مولد المشعوذ، وصناعة (المشعوذون الجدد): أحمد عمارة أنموذجا

مولد (المشعوذ)، وصناعة (المشعوذون الجدد) في سطور:

أحمد عمارة أنموذجا.

نبدأ القصة من الآخر، من لقائه الأخير على قناة المحور المصرية (نفس المنبر الذي خرج على الناس منه ليقول ما قال)

لافتة: سأتحدث بلسان حاله، ثم سأعلق (بين قوسين).

أنا شخص كنت منذ 4 سنين جاهلا بديني.
(هذا ذنبك. ثم ماذا؟ نزل عليك الوحي وأنت في غار حراء مثلا !!! مع أن هذا يناقض ما ستذكره بعد قليل !!!)
أنا درست في الأزهر.
(مرور شخص على مدارس الأزهر لا يعني أنه ينتسب إليه بافتخار، وهذا نوع من التدليس؛ خصوصا إذا كان مرورا فاشلا كما سيلي)
درست في الأزهر 12 مذهبا. (ولكن الأزهر لا يدرّس 12 مذهبا من الأصل !!!)
لا، لا، لا، لم أقل إنني درست 12 مذهبا، ولكنكم فهمتم خطأ. (عند مراجعة ما قاله بالنص، نجد أنه يكذب)
أنا قلت إنهم “درّسونا” أنها 12 مذهبا. (تهرّب متوقع بوضع اللائمة على آخرين لا يمكن الرجوع إليهم الآن)
ولكني كنت أتساءل: هل يعقل أن نحبس أنفسنا في 4 مذاهب فقط ؟!
(تساؤل جاهل؛ كما يعني أن التوقف والتساؤل ليس منذ 4 سنين فقط !!!)
فسألت يوما مدرسي عن المذاهب الأربعة، فأخبرني أن هناك 12 مذهبا، وأكثر. (من هو هذا المدرس ؟! الله أعلم !!!)
لكني ما زلت مصرا على أنهم أكثر بكثير حتى من 12 مذهبا. (عناد المراهقين وكبر الجاهلين)
تخرجت من الأزهر وأنا أعتقد أن الأزهر هو الأصح. (!!!)

ثم سافرت إلى اليمن فدرست في معهد شيعي، وكانوا يزعمون أنهم هم الأصح. (!!!)
لا، لا، لا، لا أعني أن المعهد شيعي، أنتهم فهمتموني خطأ! ولكن جارنا كان شيعيا، فكنت أسمع أذانا جديدا. (!!!)

ثم سافرت إلى السعودية فدرست في جامعة إسلامية، وبدأت أسمع “رأيا واحدا فقط” وسمعت أن “كل شيء حرام”.
(إذا كان ما سبق كذبا، فكيف بهذا؟)

وهناك، درست علم النفس العام.
(الله أعلم! على أي حال، هذه هي الشهادة الوحيدة التي يمكن اعتبارها، مع أن حملتها من الألوف غيره في المنطقة)

ثم بحثت في الأمر، ونظرت يمنة ويسرة.
أنا كغيري من أبناء هذا الجيل، أبحث عن “النجاح” و “التميز”؛ بأي طريقة، بأي طريقة، بأي طريقة.
هناك كثير من قصص الناجحين من حولي، منهم “مثابرون”، ومنهم “مشعوذون”.

أنا لست “علميا”، ولا أملك المثابرة للقراءة وطلب العلم على أصوله؛ كما لست صبورا لأطلب التميز عبر وسائله “المشروعة”.

باختصار، أنا فاشل يبحث عن “النجاح السريع”.

هناك طريق أيسر وأسهل، ورموزه “ناجحة ومشهورة”، وهو طريق “التنمية البشرية”، التي صارت “مهنة من لا مهنة له”.
التنمية البشرية لا تحتاج لـ “علم”، كل رأسمالها قراءة كتيبات “الأكثر مبيعا”، وحضور بعض “الدورات التدريبية”، ومعرفة “أدوات النصب”.

ولكن ماذا عن “الشكل العلمي والاجتماعي” ؟!
هذا سهل، ما أكثر الشهادات (المشبوهة) التي يمكن الحصول عليها عن طريق الإنترنت، دون سفر أو تعب أو اجتهاد، ومن جامعات “غربية”!
ومن أهمها: الجامعة التي تخرج منها “رائد التنمية البشرية” من قبلي، وتخرج منها آخرون، تمنح “الدكتوراه” في قرابة عام ونصف العام.

ولكنها “جامعة باطنية مشبوهة غير معترف بها” !!!
ما المشكلة ؟! من سيسأل؟ المهم: حرف الدال وكلمة الدكتوراه، لزوم “الشغل والنصب”.
ثم إنني سأعمل على تكرار عبارات: “أنا متخصص”، “عندنا في تخصص علم النفس”، “أنا كمستشار متخصص”، وغيرها من مفردات “تدليس”.
وهكذا، أكون قد “كذبت الكذبة وصدقتها”، ولا يبقى إلا أن أقنع بها “الضحية”، وهذا سهل من خلال جهاز الكذب الأول “التلفزيون”.

ولكن، ماذا لو سألني أحد عن التخصص ؟!
هذا أمره سهل أيضا. العناوين “على قفا من يشيل”، والكذب سهل، وسأعمل على أن أتغافل عندما يقال عني إنني “طبيب”. (وهذا ما يحصل كثيرا).

ولكن ماذا عن الرقابة المجتمعية والحكومية ؟!
الحمد لله: الحكومات مشغولة، والرقابة المؤسسية والمنهجية والأكاديمية غائبة، مما يسهل عليّ أن “ألعب” كما أريد.
والحمد لله: المنهج العلمي غائب عن الأمة، عواما وخواصا. (إلا من رحم الله)
والحمد لله: الناس ليس لديهم قدرة على التدقيق والتنقيح والمتابعة، كما يفتقرون إلى أبجديات التفكير عموما، والتفكير الناقد خصوصا.
والحمد لله: الناس مشكلاتهم كثيرة، وهم في حاجة إلى من يشعرهم بالاهتمام والفهم، ويقدم لهم العلاج “السريع”.
والحمد لله: لدي من المفردات “الدينية” والمراوغة “الكلامية” ما يكفي ليمنح المقابل شعورا بـ “الثقة” فيما أقوله وأقدمه.
والحمد لله: “الإيحاء” بالوهم، والتأثير على “العقل الجمعي” يلعب دورا كبيرا في اقتناع “الضحية” وتصديقه بـ “النتيجة”.
والحمد لله: الإعلام يقدم “ما يطلبه الجمهور”، ولا يعنيه التحقق من الضيوف؛ كما يتمتع المذيعون والمذيعات بأقل قدر من التقوى والنقد.

بهذه الطريقة، تكتمل لدي خيوط الجريمة التي يمكنني أن أمارسها دون أن يتهمني أحد أو أن يشكك فيّ وفيما أقدمه.

ولكن ما هي الصورة التي سأقدم نفسي من خلالها ؟!
أنا لا أريد أن أصنف ضمن تصنيف “مرفوض مسبقا” عند “الضحية”.
أعرف هذا، ولهذا، فسآخذ من كل بستان زهرة، من الدين وأهله، ومن النفس وعلمائها، ومن الدعاة وأساليبهم، ومن “النجوم” و “سحرهم”.
ثم إني سأعمل على أن أستخدم لباس أهل “الدين المودرن”، وأتحدث بلسان أهل “التنوير”، وأحاول أن أستعطف جميع “الضحايا”، حتى لو اضطرني الأمر أن أقول مثلا: “أنا أؤمن بالتوراة والإنجيل الذين بين أيدينا الآن” أو “الذين يتشددون في الدين يعبدون إليها آخر غير الله”؛ المهم: رضا الجمهور.

وهكذا، لم أجد لـ (فاشل) مثلي، إلا أن يركب موجة “التنمية البشرية”.
ولكني أحببت أن “ألعبها صح” و “آخذها من قاصرها”.
(وهذه حال الكثيرين من أبناء العالم عموما، والأمة العربية خصوصا، حتى أصبحت التنمية البشرية: مهنة من لا مهنة له)

ولكن ماذا عن المعلومات “الدينية” ؟!
هذه أيضا أمرها سهل، والحمد لله على العم “جوجل”. فبالإمكان أن أتعلم الدين كله، وأتفقه في الحلال والحرام، وأستعد لـ “الاجتهاد” في 4 أيام فقط.
(أشهد، والنتائج واضحة)

وماذا عن أهل العلم وأهل الذكر والمتخصصين ؟!
هذه لعبتي. سأقنعهم بأن أصل التفكير هو من تخصصي، وأنني أنا من أعلمهم وأعلم غيرهم مفردات مثل: التبين والتفكر والتذكر والتدبر والاستنباط. (على اعتبار أن أصول الدين وعلوم الإيمان والعقيدة لا تدرس طلاب العلم الشرعي كيفية التفكير والمنطق والاستنباط وغيرها، مما يجهله هذا المشعوذ)

بل سأقنعهم أن الاجتهاد ليس مقصورا عليهم، ولا حق لأحد أن يحتكر “الدين” لنفسه.
(مع أنه يفتقر لأبسط أدوات الاجتهاد، ضعف في حفظ القرآن وقراءته، وضعف في اللغة، وجهل بعلوم القرآن ومصطلح الحديث وأصول الفقه !!!)

وماذا لو بدأ المخالفون بمحاربتي ؟!
سأحاربهم من موقعي على التلفزيون، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وسأعتمد في هذا كله على عمى الجمهور وجهلهم وانقيادهم لي وإلغاء عقولهم.
وسأجعل منهم “شياطين” في عيون الجماهير “الضحايا”، وعلى الرغم من أننا نتهمهم بأنهم “تكفيريون”، إلا إنني سأقول عنهم مثلا:
“رسالة إلى المكذبين”
“سماهم الله كفار، وقال عنهم: فقال الملأ الذين كفروا۟ من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا”
“كذبوا في الماضي كل الرسل. كذبوا في الماضي كل الصالحين من غير الرسل”
“لكنهم يعبدون إلها آخر غير الله ينفي كلام الله فيتبعوه ليرضوا الإله الآخر داخلهم ويرضوا الهوى”
“ولأنهم يعبدون الإله الآخر، فقد طمس الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم”
“انظروا كيف أخبر الله عنهم في القرآن قائلا: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين * فلا تطع المكذبين”
“هؤلاء هم رويبضة هذا العصر”
“يفعلون كل الموبقات التي نهى الله عنها في صريح نص القرآن”
“فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم”
“يسمون الأمور بغير مسمياتها” (على اعتبار أنه يعلم مراد الله من الأسماء وأن ما يقوله هو الحق اللازم !!!)

(وغير هذا من سوء أدب ووقاحة وتطاول على أهل العلم والاختصاص من المخالفين له ولشعوذته)

ولكن ماذا عن الجمهور المتدين الطيب ؟!
بالضبط: هو متدين وطيب، ومن هنا سأعتمد عليه في محاربة أهل العلم الشرعي والشيوخ والعلماء، لأن الناس ملوا من القديم، وينتظرون الجديد.
(وهذا هو حال عوام الناس، بل وهو حال أهل الأمية المركبة)

وماذا عن التسويق والإعلام ؟!
هذه سهلة، وهي لزوم الإيحاء والخداع والإيهام، والإقناع المسبق بالقوة التي أمتلكها لـ “تغيير” حياتهم إلى الأفضل.
كل ما يلزمنا: إعلانات بتخصصات متنوعة ومختلفة: مرة “مستشار نفسي”، ومرة “اختصاص طاقة حرارية”، ومرة “اختصاص طاقة حيوية” !!!
ولا بأس بشيء من الصور الشخصية التي تسوق للفكرة: صورة وأنا مبتسم بصحبة العائلة، وصورة وأنا أحاضر في آلاف الحاضرين، وصورة أنا ساجد (وأعوذ بالله من الرياء)، وصورة وأنا أسجد تحت الماء !!! وصورة وأنا أرفع يدي بالدعاء، وصورة وأنا أمارس التأمل، مع ربط التأمل بمقالة عن “تحريف القرآن” مثلا !!! وصورة وأنا أمارس الرياضة !!!

ثم أضيف إلى هذا “شراء المتابعين” عن طريق وضع الإعلانات “مدفوعة الأجر” على شبكات التواصل الاجتماعي، لزيادة الإيحاء والتأثير على العقل الجمعي.
فإذا دخل شخص، خصوصا من الجنس الناعم، وكان أمامه أو أمامها مليون ونصف متابع للصفحة مثلا، عندها، لن يكون أمام أو أمامها إلا “التسليم”.

ولكن هذا لا يكفي !!!
بالعكس، أضف كل ما سبق على هذا، وسيكون عندك ضحية ولقمة سائغة تنتظر من يلتهمها.
بالإضافة إلى مفردات “الإثارة”، مثل: “سأصدم المشاهدين بما سأقوله الآن” أو “الموروث الذي أخرج لنا الإرهابيين”
(كله لزوم إعداد الضحية)
وكذلك تكرار مفردات مثل “عندما كنا في الأزهر”، إلى أن جاء الشيخ سالم (هداه الله) وفضحني على الملأ، واكتشف الجمهور أني (فاشل أزهر).
ومفردات مثل: “أنا أقول رأيي، والشيخ يقول رأيه، وعالم آخر يقول رأيه”، “نحن أهل الاختصاص”، “عندما يحتاج الشيخ لرأي في مريض نفسي، فهذا دوري”، “أنا من حقي أن أجتهد في اختصاصي”، وغيرها من عبارات “التعظيم الذاتي”.

ولكن ماذا إذا واجهني مذيع أو مذيعة من “المتيقظين” ؟!
غالب الظن بهذه الأمة “الرائعة” أنه لا يوجد فيها من هؤلاء إلا نفر قليل لا يظهرون على وسائل الإعلام “الرائجة”.
ثم إنه لو ظهر أو ظهرت، فإن كل ما مضى، سيضاف إلى المجاملة الغالبة، والنفاق الاجتماعي، وعدم القدرة على المواجهة، والخوف على “لقمة العيش”.
كما إنني سأحرص على التحدث بما لا يمكنهم التحقق منه في التو واللحظة، كما لا يعنيهم المتابعة فيه أو ملاحقته.
عبارات مثل: “مهما أكلت فلن أسمن إذا لم يقتنع العقل الباطن بأن الطعام يسمن” أو “العلماء في روسيا عملوا ناس تتنفس تحت الماء” أو “الأبحاث أثبتت أن ليلة القدر تتسبب في “ارتعاش” الأجهزة” أو “مسارات الطاقة لها علاقة بالصلاة وأوضاع الصلاة” أو “الدعاء له طاقة، وعلينا أن نتعلم كيف نستجمع طاقة الدعاء حتى يستجيب الله لنا” أو غير ذلك من عبارات.

وسأحرص دائما على ألا يكون معي أوراق أو دراسات أو أبحاث أو أي شيء يمكن أن “يفضحني”، كما سأحرص دائما على نسبة هذا كله إلى “أشباح”.

وقبل هذا كله وبعده، سأعمل على أن أستجمع الأسلحة التالية:

• كذب + كذب + كذب + كذب + كذب
• مخادعة للنفس + مخادعة للنفس + مخادعة للنفس + مخادعة للنفس + مخادعة للنفس
• افتراء على العلماء + افتراء على العلماء + افتراء على العلماء + افتراء على العلماء + افتراء على العلماء

ولكن ماذا لو طلب أحد المخالفين أن يجتمع بي أو أن يناظرني مثلا ؟!
سأتجاهل، وسأتعذر بأن هذا لا يعنيني، أو لأنني منشغل، أو سأتهرب ببساطة.

وإن كان ولا بد، فسأحرص على أن أخرج أمام من أظن أنهم سيكونون ضعفاء، فأنتصر أمام “جمهوري”، وحبذا لو كان من “شيوخ الأزهر التقليديين”.

ولكنني وقعت في الفخ، فخرج أمامي من “الأزهر” من عراني وكشفني وفضحني، ولكن بأدب، مع أنني تطاولت عليه كثيرا وأسأت الأدب معه، وتعاملت معه أمام الجمهور وكأنه “مراجع في العيادة النفسية”، كما استهزأت به أمام الجمهور في أكثر من مشهد. لكنه حافظ على أدبه، مع أنني استخدمت يدي أكثر من مرة غي الإشارة إليه إشارات غير مؤدبة، وكأنني كنت أسكته وأخرسه باستخفاف !!!

معقولة ؟! هل يعني هذا أنني خسرت كل ما عملت عليه حتى اللحظة ؟!

لا، لا، لا
الحمد لله حمدا كثيرا
“الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”
الجمهور “نائم” و “مغفل” ويبحث عن “دين سكر خفيف، قليل التكليف”
وهم يصدقوني ويثقون بي، مهما كان، ومهما حصل، لأن ما مارسته من “خدع إيحائية” حتى اللحظة، أعمى بصائرهم تقريبا.
ربما، أقول: ربما، حتى لو جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرهم مني، لصدقوني واتهموه بأنه “المسيح الدجال”، ربما !!!

أنا مطمئن على نفسي طالما أنا في هذه الدنيا

أما عما أشعر به في خلوتي بيني وبين الله، وبيني وبين نفسي
فهذا لا خوف عليه
لقد ألقيت بنفسي في “السرداب” منذ زمن
ربما منذ أن بدأت رحلة البحث عن “النجاح السريع” بعد “فشلي”
ولا أكاد أسمع صوت نفسي أو “ضميري” إلا فيما ندر

فلا خوف من هذه الناحية

أما عن الآخرة … !!!

*****

نلقاكم هناك :)

عبدالرحمن ذاكر الهاشمي
طبيب استشاري العلاج النفسي والتربوي