رمضان موسماً لإعادة إنتاج الإسلام المُلَبْرل لـ أحمد أبازيد

رمضان موسماً لإعادة إنتاج الإسلام المُلَبْرل
أحمد أبازيد

17 يوليو 2013
رمضان 1434

منذ عاد محمد عبده من أوروباً قائلاً من أثر الذهول إنّه قد رأى إسلاماً و لم ير مسلمين , و تصوّرنا للإسلام بدأ يفقد مركزيّة النصّ و غائيّة الواقع , إلى أن يتحوّل شيئاً فشيئاً لتصوّر دائريّ يتمحور حول الغرب المتخيّل المثال .

على أنّنا حتى نكون دقيقين فلم يكن محمد عبده أوّل من نحا هذا المنحى , فقد كان لصدمة الحضارة أثرُها السابق على محمد عبده و الذي تجلّى في عموم فكر النهضة أواخر القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين , بين من دعا للخروج من واقع التأخّر -دون اختزال أيّ مشروع أو مفكّر بذلك- إلى اقتباس التنظيمات (خير الدين التونسي , ابن أبي الضياف , عبدالرحمن الكواكبي ) , أو تقليد الصناعات (رفاعة الطهطاوي , الشيخ محمود قبادو التونسي ) , أو تكثير المعلومات ( علي مبارك ) , وصولاً مع سيرورة المنطق نفسه مع غير الإسلاميّين إلى تحويل اللغات ( سلامة موسى , طه حسين ) .

على أنّنا ينبغي أن نقول إنّ التمحور حول الغرب المثال كمنطقٍ كامن لا يحضر بنسبةٍ واحدة ولا بوضوحٍ و قصديّة واحدة كذلك , و أنّنا قطعاً نبتعد في التوصيف عن اتهامات الوجه الآخر للتمحور حول الغرب , و أعني التمحور بالسلب في شكله السلفي , لهذه المشاريع و أصحابها هروباً من المناقشة أو عجزاً عنها , بأنّها محض غزوٍ فكريّ أو عمالة للماسونيّة ( كما كان الشيخ البوطي يتهم عبده و الأفغاني ) , ولا يمكن إنكار الطاقة التجديديّة الكبيرة لهذه المشاريع و ما حملته من محاولة مواءمة صعبةٍ بين شكل القوّة المتمثّل بحداثة الغرب و أصل الرؤية المتمثّل بالدين لأجل التقدّم بواقع المسلمين المهزوم , و أنّ كشف منطقٍ ما كامن في مشروع فكريّ لا يعني تجريمه و لا عزله عن سياقاته و لا تعريته عن الإثراء و الإضافة , و هذه بداهاتٌ في أيّ نقد فكريّ تُفتقد في عصر التوك شو و المعلومة السريعة و ثقافة الإثارة , التي يُكتب هذا المقال للكلام عنها .

و اعتاد الإسلاميّون فيما بعد صدمة الحداثة و مع مراحل الأفكار الكبرى المختلفة , أن يعيدوا إنتاج الإسلام مع كلّ ايديولوجيا مسيطرة لتظهر ثاويةً فيه و متضمّنة في قيمه , و لا تعدم آليّاتُ التأويل المتسعة و إمكانيات القراءة و الاقتباس و التقديم و التأخير اللا محدودة طريقها لإظهار عنصرٍ كامن من أيّ فكرة في تراث الإسلام الضخم .

بدأنا نقرأ مع انهيار الدولة العثمانيّة مثلاً عن جذور القوميّة في الإسلام ثمّ عن مشروعيّة الدولة الوطنيّة , و لاحقاً كتب العقاد كتابه “الديمقراطيّة في الإسلام” ليؤكّد على أنّ أصل الديمقراطية هو في الإسلام و أنّ الغرب اقتبسها منّا فهي بضاعتنا ردّت إلينا , و كتب الشيخ مصطفى السباعي كتابه “اشتراكيّة الإسلام” , ثمّ بدأ مشروع ” اليسار الإسلامي” مع حسن حنفي , إن لم نرد التعرّض لمدرسة “إسلام اللاعنف” مع جودت سعيد , و بدأ – بشكلٍ عالمي أوسع من محدودية النطاق العربي- المفكّر الباكستاني فضل الرحمن بصياغة “الإسلام الليبرالي” , التي سيحاول الكثيرون فيما بعد تقليدها و البناء عليها .

كما أنّ محاولات المواجهة مع هاجس الغرب الذي ازداد حضوره مع انتقال التنوير العربي مع عبدالله العروي إلى الجيل الثالث “الليبرالية الإصلاحية” , و اعتماده المركّز و المنهجي على وسائل العلوم الإنسانية دفع الإسلاميين إلى التعامل مع هذه العلوم باعتبارها “آخر” مبهماً يجب اكتشافه و اجتلابه فبدأ مشروع المعهد العالمي للفكر الإسلامي الساعي لأسلمة العلوم الإنسانية , مستكملاً مسيرة الأسلمة التي ابتدأت بالديمقراطيّة ولم تنته بما بعد الحداثة , و إن لم يكن يمكن وصف الكتابات و الدراسات التي أنتجها و التي تضمّ الكثير من الإضافات المهمّة , أنّها بذات مستوى التبسيط المخلّ للشعار و الخطّة الأوّليّة له .

و لا يمكن وعي سيرورة الملاحقة للغرب هذه كظاهرةٍ فكريّة بحتة , فقد نشات و تغذّت انطلاقاً من وعي المغلوب الذي شعر به المسلمون عموماً أمام الغرب الغالب , و من المظلوميّة التاريخيّة للإسلاميّين خصوصاً في مواجهة السلطة العربيّة التي حاصرتهم باتهامات الرجعيّة و الانغلاق و الإرهاب قبل قيود المعتقلات , فسعى الإسلاميّون للتحرّر من تهم الفكر كوسيلةٍ – في اللاوعي ربما – للتحرّر من ظُلَم الأسر و التضييق و التهميش , ماكينة التهم و الشيطنة المسعورة التي حاصرتهم بها بروباغندا استبداد الشرق مع امبرياليّة الغرب , ما عزّز من شعور المتّهم المجتاج لتبرئة نفسه انطلاقاً من “وعي مهزوم” .

و في العقود الأخيرة , ظهر مع تجارب التحديث الاقتصادي على النمط الليبرالي في ماليزيا و تركيّا خاصّة , موجةٌ عارمةٌ من الاحتفال بنجاح الإسلاميّين “الحضاري” , فيما يمكن أن ندعوه بـ “إسلام التنمية” , ولكنها تنمية على النمط الليبراليّ حصراً , و ما طغى في موضوع الاقتصاد طغى كذلك في النظريّات السياسيّة الإسلاميّة المحدثة ( مثلاً : محمد المختار الشنقيطي , لؤي صافي , هبة رؤوف عزت ) التي أنجزت مشاريع بمقدّمات مركّبة و مشغولة بهاجس الاستبداد و الانغلاق الإسلامي الحقيقيّ و بدراسات لا تخلو من عمق و تفانٍ للفقه السياسي الإسلامي , ولكنّها انتهت في الغالب إلى أسلمة ظاهريّة للنموذج السياسي الليبرالي الغربي , و نعني بأسلمة ظاهريّة , أنّها عملت على “أسلمة الدوالّ” مع التسليم بالمدلولات كما هي .

أنتج عقد الصورة الأخير ظاهرة الدعاة الجدد , لم تكن ظاهرةً دعويّة بمظهر الدعوة القديم في المساجد و المدارس , و إنّما كانت دعوة نشأت و تضخّمت عبر وسائل الإعلام الحديثة , المتمثّلة بالفضائيّات بدايةً , و الفضائيّات الأغنى غالباً و الممتلكة لرؤوس المال الكبرى , و لئن كان من البدهيّ أن يفرض الإعلام الحديث منطقه على الصورة و المظهر , فإنّ من البدهيّ المسكوت عنه أنّه يفرض منطقه على المادّة المقدّمة خلاله كذلك , فتصبح معايير الكلام هي معايير السوق , و تصبح نسبة المشاهدة هي المرجعيّة المخوّلة بإضفاء القيمة على المادة الفكريّة , لا جودتها و لا عمقها , و لأجل ذلك تروج الآراء السهلة و القابلة للتعميم و التحشيد , بما يلزم ذلك من تبسيط و تنميط و اختزاليّة و اعتماد على العواطف الأولى غير المركّبة , و من تسليم بمنطق السوق و شروط الرأسمال , و استبطان منطقه , في سيرورة متكاملة شرحها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه المميّز عن التلفزيون .

و لعلّ الذي كان كامناً في منطق الدعوة الأوّل عبر الفضائيّات , أضحى ظاهراً حين انتقلت الظاهرة لمرحلتها الثانية و بدأت تكوّن مشاريعها , المشاريع التي كان هدفها إعداد مديرين ناجحين , باعتبار المؤمن القويّ خيراً من المؤمن الضعيف , تجري إعادة التأويل للإسلام هنا , لتكون الحداثة المادية بمظهرها الغربي هي المقصد , و محلّ إثبات التديّن , مع نزعةٍ أمريكيّة تتمثّل بالتركيز على الإدارة , و الاقتصاديّ المبادر , و التنمية البشريّة .

إنّها ظاهرةٌ تدور ضمن فلك الغربِ المثال , و تستبطن منطق الرأسمال الذي تقدّم نفسها بأدواته و سلطته , و بأدوات الدعوة التي يُعاد تأويل غائيّاتها .

و انسجاماً مع تحويل رمضان إلى مناسبة استهلاكيّة عامّة , تصنعها شركات الإعلان و رؤوس المال , ليكون التبدّل الأساس لا في نمط التديّن و العبادة , و إنّما في نمط الاستهلاك , الذي يشمل الاستهلاك المباشر للسلع ( التي تتناسب مع إسلاميّة الشهر طبعاً , من كان يظنّ بالمناسبة أنّ مصر ستستورد فوانيس رمضانيّة من الصين ؟! ) و الاستهلاك غير المباشر المتمثّل بمشاهدة برامج التلفزيون و المسلسلات التي تجهّز طيلة العام لشهر الصيام حصراً من قبل نخبةٍ منفصلةٍ أصلاً عن “إسلاميّة” هويّة الجمهور في كلّ شيء , إلّا في الاتفاق على الاهتمام المشترك بسوق الفنّ في رمضان , أنتجت قنوات الإسلام الليبراليّ الحديثة موسمها الموازي أيضاً , الذي – ككلّ ما أنتجته- يقدّم بضاعة السوق ذاتها بمنطقها الحديث المتغربن ذاته لكن بمظهرٍ إسلاميّ لا شكّ فيه ,حتى يمكن للمسلم الفرار من أغاني روتانا العارية إلى أناشيد “روتانا المحجّبة” , فكانت مواسم برامج الدعاة الجدد ضمن هذا السياق العامّ , دون اعتبار استغلال إمكانية المشاهدة العالية جريمةً , و لا اعتبار أنّ من الخطأ تقديم ما نراه صواباً ضمن حالة من الخطأ العامّ , هذا ضروريّ و ليس ممكناً و حسب , و ليست المؤاخذة هنا على استغلال شهر رمضان في تقديم برامج دعويّة إيمانيّة , فهذا تنطّع مبالغٌ به , و إنّما في في تقديم نسخةٍ أخرى مؤسلمة الظاهر من منطق الاستهلاك نفسه , و الرضوخ لشروط الآخر بدلاً من تقديم بديلٍ مستقلّ عنه .

و حتى لا يكون الكلام في المبهم , فلعلّ أهمّ أسماء ثلاثة ضمن تصنيف الدعاة الجدد هم : الدكتور طارق السويدان , و عمرو خالد , و أحمد الشقيري مقدّم برنامج خواطر , و لعلّه ليس من المفارقة أنّ الثلاثة قدّموا بأشكال مختلفة مسابقاتٍ إداريّة ضمن برامج اكتسبت جمهورها من هالتها الدعويّة .

و ربما يكون التعليق على الدكتور طارق السويدان , منحصراً ببرنامج إعداد القادة و تركيزه على مهارات الإدارة و القيادة , القيادة بشروط الشركات الحديثة , لأنّه سبق ذلك بحياة طويلة من التثقيف الواعي و الجادّ , مقارنةً بجوّ الدعوة السائد .

يقدّم عمرو خالد هذا الرمضان سلسلةً عن تاريخ الأندلس , بعدما استُنفدت قصص الرسول – عليه السلام – و الصحابة و الخلفاء التي حظيت بجمهور غير مسبوق و كانت حدثاً لا يمكن إنكار أثره , و بعدما أخذت مشاريع صناع الحياة و مسابقات المشاريع الإداريّة الناجحة مداها الأقصى , و بعد برنامج إذاعيّ عن قصص الأمل الذي ثارت ضجّة حوله حيث كانت إحدى القصص عن طفلٍ ورث ثلاثة فنادق عن أبيه و نجح في بناء الفندق الرابع , إنّه أمل رأسماليّ محض , يقدّم كأمل إسلاميّ مدعم بالأحاديث و العبرات و الموسيقى المؤثّرة .

إنّها أندلس بعين عمرو خالد , العين العصريّة الباحثة عن حلول لمشاكل ما بعد الـ 2011 خاصّة , مشاكل الفتنة التي اعتزلها عمرو خالد داعياً إلى الحكمة و نبذ الفرقة و التعايش , دون أن ينفي هذا الاعتزال نيّة تأسيس حزبٍ سياسيّ يضمّ رموزاً من النظام السابق لتكتمل لوحة التعايش , إنّها أندلس التعايش بامتياز , ولكنّه التعايش المرغوب المأمول , لا التعايش القائم في التاريخ , و هي ستكون أندلس المنجز الحضاريّ بامتياز , و لكنّه المنجز الحضاريّ بشروط الحضاريّ الغربيّ لا بشروط تايخها و مجتمعها , و هي أندلس الوحدة الوطنيّة , و أندلس الخلافات الطائفيّة , و أندلس الفنون , و أندلس الفلاسفة , و أندلس المخترعات الطبيّة , و الأماكن السياحية التي تعجب الأوروبيين , و كلّ ذلك يقدّم بشروط العين العصريّة و صياغتها لتكون الأندلس ستارةً لواقعٍ يريد عمرو خالد علاجه و نقده و تقديم قدوةٍ له , أمّا أندلس التاريخ فمتروكةٌ لعينٍ أخرى في التاريخ , لا في همّ عمرو خالد الرمضانيّ التلفزيونيّ الحديث .

و لئن لم يكن التاريخ حكراً على المؤرّخ , و يمكن للداعية و الأديب أن يقتبس منه و يتكلّم عنه و فيه , فإنّ سرد التاريخ و تفاصيله يجب أن يكون بمرجعيّة المؤرّخ و منطق التأريخ مع إمكانيّة تبديل الأدوات حسب غائيّة السرد و نوع السارد , أمّا الحديث عن التاريخ بأدوات الداعية و منطق السوق و مرجعيّة النظر المهزوم في المُشكل الحاضر , فهذا سيقدّم حتماً تاريخاً مشوّهاً منتزعاً من سياقه و واقعه , قد يصلح للترويج السريع باعتباره عرضاً مسلّياً في النهاية , لكن على حساب التاريخ و المستقبل الذي يُرجى منه معاً .

بدأ أحمد الشقيري الموسم التاسع من برنامجه ذائع الصيت خواطر , الذي تتزايد شعبيّته و تأثيره مع كلّ موسم , كما تزداد ميزانيّته على ما يظهر .

و لئن قدّم الشقيري صورةً للمسلم و الدعوة أنيقةً و واسعة الأفق و متسقةً مع واقع العصر و مع الإسلام باعتباره مقصديّة مفتوحة لا شعائريّة مغلقة , و قدّم إمكاناً للفعل –و الأمل- الإسلاميّ أوسع أفقاً من قفص الطقوس و الدروس المشايخيّة , فنجح كمقابل لجوّ الدعوة –الخليجيّ خاصّة – السائد القاتم المتقوقع على نفسه و المنفصل عن زمنه و مجتمعه , و القائم على استثارة الغرائز الأولى و مخاطبتها ترهيباً او ترغيباً أو قمعاً بسلطة “لحوم العلماء مسمومة” , هذا كلّه نسلّم به حتى لا يُفهم انتقاد الدعاة الجدد انتصاراً لواقع المؤسّسة الدينيّة المتآكل و المتهافت , و حتى لا يؤخذ النقد كنقضٍ للشخص أو كـ “هجوم” كما تروج هذه الأمور عادةً بحكم الثنائيّات التي أضحت تحكم “عقل الفيسبوك” الذي يتعامل مع الأحداث السياسية و مع التيارات الفكرية و مع كلّ شيء في الحياة بمنطق مباراة كرة القدم , فلا مكان لغير التشجيع أو التشنيع , و الثالث المرفوع هنا هو العقلُ نفسه .

و لكن هذا أيضاً لا يلغي إمكان نقد هذه الظاهرة , و يمكن وصفها بالظاهرة بحكم جمهورها و أثرها المتسع فلم تعد مجرّد حالة\برنامج .

و ليس التركيز على أحمد الشقيري بحكم اتساع جمهوره و حسب , وإنّما لأنّ هذا البرنامج كان الأقدر على تجسيد فكرته كاملةً , و الأوسع تغطيةً لمجالات تحقّق\طموح رؤيته , التحقّق الغربي (الذي يتمظهر كذلك عبر الإسلام التاريخي) المقابل للطموح الإسلامي اليوم .

يأخذ الشقيري منتجات الحضارة الغربيّة بشقّها المادي متفرّقةً و منتزعةً من سياقها و تاريخ صيرورتها و واقع الحضارة الذي أنتجها , لتكون مستفزّة للوعي الإسلاميّ و منبّهةً له على قصوره الحضاري و ضرورة “التحسين” ليكون مثلَهم .

يستدلّ على أمانة المجتمع في دولة أروبية بمتجرٍ مصغّر مشرع على الطريق دون بائع و يدفع الجميع ثمن الماء و الشيبس , و على أن لا قفل على خزانة الصحف , و يُطلب منّا فوراً أن نقارن بأنفسنا , يهمل البرنامج أنّ هذه “الأمانة” لم تحصل إلّا بعد تراكم رأس المال و التواضع على أخلاق سوق مستمدّة من هذا التراكم , التراكم نفسه الذي لم يحصل ولم يستمرّ دون مسيرة طويلة من “اللاأمانة العامّة” المتمثّلة بسرقة شعوبٍ أخرى و فرض الهيمنة عليها لتحقيق الوفرة من جانب واحد , إنّها أمانة ثمن عبوة ماء الذي لا يعني شيئاً في دول تستحوذ على أنهارٍ من البشر الآخرين .

و يتكلّم عن الدقّة و الضبط في مطار دبي , مستشهداً بذلك على الإحسان في العمل , و أنّ من الممكن لمدينة “عربيّة” أن تبلغ أفق الحضارة , هذه المدينة لم تكن غير دبي نموذج التحديث السنغافوري النيوليبرالي البحت , و غير القائم إلّا على مراكمة منجَزات التحديث و غسيل رؤوس المال الكبرى في العالم عبر ناطحات سحاب لا وظيفة لها إلّا صنع فقاعة من الحداثة الماليّة , حداثة المظهر و تقديم الرفاه لمن يدفعون ثمن المظهر , قامت على الآلاف من العمال الآسيويّين المسحوقين , و على تضييع أبسط مقوّمات الهويّة مقابل النجاح النيوليبرالي المعولم …. و الإسلامي .

و لعلّ من المفارقات أنّ المجتمع الأوروبي كلّه موضوع للاعتبار و النظر و تقديم المثل الحضاريّة فليس شرطاً أن يؤخذ المثال الحضاريّ من الدولة وحدها , , أمّا في الشقّ الآخر غير الأوروبي , فالإنجاز الحضاريّ يتمثّل بالمشاريع الاقتصاديّة الشبابيّة ( في أحد حلقات الموسم الماضي كان الحثّ على القراءة عبر مسابقة من يصمّم مكتبة ناجحة في المول ) و بما تنجزه الدولة , ذاك لأنّ صورة الغرب في هذا النموذج معقلنةٌ بالكامل مجتمعاً و قطاعاً خاصّاً و سلطة عامّة , أمّا الشرق فلا تحضر العقلنة فيه إلّا عبر المركّبات فوق المجتمع سواءٌ كانت السلطة أو المشاريع التي تتحلّى بإدارة طموح .

يعلّق أحد الأصدقاء الأردنيين على حلقة مخيّمات اللاجئين السوريين في تركيا عبر تويتر في تعليق غاية في البساطة و العمق إنّ ” كاميرا خواطر9 لم تصور البيت الذي في قرية الشجرة بالرمثا الذي استقبل لاجئين سوريين فوق طاقته ، فهو بلا تقنية أو إدارة راقية أو تفكر و إحسان ” إنّ مثال الإحسان للاجئين هو ما يتبدّى عبر معايير الإدارة و التقنية ذات المظهر الأنيق , أمّا فعل الإحسان المجتمعي فغير مشمول في ذلك , لأنّ مجتمع الشرق ليس مثالاً للعقلنة كمجتمع الغرب , الذي لو استقبل أحدٌ لاجئاً في بيته في ضواحي باريس لكان مثالاً على الأخلاق المفتقدة لدينا .

لا تتمّ قراءة الحاضرة وحده عبر هذا النموذج الذي يعتبر غرب المادة المثال هو مرجعيّة إضفاء القيمة فيه , و إنّما قراءة التاريخ أيضاً تتمّ داخل المنطق نفسه , فلا يُستحضر من التاريخ الإسلامي إلّا منجزاته العلميّة الماديّة على الشرط الغربي في تعريف الحضارة و العلم .

مع التذكير بحجم الميزانيّة الهائل الذي يلزم برنامجاً يلفّ العالم ليصوّر الحفر في أمريكا و الصحف في السويد و حصة الرياضة في اليابان والعتبة الحديد لخيم اللاجئين في تركيا , إنّ منجز الثروة لا بدّ أن يتأثّر و يُحكم بمنطقها , حتى دون وعيه .

برنامج خواطر يحاول –بصدق- تقديم نموذج حضاريّ قدوة , و كان له أثر في تقديم خطاب إسلاميّ قادر على تمثيل الشباب و تخليصهم من أسر الشكل البائس المتقوقع للفعل الإسلامي الرسمي المتمثّل بالشعائر و الخطب الوعظيّة المكرّرة , ولكنّه قدّم منجزاً يستبطن في منطقه نفسه معيقات الفعل الحضاريّ المتسقلّ و الواعي بمشاكله و إمكاناته , إنّه الوعي المهزوم نفسه ولكن بصورة أكثر أناقةً و إتقاناً و حداثة , و هذا ما ننتقد فيه و في هذه الظواهر , نقد ضمن مستوى التفكير فيها و مراجعتها , لا ضمن الهجوم و المحاكمة و البحث في النوايا .

و ما دامت ظواهر ضمن الفضاء العامّ تؤثّر فيه و تتأثّر به , لا ظواهر معزولة خاصّة بأصحابها , فمساءلتها واجبة و التفكير بها بدهيّ و الاختلاف معها كما الاتفاق من سنن الأمور , بعيداً عن التوثين المفضي إلى محض تكرار الكلام وراء الرموز , و بعيداً عن التخوين المفضي إلى محض تعطيل العقل لقطع الرؤوس .

والله أعلم .