هل الشعب الأمريكي أكثر حرية ؟! حقا ؟!

على هامش التقليد، أرى أن من المهم أن أقف هنا لأحكي عن منظوري للحرية الأمريكية، وبالأخص ما كنت أشهده وأنا في أمريكا.

كنت قد عرفت أمريكا، كغيري، من خلال سفيرها الأبرز والأظهر، التلفزيون، فكنت أشاهد الرسوم المتحركة الأمريكية، ثم كبرنا مع الأبطال الخارقون الأمريكان، وصرت أشاهد الأفلام الأمريكية التي تصدر لنا “الحرية الحلم”.

ثم بدأت القراءة في كتب “الأمريكان”، وبدأت أحاول قراءة “فكر الأمريكان”، وأسافر بخيالي إلى “الحرية الأمريكية”، والنظام الأمريكي الذي “يحرر” الإنسان.

ثم اتسعت المدارك بقراءة علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة وتاريخها، وصولا إلى منتجات الفكر الغربي عموما، والأمريكي خصوصا، وكان من أهم تلك المحطات، ما قرأته لبعض الذين سبقوني إلى “أمريكا” وثقافتها، من أهل الفكر والعلم، فكان التطواف في كتب سيد قطب، ثم إسماعيل الفاروقي ومؤسسته (المعهد العالمي للفكر الإسلامي)، وجعفر شيخ إدريس، وعبدالوهاب المسيري، وأخيرا كتاب أحمد خيري العمري [الفردوس المستعار والفردوس المستعاد].

فكانت الصورة التي تكونت في نفسي عن أمريكا أنها “جامعة المتناقضات”، وعن الأمريكان أنهم “لحظيون عبثيون”، إلا إن هذا لم يكن إلا تصور مسبق لا يقوم على تجربة شخصية أو تماس مباشر مع “العينة المدروسة”.

ثم قدر الله لي أن أعمل في دبي، فكانت العيادة النفسية هناك تحوي قرابة 33 جنسية مختلفة، فكانت إطلالة غنية على عوالم متنوعة وأطياف مختلفة وثقافات متعددة، ومن هؤلاء طبعا: أمريكا والأمريكان. رأيت عندهم شيئا مما تصورته مسبقا، وشيئا مما لم أتصوره، ومن أهم الأشياء التي اكتشفتها في “العينة العشوائية” من الأمريكان في “العيادة النفسية”، أنهم “مقلدون” أو “تقليديون” بشكل غير متوقع !!! ولعل من أكثر العبارات ترديدا على ألسنتهم: “هكذا فقط” أو Just Because !!!

ثم كان أن سافرت إلى أمريكا، فيسر الله لي أن أسكن مجاورا لهم، وأن أعمل معهم، وأن أدرس بعض طلابهم، من مختلف الأطياف والمراجع الاجتماعية والمعرفية. وهناك، بدأ يتأكد لي ما اكتشفته في دبي، النفس المقلدة، والنظام التقليدي.

ولعل أول مرة واجهت فيها نفسي والجمهور “الأمريكي” في هذا الأمر، عندما كنت ألقي محاضرة لمجموعة من الطلاب “الأمريكان” في جامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins؛ وكنا نتحدث عن المنظور النفسي للحرية، وتطبيقات الحرية على واقع الفرد في أمريكا، وفي الشرق الأوسط.
قلت للطلاب: لعلي أفاجئكم أنكم “الشعب الأمريكي” أكبر قطيع غنم أراه في حياتي.
قالوا (مستغربين مستنكرين): ماذا ؟! نحن قطيع ؟! وهل تجرؤ على هذا وأنت قادم من الشرق الأوسط ؟!
قلت: نعم، ولعلي أبرهن لكم على هذا لو أنكم صبرتم وأمهلتموني شيئا من الوقت.
منذ أن وصلت إلى أمريكا، ومع تنقلي بين الولايات، وعلى الرغم من سكني في أماكن مختلفة الأجواء التي يفترض بها أن تكون “الحرية” سمتها البارزة، خصوصا “السكن الجامعي” والحارات التي يملأها الطلاب الجامعيون. ومع استعراضي لطبقات متعددة من المجتمع الأمريكي من خلال المحاضرات والدورات التدريبية والاستشارات النفسية والتربوية، هذا كله بالإضافة إلى المعايشة اليومية للناس في الحي، والشارع، والسوق.
وكانت خلاصة ما رأيته، أن الإنسان الأمريكي يعيش يوما متكررا باقي السنة، ولا يقطع “النمطية” عنده إلا نهاية الأسبوع، التي هي أيضا “نهاية أسبوع متكررة”؛ وهكذا دواليك. وربما اعترض البعض بأن هذا أمر “طبيعي”، فأقول: نعم، إذا كان يثمر إنتاجا على مستوى الفرد والمجتمع، النفس والأمة، أما إذا كان النمط التقليدي لا يخدم إلا “المادية الفردية” و “الرأسمالية العولمية” في مقابل سحق القيم الاجتماعية والأسرية، فهذا شان آخر.
وللتدليل على كلماتي، أحببت أن أعطي الطلاب مثالا من واقع حياتهم، كوني أحيا قريبا منهم، وأرى منهم ما قد يكفي لأعرف “نمط عيشهم”.
قلت لهم: أنتم تبدؤون يومكم بكأس من “ستاربكس” أو ربما غيره من أنواع “القهوة”، ثم تركبون سياراتكم، أو تنتظرون “الحافلة” وأنتم “تدخنون” أو بدون “تدخين”، مع السماعات الموضوعة على الأذنين، فتفصلكم عن المحيط، وعن النفس أيضا، فتصل الحافلة، ويجلس كل فرد على كرسيه/كرسيها، دون اعتبار لوجود كبير في السن أو امرأة حامل، وربما حجز الفرد مقعدين، مقعد له/لها، ومقعد للحقيبة، فلا يكاد يستشعر حاجة الآخرين حتى يطلب شخص آخر منه/منها أن يخلي/تخلي له المقعد (هذا ما لاحظته مرات ومرات حتى تأكد لي أنه نمط منتشر، في ولايات مختلفة، وفي مواطن متنوعة) !!!
ثم تصلون إلى الجامعة أو مكان العمل، فيبدأ العمل الذي يتخلله حديث دنيوي بحت، عن الألبوم الذي صدر مؤخرا، أو الفيلم الذي ذهبتم لمشاهدته نهاية الأسبوع، أو ربما وجبة العشاء التي تناولتموها ليلتها، وربما بلغ الأمر التفصيل في “ليلة السبت” وما جرى فيها من “مغامرات جنسية”.
ثم تأتي “ساعة الغداء” التي لا تلبث أن تكون امتدادا لما مضى من “موضوعات ساذجة”.
ثم تعودون إلى الفصول الدراسية أو أماكن العمل، حتى نهاية اليوم الجامعي أو المهني.
ثم تعودون إلى البيت بنفس النمط الذي أتيتم به صباح اليوم: سيارة أو حافلة، كوب القهوة، التدخين، السماعات، الهدوء العام والصخب الخاص.
ثم تتوجهون إلى أقرب دكان أو “سوبر ماركت” لشراء “الطعام الجاهز للإعداد”، فتعرجون على “متجر أقراص الفيديو” أو “ماكينة أقراص الفيديو” لتأجير فيلم لمشاهدته في “وحدة البيت” أو ربما مع مجموعة “الزملاء”، وهذا الفيلم ربما لا تتمكنون من مشاهدته أياما، فتضطرون إلى دفع غرامات التأخير.
وربما تحمس بعض الشباب “الجامعيين” فعرجوا على “متجر الخمور” ليأمنوا أنفسهم بما يلزمهم لتلك الليلة من “علب البيرة الباردة” !!!
وهكذا، تمر الأيام على هذا النمط، حتى نهاية الأسبوع، حيث أفاجأ بخروج الطلاب والعاملين من مقاعد دراستهم وأعمالهم مستعجلين، حتى تتمكن الإناث من العودة مبكرة لتستعد بالتبرج المطلوب لتلك الليلة “المنتظرة”، وكذلك الذكور !!!
وكم هو مؤلم أن تتكرر المشاهد بطريقة مملة، مشاهد “الطوابير الطويلة” عند “النوادي الليلية”، ومشاهد “القيء” في الشارع، و “التسكع” و “تعاطي المخدرات” بين الجنسين على الرصيف، وانتهاء بالترنح الذي يستدعي سيارات الشرطة للتوقف واختبار “وعي” المترنحين، ثم إيصالهم إلى “بيوتهم/بيوتهن” !!!

وفي هذا كله أسألكم: كم نسبة مشاركة الطلاب الجامعيين في أمريكا في الانتخابات المحلية والرئاسية في أمريكا ؟!
ثم أسألكم: كم نسبة مشاركة الشعب المصري (المسكين) في الاستفتاء على التعديلات الدستورية بعد ثورة 25 يناير ؟!

أما أنتم يا “أحرار”، فلم تتجاوز نسبة مشاركتكم في صناعة مستقبلكم أكثر من 25%؛ في حين بلغت نسبة مشاركة المصريين في هذا 67%.

فإذا سألتموني، ماذا عن الشرق الأوسط ؟! فأقول: من العدل أننا إذا أردنا أن نقارن، فعلينا أن نقارن المدخلات والمخرجات؛ ومن هنا، فإن الفرق بيننا وبينكم هو ما يلي:

أنتم تنعمون بسقف من الحرية عالي جدا، على الرغم من محدوديته بما تمليه سياسة البيت الأبيض، وبناء عليه، فأنتم تنهضون صباحا، فتسيرون كالقطيع في طريق معبّد، يحكمكم سياج من هنا وهناك، فينظم سير القطيع، فتتوجهون راغمين إلى المرعى، الذي سرقه ساداتكم، وأبقت لكم منه ما تلمع خضرته في أعينكم، على الرغم من قلته وفساده، تأكلون منه ما يشعركم بالاستغناء “الوهمي”، ثم تعودون في نفس طريق القطيع المعبّد، متوجهين إلى بيتكم “المرهون والمديون” لتجلسوا أمام “الصنم الإعلامي = التلفزيون” ليملي عليكم بما تريده منكم سياسة ساداتكم، ثم “الجنس” والنوم.
وفي هذا كله، تعمل سياستكم على إبقائكم تحت وطأة “عولمتها”، بالضغط على مواطن الضعف والتخلف في مناطق الشرق الأوسط، الذين هم نحن.

أما نحن، فليس لدينا سقف حرية أصلا، إنما هو قاع من قيعان الإذلال والاستعباد. ننهض صباحا، فنخرج على طريق ليس بالمعبّد ولا بالمنظم، قطيع سائب ومسيّب، نرتطم بعضنا ببعض، نترنح من هول “الظلم والضغط” لا من “أثر الخمر”. نتوجه راغمين إلى المرعى المنهوب والمسروق، والذي لم يكد يبقى منه ما يشجع حتى على التنافس عليه، ومع هذا، فليس لنا إلا القتال عليه، فتنقضي أوقات العمل في المرعى المنهوب، مع ما يتخلل هذه الأوقات من ممارسات غير منتجة ولا سعيدة !!! ثم نتوجه عائدين إلى نفس الطريق غير المعبّد، في زحمة مرور، وعبثية النظام المروري، نتقاتل غادين ورائحين. ثم نتوجه إلى بيوتنا محاولين أن نقلد القطيع الأمريكي في الجلوي أمام الصنم الإعلامي الذي نحاول أن نتوهم من خلاله “المرعى” الي لا نراه إلا في عالم الوهم “الإعلام”، وربما كان ما مر من ضغط نفسي خلال اليوم كفيلا بأن يمنع النفس حتى من شهوة “الجنس الحلال” !!!

هذا هو الفرق بيننا وبينكم، أنتم “قطيع متقدم” ونحن “قطيع بدائي”، ولكننا في “التقليد” مشتركان. بيد أن الفرق الأظهر بيننا وبينكم، أننا مع هذا كله، لا زلنا ننعم بشيء من الدين (على الرغم من تشويهه والجهل به)، مما يجعل فكرة (الانتحار) لدينا مستهجنة حتى الآن، أما أنتم، يا طلاب الجامعة، يا من تعيشون “الحلم الأمريكي”، فلا همّ المال، ولا همّ العمل، ولا همّ النجاح مثلا؛ وها أنتم تعانون من نسبة انتحار، لعلها هي الأكثر بين قطاعات الشعب الأمريكي.

والسؤال هنا: إذا قارنا المدخلات والمخرجات، من هو القطيع الأشد ظلما لنفسه ؟!