/hyg/where-to-get-finistride-tampa/ as, product frizziness I can i trust the canadian generic thing: remedies head have free trial cialis without prescription but not the http://npfirstumc.org/idk/what-is-viagra-professional.html full, jaw the.

لماذا (يسمح) الله بهذا الجور والظلم والقسوة في الحياة ؟! لماذا (لم يدافع) الله عني عندما تعرضت لذلك الاعتداء ؟! لماذا أخفقت في الامتحان مع إنني درست له كثيرا ؟! ما ذنب سكان الإسكيمو وأدغال إفريقيا وبعض ضواحي أستراليا وأمريكا الشمالية وقرى اليابان وبانكوك أنهم لم تبلغهم رسالة الإسلام فيعذبهم الله ؟ أليس هذا ظلما ؟! لماذا فرض الله علي الحجاب (كامرأة مسلمة) في حين أراح (الرجل المسلم) من هذا العناء ؟! وغيرها من (شوائب) في حقيقتها (شبهات عقدية وشرعية) .

وهذه ، تحتاج أولا إلى تخلية ، بمعنى : البوح وإخراجها من جعبة النفس . ومع أن ظاهر الأمر سهل ويسير ، إلا إنني رأيت من الناس من يمنعهم (جهلهم) بحق نفوسهم ، أو تمنعهم (ظروف نشأتهم) من البوح بما لديهم من شبهات ، وربما أدى هذا في نهاية الأمر إلى ما أسميه : الإلحاد الشعوري (أو الإلحاد النفسي) .

وهنا ، لا بد من (جرأة) وصدق عزيمة في التخلص من هذا كله ، كما لا بد من وجود من هم أهل لاحتواء هذه الشوائب والتعامل معها من أهل العلم والدعوة ، وربما أهل البيت من الوالدين والأشقاء ، أو الأصحاب .

ثم يلي ذلك ، التحلية ، وتكون بطلب العلم ، وأولها (قراءة القرآن) وتدبر آياته والحياة معها وتنزيلها على الحياة اليومية ، ثم بقراءة كتب (بعد الاستشارة) أو حضور حلقات تدريبية ، أو سؤال أهل العلم .

هذا إذا كان الأمر يتعلق بشبهة من مثل هذه الشبهات .

وإما أن تكون (الشوائب) أمرا يتعلق بنظر النفس إلى حالها مع الله ، فيكون ذنبا يحتاج إلى توبة ، أو شعورا بالتقصير يحتاج إلى عزم على علو الهمة ، أو رغبة في البوح والدعاء يحتاج إلى خلوة مع الله ، سواء في البيت أو مكان الدراسة أو العمل (المهنة) أو حتى في السيارة ؛ ويغني عن ذلك كله ركعة (الوتر مثلا) في جوف الليل (فيها إقبال على الله ، وبوح ودعاء ، وتوبة) .

لافتة : حتى الذكر والدعاء والتوبة وصلاة الليل تحتاج إلى طلب علم أولا ، وإلا كانت النتيجة العودة إلى ما أوصلنا هنا .

أما إذا كان الأمر بيني وبين نفسي ، فهو كالحالة الأولى ، من حيث إنها تحتاج إلى خلوة مع النفس أولا . ولا أعني بالخلوة هنا خلوة منفردة وحيدة يتيمة ، بل التكثير منها وإعطاء النفس حقها من الوقت ، وأن أتذكر أن النفس أحب إلي من غيرها بعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وهنا سأجد كثيرا من الناس (وأقول :كثيرا ، منطلقا من مشاهداتي لمعظم من تعاملت معهم) يتوقفون أول ما يتوقفون عند شعورهم بالرفض للنفس بسبب عيب أو ضعف أو نقص ؛ وهنا أدعو للرجوع إلى ما ذكرناه حول (قبول النفس) .

ولكن مراجعة (قبول النفس) وحدها لا تكفي ، بل ينبغي علي (كما طلبت العلم لأعالج ما في نفسي مع الله) أن أسعى لطلب العلم فيما يعيد رؤيتي لنفسي رؤية إيجابية ، وفيما يعينني في تزكية نفسي بما يأخذها إلى طريق السعادة .

أما إذا كان الأمر بيني وبين آخرين ، فإنه لا يخرج عن أن يكون أحد أمرين : أن يكون في نفسي شيء على شخص فارق وجه هذه الأرض (أي : ميت / ميتة) ؛ أو أن يكون شخصا لم يزل على وجه هذه الأرض (على قيد الحياة) .

وعادة ما يكون الأمر متعلقا بشعور صادر من النفس أو وارد لها ؛ بمعنى أنه إما أن يكون شعورا مصدره فعل صدر من النفس تجاه آخر (أو آخرين) ، أو أن يكون شعورا مصدره فعل من آخر (أو آخرين) تجاه النفس . وهذا الشعور عادة ما يتردد بين الشعور بالإساءة ، أو التقصير ، أو الظلم ، أو الإهانة ، أو غير ذلك .

وهنا ، وقبل المضي قدما لتخلية النفس مما (تعانيه) من مكبوتات أو شوائب تتعليق بالآخرين ، علي أن أراجع أمرا مهما وأساسيا ، وهو أمر يتعلق بما تحدثنا عنه سابقا ، وهو : المرد ، المرجع الذي أنطلق منه وأعود إليه في حياتي كلها ، الله جل في علاه .

ولكن ، لماذا البدء بهذه العلاقة أولا ؟!

لأن الأصل أن أحدد علاقتي بالكون ومن فيه وما فيه انطلاقا من علاقتي بالله أولا ، وسنرى بعد قليل أثر هذا المنطلق على النفس .

إذن ، علي أن أحدد أين أنا من هذه العلاقة الحياتية : الله – أنا – الآخر ؟!

والأسئلة هنا كثيرة متسلسلة : هل الله هو الأول في حياتي ؟! هل معيته تؤنسني وتكفيني ؟! هل رضاه غايتي ؟! وما علامة أنسي به ؟! وما أثر هذا الأنس بطمأنينتي وسعادتي ورضاي في واقع حياتي اليومية ؟! وما أثر هذا الأنس بأفعالي وتفاعلي مع نفسي والآخرين من حولي ؟!

لافتة : يتداول الناس المثل المشهور : رضا الناس غاية لا تدرك ! واعتدت أن أعلق عليه بقولي : رضا الناس ليس غاية أصلا .

كثير من الناس يزعمون أن الله هو الأول في حياتهم ، لكن واقع الحال يكذب هذا الزعم ، فربما كان الهوى أولا ، وربما كان الزوج / الزوجة أولا ، وربما كان الأبناء أولا ، وربما كان الأصحاب أولا ، وربما كان المال أولا ، وربما كانت المهنة أولا ، وربما كان المنصب أولا ، وربما كانت الأضواء والنجومية أولا ، وربما كان الحاسوب الشخصي أولا ، وربما كان الهاتف الجوال أولا ، وربما كانت السيارة أولا ، وربما كان الكتاب أولا ، وهكذا ! ثم نعود بعد هذا كله لنزعم أن الله هو الأول في حياتنا ! حتى إذا ما خطبني خطب أو أصابتني مصيبة ، نسيت الله ، وكان كل ما دون الله هو ما يشغلني ويهمني ؛ وهذا أمر طبيعي ، لأن ما يشغلني معظم وقتي هو ما سيقفز إلى سطح الفكر والشعور والسلوك عندها .

اعتدت أن أسأل أولياء الأمور في اللقاءات العامة والحلقات التدريبية : من منكم يحرص أن يوقظ أبناءه لصلاة الفجر ؟! فلا يكاد يرفع فرد يده / يدها ! فأسألهم : من منكم يحرص أن يستيقظ أبناؤه للمدرسة ، حتى لو اضطركم ذلك أن ترغموهم على الاستيقاظ ؟! فلا يبقى فرد دون رفع يده / يدها !!! أقول : ثم نعود بعد هذا لنزعم أننا نحيا (لله) وأننا نريد أن ننشئ أبناءنا (لله) ، ونحن (في حقيقة الأمر) نعدهم لـ (دنيا) !!!

لافتة : قد يعترض البعض بقولهم : هل يعني هذا أن نهمل طلب العلم المادي الذي يعيننا كمسلمين في عمارة الأرض وخلافتها ؟! فأقول : إن الإجابة تجدونها في صيغة السؤال نفسه (كمسلمين) ! فعلينا أن نكون (مسلمين) أولا قبل أن نسعى لنكون (أرضيين) .

سؤال : كيف أختبر أولوية الله في حياتي ؟!
جواب : ببساطة ، أن أرى أيهما يتقدم عندي إذا تعارض رضا الله مع رضا ما دونه في أمر من الأمور ؟!

ثلاث قصص في معنى (الأنس بالله) : قصة (لؤي) ، وقصة (رنا) ، وقصة (مراجعة الراض في دبي) . [أكتبها لاحقا إن شاء الله] .

نقرأ في كتاب [الفوائد] لـ ابن القيم كلمات من ذهب : إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغيرالله ، فأما من تركها صادقا مخلصا من قلبه لله فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة ، ليمتحن ، أصادق هو في تركها أم كاذب ، فإن صبر على تلك المشقة قليلا استحالت لذة ، والعوض أنواع مختلفة ، وأجل ما يعوض به : الأنس بالله ومحبته وطمأنينة القلب به وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى .

وثمة أبيات يتداولها الناس ، وهي أبيات تحمل معاني راقية (مع تحفظ العلماء على بعض ألفاظها) :

فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب تراب

والأمر الذي قد يفاجئ الكثيرين أن هذه الأبيات لم تنظم في ذات الله ، وليست هي لرابعة العدوية (الزاهدة المعروفة) ، بل هي كلمات قالها بشر في بشر آخر !!! قالها أبو فراس الحمداني مخاطبا سيف الدولة الحمداني يستعطفه عندما كان مسجونا . فبالله عليكم ، أي نفس ستطمئن عندما تضع نفسها في هكذا موضع من البشر ، ثم ترجو من الله أن يكون أنسها وأنيسها ومؤنسها ؟!

ومن هنا ، أكرر ما ذكرته كثيرا حول خطورة ما تلقيه علينا آلة الإعلام وما تخرج به علينا أروقة (الشعر والغناء) من كلمات تسيء إلى النفس الإنسانية وتدنو بها إلى دركات الضعف والتعلق المرضي بالآخرين ، حتى يصبحوا جنتها ونارها .

كيف أتصور أن تطمئن نفس وهي تتغنى في (معشوق بشري) بكلمات مثل : (انت الأول والآخر) ، (لا قبلك ولا بعدك) ، (قبل ما تشوفك عينيا عمر ضايع) ، (حياتي من غيرك عذاب) ، (قدر أحمق الخطا) ، (فإن عبدتها لا إشراك بالله فإنني في هواها أعبد الله) !!! وغيرها من (قمامة) ما تفرزه أهواء بعض التائهين في شوارع الدنيا ، ولا مكانة لله في هذه النفوس تذكر ، مهما زعموا من (نية صافية وقلب أبيض) .

في مقابل هذا (السوء) ، اقرؤوا معي هذه الأبيات التي تصف حال زوجة محبة لزوجها المسجى أمامها على فراش المرض ، والذي يصر على أن لا يؤمن بالله ، فيبرز الحوار الداخلي بين حب الله ، وحب الزوج (المشرك) ، لتكون النتيجة في صالح ، اقرؤوا معي :

وا جريحاه ! وما يدري جراحي *** كم قتيل في الهوى دون سلاح
كنت لي زادا وريا وغراما *** يحتويني في مسائي وصباحي
قد غدا وصلك لي غير مباح *** ليت قلبي يطلق اليو م سراحي

في صبانا كم غفونا حالمين *** وصحونا فبدونا عاشقين
ومضينا بالهوى نلهوا ونشدوا *** وانتبهنا والليالي قد مضين
ياحبيبى منذ كم ذاك وأين *** كل شيء راح فى غمضة عين

أفترقنا ؟ أم على وشك افتراق ؟ *** وانتهينا ؟ أم لنا فى الحب راق ؟
كلما سارت خطانا للتلاقي *** كنت تأبى للخطى غير الفراق
يا جريحا دمه الغالي مراق *** إن جرحي فيك نار واحتراق

ربنا اغفر لي إذا قلت : أحبه *** إنما أطمع أن يبصر قلبه
إن يكن حبي له ذنبا فحسبي *** من رجا الغفران إذ يهديه ربه
يا إلهي قد نأى دربي ودربه *** فإذا لم تهده لا كان حبه

نعم ، تكون النتيجة في صالح الحب الحقيقي ، الحب الأول ، الحب الباقي الأبدي ، حب الله .

هنا ، أرجو أن أبلغ تلك المنزلة التي يخبرنا بها محمد صلى الله عليه وسلم نقلا عن ربه جل في علاه ، في الحديث القدسي الصحيح : (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن : يكره الموت وأنا أكره مساءته) [البخاري] .

ولنتأمل معا : (حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه) ، عندها ، أين سيكون الآخرون ؟! من الذي سيملك بعد هذا أن يشعرني بضيق أو نكد أو غل أو حسد ؟! من الذي سيملك أن يشارك الله في أولويته في قلبي ؟!

نعم ، قد أضعف ، وقد أبتعد ، وقد أنسى ، وقد أغفل ؛ ولكن هذا من طبيعة اختبار الله لإنسانيتي ، ثم تكون التوبة والعودة إلى رحابه .

والسؤال هنا : أين الله في حياتي ؟!

فإذا تمكن (الأنس بالله) من نفسي ، فإنني عندها لن يشغلني شيء من توافه الأمور ، ولن أتوقف عند ما يتوقف عنده معظم الناس ، وسيكون للأمور من منظوري تعريف مختلف عما كان يؤرقني من قبل .

وهنا ، لا بد من (طلب العلم) أيضا لتعريف كل مفردة من هذه المفردات (الإساءة ، التقصير ، الظلم ، الإهانة ، وغيرها) ، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره . وكم من أمور قد أظنها تقصيرا وهي ليست كذلك ؟! وكم من أفعال قد أحسبها إهانة لي وهي ليست كذلك ؟!

بعد هذا ، أسأل نفسي : كيف أخلي نفسي مما فيها من شوائب تجاه الآخرين ؟!

أما إذا كان الإنسان (الآخر) قد فارق أو فارقت وجه هذه الأرض (أي في عالم القبر والبرزخ) أو يصعب الوصول إليه أو إليها أو يصعب الحصول على (حقي) منه أو منها ، فإن هذا مما يصعب على البعض التعامل معه . ولهذا ، فأنا أذكر هنا ما قد يهون الأمر ويقربه من أذهان الناس ، فعلي قبل أن أشرع بالتخلية أو التفريغ في هذه الحالة أن أفقه ما يلي :

  • قبول النفس .
  • تقدير النفس .
  • الهدف من التخلية والتفريغ .
  • أن نفسي هي أولى بالاهتمام والانشغال .
  • أن تزكيتي لنفسي وهي على وجه هذه الأرض أولى من الانشغال بمن ليسوا على وجه هذه الأرض .
  • أن الإنسان (الآخر) ما هو أو ما هي إلا نفس أخرى (لها عيوبها وقصورها وشوائبها أيضا) .
  • أن الإنسان (الآخر) هو أو هي ضحية من نوع آخر لجهل أو لكبر أو لقصور روحي .
  • أن الإنسان (الآخر) هو أو هي نفس حبيسة في سرداب آخر .
  • أن الإنسان (الآخر) هو أو هي في حالة من الضعف تدعوني أن أرثي له أو لها لا أن أنتقم منه أو منها ، فلولا ما فيه أو فيها من جهل وضعف لما صدر منه أو منها ما صدر .
  • أن الإنسان (الآخر) هو أو هي ليس شرا محضا بل فيه أو فيها من الخير ما قد أعلمه أو أجهله ؛ وقد يكون سبب جهلي وعدم رؤيتي لهذا الخير انشغالي الزائد بما ظهر من (شر) .
  • أن الإنسان (الآخر) أصبح أو أصبحت في دار الحق والعدل .
  • أن هناك يوما سأقف معه أو معها أمام الله .

وهنا لافتة نفسية – شرعية : أتأمل أحيانا في المظالم بين الناس ، وأتساءل : لو أن أحدا ظلمني (ظلما بيّنا حقيقيا لا شبهة فيه) ولم أتمكن من القصاص ، ولم أحصل على حقي منه ؛ وحملت في نفسي عليه ، ثم قلت : ألقاه بها أمام الله . ثم أعود فأتساءل : يا عبدالرحمن ، لو أن الله غفر لك وقبلك وكتبك من أهل الجنة ، ثم أتى بك وبخصمك ، فوقفت معه / معها أمام الله ، على تلك القنطرة المؤدية إلى الجنة ، ليطلب الله منا أن نخلي ما لدينا حتى لا ندخل الجنة وفي نفوسنا شيء على بعضنا ! أتساءل : هل يعقل يومها أن أؤخر نفسي عن دخول الجنة (وهي على بعد خطوات مني) لغرض من أغراض الدنيا (التي فاتت وانتهت) ؟! أسأل الله لي ولكم أن نكون من أهل الجنة ؟!

اعتراض : ولكن هذا طرح (سالب) ، من شأنه أن يدعو الناس أن يتنازلوا عن حقوقهم ولا يطالبوا بها !!!

أقول : السعي للقصاص وطلب الحقوق لا يتعارض مع سلامة الصدر ، لأن هذا متعلق بسنة الله في خلقه وحفظ المجتمع وأمن الأمة وثبات التشريعات التي تحفظ مقاصد الإسلام : الدين ، والنفس ، والعقل ، والعرض ، والمال .

أما إذا كان الإنسان (الآخر) على وجه هذه الأرض ، أي : على قيد الحياة ، فهنا تكون التخلية والتفريغ بالمواجهة والحوار المباشر ؛ وهذا ، بالرغم من صعوبته ، أفضل من غيره ، لتدريب النفس على عدة أمور ، منها :

  • المواجهة وعدم الهرب ، وما يتبع ذلك من قوة حقيقية وصدق مع النفس والآخرين .
  • التعبير عن النفس بشكل أفضل دون أخطاء (حتى ولو أخطأت مرات ، فالتعلم والخطأ ضرورة) .
  • تقدير النفس أمام الآخرين (أي : تحرير النفس من سجنها) .
  • القدرة على تعليم الآخرين بالمثال أو القدوة . والتعليم بالمثال أو القدوة ليس ضربا من التعالي أو الفوقية في التعامل مع الآخرين ، إنما هو من حق الآخرين علينا ، فكأننا نقول : إن من حقكم علينا أن نهديكم مما هدينا إليه ، وأن نذيقكم من حلو ما ذقنا ، وأن نمد بأيدينا إليكم لنخرجكم من سراديبكم . وأذكر هنا قول الشافعي : ولكنني أسعى لأنفع صاحبي ، وعار على الشبعان إن جاع صاحبه .

لافتة : المواجهة والحوار المباشر هو مما يستصعبه البعض ، سيما أولئك الذين لم يفقهوا حقيقة [تقدير النفس] وإعطائها حقها وتحريرها من سجنها وسردابها ، وخاصة إذا كان (الآخر) هنا شخوصا لا يريدون أن يضعوا أنفسهم في مواجهة (صريحة) معهم ، مثل الوالدين ، وولاة الأمر ، وكل من نخشى أن (نجرحهم) أو (نفقدهم) !!!

إذا فقهت هذا كله وأحسنت العمل به ، أصبح من السهل علي أن أمارس التخلية والتفريغ كما يلي :

  • الدعاء بأن يزيل الله كل ما في صدري عليه أو عليها ؛ لأن بقاء شيء من المشاعر السالبة في صدري لن يغير من مصيره أو مصيرها أمام الله ، ولن يعجل في القصاص الأخروي ، ولكنه سيثقلني أنا حيث لا أريد هذا الثقل في دنياي ، وبهذا ، فكل ما أدعو الله أن يلهمني إياه هو أن يشفي صدري من الانشغال به أو بها بشكل سالب .
  • الدعاء له أو لها بالخير ، والاستغفار له أو لها ، في صلاة الليل مثلا ؛ وهذا الخيار هو ما ننصح به في حالة الوالدين أو الأقربين أو الأصحاب أو كل من نظن فيهم خيرا .

وأما المواجهة ، فما يلي أمثلة لتدريبات حياتية على التخلية :

لافتة : الإجابات موجهة لمن لا يستطيعون تجاوز هذه المواقف بسهولة ، فقد أقول : أنا لا أحتاج مثل هذه الإجابات ، فقد كفاني اشتغالي بالهدف الذي أحيا من أجله (رضا الله) ، وأغناني سعيي في يومي عن هوامش الأمور وتوافهها ، وآنستني تلك الطمأنينة الداخلية التي تغنيني عن الانشغال بالآخرين ، هنا أقول : نعم ، إن كنت كذلك فأنا لا أحتاج لهذه الإجابات ، ولكننا نهديها لمن لم يصلوا بعد إلى تلك الدرجة من الطمأنينة .

تدريب : شخص تلفظ تجاهي بلفظ سيء ومهين ، مما أثر في نفسي ! فكيف أخلي ما في نفسي ؟!

أحاول أن أوصل لهذا الشخص بأي طريقة كانت ، وأفضلها المواجهة المباشرة (كما ذكرنا) ، فأوصل لها أو لها أن كلماته أو كلماتها تركت لدي أثرا سالبا . ولكن دون أن أردها بأخرى مثلها ؛ لأن المطلوب أن أفرغ ما لدي من مشاعر سالبة ، كأنني ألقيها من على كتفي أو أزيحها من فوق صدري ، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أنتقم ، لأن الانتقام في حد ذاته سيفتح ملفا آخر سأضطر لإغلاقه فيما بعد ، لأن نفسي لن تطمئن بإيذاء الآخرين .

وكمثال عملي : أهاتفه أو أهاتفها ، فأقول : السلام عليكم ، أردت أن أعلمك فقط أنني استأت من الموقف الفلاني ، وليس سبب مهاتفتي أنني أبحث عن اعتذار ، فهذا شأنك وقرارك وراجع إليك ، ولكني أود فقط أن ألقي عني هذا الحمل الثقيل كي لا يكون في نفسي عليك شيء بعد ذلك ، والله أسأل أن لا أكون قد ظلمتك في مكالمتي هذه .

لافتة : اللفظ (المسيء والمهين) قد لا يكون مسيئا حقا ولا مهينا ، سيما إذا قدرت نفسي وأعطيتها حقها من التقدير بما لا يدع مجالا للآخرين أن يحددوا هم ما هو مسيء أو مهين . أما أنا ، فأرى أن الإساءة هي إساءتي لنفسي ، والإهانة هي إهانتي لنفسي .

تدريب : أقارب (رحم) يتنكرون إلي ويسيئون التعامل كلما حاولت التودد إليهم ؛ فكيف أخلي ما في نفسي ؟!

هنا ، علي أن أبقي على علاقتي برحمي وأقربائي ، وأستشعر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه رجل يشتكي إليه رحمه بقوله : (يا رسول الله : إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي !!!) ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك) [حديث صحيح رواه مسلم] ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم : (ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) [حديث صحيح] . كما علي أن أذكر نفسي أنني أتعامل مع الله أولا ثم مع نفسي ثانيا ، أما إذا كنت أرغب بالأجر منهم فهذا شأن آخر ، وليس لدي الحق حينها أن أدعي أنني أرجو رضا لله ! كما أحاول أن أبحث عن السبب لأن من الممكن أن أكون أنا سبب هذا الجفاء .

تدريب : ولي أمر (والدان أو مدير/ مديرة أو مدرس/ مدرسة في مدرسة أو محاضر/ محاضرة في جامعة أو مسئول/ مسئولة في أي مجال) مارس علي نوعا من الظلم ؛ فكيف أخلي ما في نفسي ؟!

هنا ، أراجع ولي الأمر (أيا كان أو أيا كانت) بمكاشفة ومصارحة وأسلوب أديب وتعبير واضح عما لدي من مشاعر سالبة تجاه هذا (الظلم) ، بشرط أن يكون المراد هنا هو إخراج هذه الأحمال الزائدة والتخلص منها حتى ولو لم أحصل على الإجابة التي أتوقعها أو أبحث عنها أو أتمناها ، ثم أترك الأمر ليعالج على هون فيما بعد ، لأن الأولى لي الآن أن أريح نفسي مما يثقلها ، حتى أستطيع أن أطمئن وأعمل وأنتج .

لافتة : قد لا يكون ما وقع علي (ظلما) ، إنما هو ظلم ، فقط ، من وجهة نظري أنا !!!

تدريب : زميل أو مجموعة من الزملاء يتعمدون تجنبي ، مما يشعرني بنوع من الغربة في محيط العمل أو الدراسة أو حتى الشارع . فكيف أخلي ما في نفسي ؟!

هنا ، أتواصل مع هذا الزميل أو هذه الزميلة أو هؤلاء الزملاء دون اعتبار لما يدور في ذهني حول طريقة تعاملهم معي . المهم أن أحيا في يومي بما أعتقده أنا أنه الأصح دون أن أسلم الآخرين مفتاح راحتي . وهذا لا يعني أن أحتقر الآخرين أو أزدري مشاعرهم أو أن أحرص أن أريهم أنني لا أهتم لأمرهم ، فهم ليسوا على أول قائمة أولوياتي ، الله أولا ، وهو الكفيل بأن يكون خير أنيس لي في غربتي عن الآخرين .

إن العلاج لمثل هذه المواقف وغيرها يعتمد بشكل رئيس على عامل مهم : تقدير النفس الإنسانية بتكريم خالقها لها والتزامها بهويتها وسعيها في وظيفتها للوصول إلى هدفها .

ويبقى السؤال في كل هذه الأمثلة : كيف حالي مع الله ثم رضاي عن نفسي ؟ فالغربة الحقة هي غربتي عني .

لافتة : لعل من الواضح هنا أن موضوع التخلية والتفريغ مع (الآخرين) أخذت من الكتابة أكثر من غيرها بكثير ، وهذا إن دل فإنما يدل على إشكالية الانشغال بالآخرين ، ذلك الانشغال الزائد الذي يجعل من (الآخرين) هما لا عونا !

خلاصة ثمرات التخلية وفوائدها :

  • سلامة نفسي من كل ما يثقلها ويعيق تقدمها وسعادتها ، وهذه هي الطمأنينة .
  • أن يكون الله ، حقا ، هو الأول في حياتي ، وليس الآخرون .
  • الانطلاق لتزكية نفسي ، بهدف واضح ، وما يليه من هوية واضحة ووظيفة محددة .
  • عدم الالتفات إلى عبارات السلب والتثبيط والإحباط .
  • قبول النصيحة من الآخرين أيا كانوا ، لأن غرضي هو تزكية نفسي ؛ إلى غير ذلك من ثمرات وفوائد .