من فقه النفس في سورة الكوثر

من فقه النفس في سورة الكوثر

اسمها:

• سورة الكوثر، ولا يعرف لها اسم معتبر آخر عند العلماء
• ذكر عند [البخاري]: “إنا أعطيناك الكوثر”
• روي عن البقاعي “سورة النحر”. [تفسير البيضاوي]

زمان نزولها ومكانه:

• اختُلف فيها، وقال البعض أنها نزلت مرتين.
• مكية عند ابن عباس والجمهور.
• مدنية عند الحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة. ورجح هذا الطاهر ابن عاشور.
• مفردة “شانئك” ترجح كونها مكية لارتباطها، لأن الخصومة والعداء حاصلان في الحالين.
• مفردة “وانحر” قد تفيد كونها مدنية في الغالب.
• عن أنس بن مالك (وأنس أسلم صدر الهجرة): بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه (وفي رواية: مبتسما؛ قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟). قال: أنزلت عليّ آنفا (زمن ماضي قريب) سورة، فقرأ “بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر” ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه (أو: أعطانيه) ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة؛ آنيته عدد كواكب السماء، يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال لي، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. [صحيح مسلم].

عدها:

• الذين قالوا إنها مكية: عدوها (15)، بعد سورة العاديات وقبل سورة التكاثر.
• الذين قالوا إنها مدنية: نزلت في الحديبية.

آياتها:

• ثلاث بالاتفاق
• أقصر سورة من حيث عدد الآيات (3) والكلمات (10). فهي أقصر من سورتي العصر (3 آيات) والنصر (3 آيات).
• قال أهل “الإعجاز القرآني”: أقل الإعجاز هو سورة الكوثر! وقيل: بل آية (حم) !!!
• “وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين” [القرآن/البقرة/23] (قبلها سورة واحدة)
• “أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين” [القرآن/يونس/38]
• “أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين” [القرآن/هود/13]. (قبلها 10 سور)

سبب نزولها:

قال الواحدي: قال ابن عباس: إن العاصي بن وائل السهمي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام عند باب بني سهم، فتحدث معه وأناس من صناديد قريش في المسجد فلما دخل العاصي عليهم قالوا له: من الذي كنت تتحدث معه فقال: ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد أن مات ابنه القاسم قبل عبد الله فانقطع بموت عبد الله الذكور من ولده صلى الله عليه وسلم يومئذ، وكانوا يصفون من ليس له ابن بـ “أبتر”؛ فأنزل الله هذه السورة.

إنا:

• صيغة الجمع للتعظيم، وتستخدم عند ذكر (الأفعال) لمناسبة (تعدد) صفات الله في عطائه وقوته وقدرته وإحاطة علمه.
• أما إذا كان الحديث عن التوحيد والذات الإلهية، فتكون الصيغة صيف الإفراد؛ مثل: “إنني أنا الله”.
• صيغة الجمع تفيد (كثرة الخير).
• يستخدمها أعداء الإسلام كشبهة للدلالة على (تعدد الآلهة) والتشبيه بـ (التثليث) عند النصارى.

أعطيناك:

• العطو: الأخذ والمناولة. والإعطاء: اتصال الشيء إلى الآخذ له. والإعطاء يختلف عن الهدية (التي تعطى لحاجة المعطي) أو الهبة (التي فيها معنى التملك) أو الإيتاء (الذي يقتصر على حد معين: “ما أوتيتم من العلم إلا قليلا). أما الإعطاء: فهو المناولة بلا حد يذكر.
• العطاء يتناسب مع المعطي، فإذا كان (المعطي) هو الله، فإن (العطاء) كثير كريم غير محدود.
• أعطيناك: الفعل الماضي يدل على علم الله الأزلي (وهذا من الإيمان بالقضاء والقدر)، ويدل أيضا على التحقيق واليقين.

الكوثر:

• الكوثر: الخير المفرط في الكثرة، غير المتناهي. [الزمخشري]. والكوثر: صيغة مبالغة من الكثير، على وزن (فوعل). مثل (نوفل) من (النفل). هناك (كثير)، وهناك (أكثر)، وهناك (كوثر).
• نقل عن العلماء في معنى ا(الكوثر) قرابة 25 معنى، كثير منها يرجع إلى أصول قليلة، ويجعها كلها المعنى الأصلي: الخير المفرط في الكثرة.
• قيل: نهر في الجنة. (هذا أرجح المعاني). عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بينما أنا أسيرُ في الجنةِ، إذا أنا بنهر، حافَّتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المجوَّفِ، قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثرُ، الذي أعطاك ربُّكَ، فإذا طِينُه، أو طِيبُه، مسكٌ أذفرُ. شكَّ هُدْبَةُ” [صحيح البخاري]
• وقيل: حوض الرسول، لكثرة من سيرد عليه من أمته. (ثاني أرجح المعاني)
• وقيل: الخير الكثير: رأي ابن عباس. قال سعيد بن جبير: فقلت لابن عباس: إن ناسا يقولون هو نهر في الجنة! فقال: هو من الخير الكثير.
• وقيل: الإسلام [المغيرة]؛ القرآن [الحسن]؛ القرآن والنبوة [عكرمة]؛ كثرة الأمة والأتباع [أبو بكر بن عياش]؛ رفعة الذكر، نور القلب، الشفاعة. [الماوردي]
• من اللطائف، أن يكون اسم (أقصر) سورة في القرآن هو (الكوثر). وكأن الرسالة هنا: لا تستخف بالخير الذي عندك، والخير (الكوثر) لا يرتبط بعدد رياضي (مادي)، بل بما يحويه من (روح) ومن خير.

فصلّ:

• صلّ: ادع واعبد واشكر
• قيل: الصلوات الخمس [مقاتل]؛ وقيل: صلاة الأضحى [قتادة]؛ وقيل: صلاة الصبح بالمزدلفة [مجاهد]
• والسياق هنا سياق (الكوثر)، فناسب أن تكون (الصلاة) صلاة دائمة، ذلك أن الخير لا ينقطع، والصلاة لا ينبغي لها ذلك أيضا.
• والصلاة هنا فعل ظاهر، بدلالة ما سيلي (وانحر).
• الشكر لله يكون بالفعل كما أراده الله، ولا حجة هنا لمن يخادعون أنفسهم بـ (الإيمان في القلب) ثم يتكاسلون عن الصلاة !!! فإذا كان خير الخلق (محمد صلى الله عليه وسلم) يصلي لله ويقول (أفلا أكون عبدا شكورا ؟!) فكيف بمن هو دونه مقاما وعملا ؟!

لربك:

• حرف اللام ( لـ ): حقيقة التوجه لله، وإفراده في العبادة، والتوحيد، والإخلاص.
• الرب في الأصل: من التربية، وهي إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام، ويقال ربه، ورباه ورببه. والرب (على الإطلاق) هو مسبب الأسباب، والمتولي لمصالح العباد.
• ناسب لفظ (الرب) سياق الآيات وقصتها، وكأن الله يرسل رسالة (تطمين وعطف وحنو) إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان قد انقطع نسله من الذرية (الجسدية)، فإن (ربه) باقي معه، يؤنسه، ويحنو عليه، وينصره.
• حرف ( كـ ): الإضافة إضافة تشريف، وكأن الله يقول له (أنا ربك يا محمد، فمن رب خصمك وعدوك ومبغضك).

وانحر:

• النحر: ذبح الإبل موضع النحر من الرقبة.
• قيل: اذبح يوم النحر [ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والجمهور]. ووقيل: صل لله، وانحر لله، توحيدا وإخلاصا. [القرظي]. وقيل: وضع اليمين على اليسرى عند النحر في الصلاة. [ضعيف]. وقيل: رفع اليدين بالتكبير إلى النحر. [ضعيف]. وقيل: استقبال القبلة بالنحر. [الفراء].
• مما يستشهد به من يقولون إنها نزلت في الحديبية. [الطبري]
• وانحر (له)؛ مثل (أسمع بهم وأبصر).

شانئك:

• شنأ: أبغض وتجنب. والشانئ: المبغض. والشنآن: الكره والبغض. وفي القرآن: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ” [القرآن/المائدة/8]
• الخصم: المقابل، والمنازع؛ وليس بالضرورة أن يكون مبغضا.
• العدو: أصله في لسان العرب: الميل والتجاوز والتقدم والبعد؛ ومنه (عدوة الوادي). والتعدي: تجاوز ما ينبغي التوقف عنده. والعدوان: الظلم. والعدو: كل من/ما منعني من التقدم أو السعي لما رجوه أو أطلبه (أو ما فيه خير لي). وليس بالضرورة أن يكون العدو مبغضا. في القرآن: “يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم” [القرآن/التغابن/14]
• ليس كل خصم شانئا، وليس كل عدو شانئا، ولكن كل شانئ خصم وعدو.

الأبتر:

• البتر: القطع. الأبتر: المقطوع بعضه، وغلب على المقطوع ذنبه من الدواب، ويستعار لمن نقص منه ما هو من الخير في نظر الناس. والأبتر: الذي لا عقب له ولا ذرية (من الذكور). والأبتر: كل من انقطع أثره من الخير.
• في الحديث: “كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أقطع (أو أبتر)” [صحيح ابن حبان]
• قال الواحدي: قال ابن عباس: إن العاصي بن وائل السهمي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام عند باب بني سهم، فتحدث معه وأناس من صناديد قريش في المسجد فلما دخل العاصي عليهم قالوا له: من الذي كنت تتحدث معه فقال: ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد أن مات ابنه القاسم قبل عبد الله فانقطع بموت عبد الله الذكور من ولده صلى الله عليه وسلم يومئذ، وكانوا يصفون من ليس له ابن بـ “أبتر”؛ فأنزل الله هذه السورة.
• قيل: هو العاص بن وائل السهمي. [سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة] وهذا أرجح الأقوال. وقيل: هو أبو جهل. [ابن عباس] وقيل: أبو لهب. [عطاء]. وقيل: عقبة بن أبي معيط. [شمر بن عطية].
• البتر الحقيقي هو بتر النفس عن الخير الحقيقي، خير الدنيا والآخرة. وليس بالضرورة بتر الذرية أو البتر (المادي).
• ليس الخير (الحقيقي) في كثرة المال والأولاد، بل الخير فيما يؤول إليه هذا وغيره.
• “وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون” [القرآن/سبأ/37]
• “لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير” [القرآن/الممتحنة/3]
• “يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون” [القرآن/المنافقون/9]
• ولعل من نصر الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن حتى أبناء مبغضيه، غدوا أبناءه ومتبعيه وحاملي لوائه. فهذا العاص ولده عمرو بن العاص (الصحابي الجليل فاتح مصر) وحفيده عبدالله بن عمرو بن العاص (أحد العبادلة الأربعة، وفقهاء الصحابة). وهذا أبو جهل، ولده عكرمة الذي جاء مسلما تائبا. وذاك الوليد بن المغيرة الذي يسلم ولده الوليد، ثم يتبعه يلحق به أخوه خالد بن الوليد (سيف الله ورسوله).

من (فقه النفس) في سورة الكوثر:

• الله أولا، والكل (أقول: الكل) دونه. وهذا هو جوهر الأنس والطمأنينة والسعادة والرضا.
• الانشغال بالآخرين، لا سيما الخصوم المبغضين، يقطع (يبتر) النفس عن الخير الكثير. ولكن هذا لا يمنع إنكار المنكر والتصدي لأهل الباطل.
• نِعم الله كثيرة، بل هي (كوثر) لمن نظروا إليها بعين الرضا والأنس والعمل، والانشغال عن “المشتتات”.
• الصلاة صورة (مفروضة) من صور الشكر، ولا حجة لمن يشكرون (بأهوائهم) ويتركون (الصلاة المفروضة).
• إذا أنست بالله، وانشغلت بنفسي، لم يكن للخصوم المبغضين في نفسي مكان، وأمرهم إلى الله. وليس في هذا ما يمنع منعهم ومدافعتهم.
• تسديد الهدف، وتعريف الفلاح، ومفهوم النصر، كلها في حاجة لمراجعة، بمعزل عن الآخرين (الخصوم/المبغضين).
• الخير والذكر والذرية لا يرتبط بالمخرجات (الجسدية) = الأبناء فقط. نقرأ في القرآن ما يلي: “وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين” [القرآن/البقرة/124]؛ “” [القرآن/هود/45-47].
• الخلاصة، عند الحوض، هل سأكون ممن ينعم الله عليهم بشربة عنده، فأكون ممن سار بسيرته واستن بسنته ؟! أم سأكون ممن يردون ؟!

باختصار:

امض إلى (الكوثر) واعتزل (الأبتر)